في 22 مارس (آذار) 2016، نشرت جريدة الوقائع الرسمية الفلسطينية، نص قرار قانون الضمان الاجتماعي رقم 6 لعام 2016. وُصف القانون بأنه «الأسوأ على المستوى الإقليمي»، وبأنه «صنف الناس لأسيادٍ وعبيدٍ». ووصفت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، اليوم الذي أُقرّ فيه القانون بـ«اليوم الأسود».

خرج القانون دون أي نقاشٍ مجتمعي، يشترط لخروج قانون أساسي، يتعرض لحق من حقوق الإنسان. خرج أيضًا مفتقدًا لمواءمته مع التشريعات الفلسطينية والاتفاقيات الدولية. وشكّل تجاوزًا واضحًا للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، لمعظم العاملين الفلسطينيين بالقطاع الأهلي، بنسبة 30%؛ لذا عاجل الفلسطينيون في الضفة الغربية، بالانتفاض ضد هذا القانون الذي يهدد بتمزق النسيج الاجتماعي الفلسطيني.

كيف خرج هذا القانون؟

رغم تعطيل جلسات المجلس التشريعي الفلسطيني في الضفة الغربية، إلا أنه سُنّت قوانين وتشريعات، لها تأثيرات كبيرة في حياة مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني، من بين ذلك صدور قرار قانون الضمان الاجتماعي، الذي يمس معظم الأيدي العاملة الفلسطينية في القطاع الأهلي، والذين يبلغ عددهم أكثر من 260 ألف عامل، بنسبة تتجاوز 75% من العاملين.

الضمان الاجتماعي

صورة من الاحتجاجات ضد القانون

وكما يقول حقوقيون فلسطينيون، فقد أُخرج هذا القانون من داخل غرف مغلقة، بقرارات مكنت جهات ذات نفوذ وسلطة، من التحكم في أموال شرائح مختلفة من المجتمع الفلسطيني. وصاغ بعض الأشخاص القانون، بعد أربعة اجتماعات كانت بعيدة عن كل المعنيين بالقانون، وعن ممثليهم من نقابات ومؤسسات، وتمت صياغته.

القانون الذي يمنح المزيد من النفوذ لأصحاب رؤوس الأموال، لن يرعى توزيع الدخل، وهو أمر يعزز تنامي معدلات الفقر، ويحمّل الموظفين الفلسطينيين أكبر من طاقاتهم في المساهمة الشهرية في الصندوق، ولا يضمن لهم راتبًا تقاعديًّا كريمًا، بل إنه يخفف الأعباء عن أصحاب العمل، على حساب الطبقات الكادحة، ما لا يوفر للأيدي العاملة المندرجة خارج الضمان الاجتماعي، أي الشيوخ والعاجزين عن العمل، أية ضمانات أو حماية.

يُوضح رئيس وحدة المناصرة المحلية والإقليمية، في مؤسسة الحق، عصام عابدين، أن مؤسسة الضمان الاجتماعي وصناديقها تحصل على اشتراكات للرواتب، قيمة هذه الاشتراكات ثمانية أضعاف الحد الأدنى للأجور، (الحد الأدنى للأجور في الضفة الغربية 1450 شيكلًا، ثمانية أضعافها 11600 شيكل، أي حوالي ثلاثة آلاف دولار).

وأضاف عابدين في تصريحات لـ«ساسة بوست»، أنّه «إذا كان الراتب أكبر، تذهب كل حسابات التوفير والادخارات مباشرة إلى الصندوق التكميلي، هذا الصندوق الذي لا يوجد رقابة عليه من الدولة، ولا يعرف لمن، في المحصلة نحن أمام خصخصة شاملة لضمان الاجتماعي، تديرها مؤسسات خاصة، وليس مؤسسة دولة.

الدولة ليست ضامنًا!

ربما تعد الصاعقة الأكبر لكل من اطلع على نص قانون رقم 6 لعام 2016، الخاص بالضمان الاجتماعي الفلسطيني، أنه يظهر بوضوح، أن الدولة لا تملك أي ضامن لمنظومة الضمان الاجتماعي، وأموال الصناديق، بل إنها رضخت بكل سهولة لسيطرة أصحاب النفوذ على أموال الصناديق.

في البداية، يمكننا الإشارة إلى الفرق الواضح، بين ما تحمله طيات هذا القانون من مخالفة لما نص عليه قانون عام 2003، الذي تم فيه إقرار قانون التأمينات الاجتماعية، وكانت الحكومة الفلسطينية هي الضامن لكل أموال الضمان الاجتماعي. وكانت المؤسسة للضمان الاجتماعي هي مؤسسة العامة وليست الخاصة، وهذا يعني أنه في حال حدوث أي خلل في الصناديق فإن الحكومة هي المسؤولة عن مواجهته.

وهنا يعقب عابدين، قائلًا إنّ «الضمان الاجتماعي يجب أن يكون مؤسسة عامة تديرها الدولة، ما نص عليه هذا القانون هو أننا أمام خصخصة شاملة للضمان الاجتماعي، الضمان الاجتماعي هنا تديره مؤسسات خاصة وليس مؤسسة دولة». عابدين يرى أنّ وجود الدولة بمثابة الضامن المالي، الذي تستند عليه الصناديق، لذا فإن تدخل الدولة قد يحقق فعلًا إعادة التوازن لمنظومة الضمان الاجتماعي. لكن بحسب عابدين، فإنّ الحاصل في هذا القانون، هو أن الدولة «نفضّت يديها من الموضوع»، على حد تعبير الرجل، بمعنى أنها سلمت الأمر لمؤسسات خاصة، أفقدت الفئات الأفقر، الحماية الاجتماعية، «ليصبح القانون مجرد شركة تجارية»، كما قال عابدين.

ويتابع رئيس وحدة المناصرة المحلية والإقليمية في مؤسسة الحق، عابدين: «الأخطر أن الجهة التي صاغت نصوص القرار بقانون هي الجهة التي وافقت عليه، وهي الجهة التي ستشكل مجلس الإدارة، هذا تضارب مخيف للمصالح، وهذا خلل في مبدأ سيادة القانون بالمفهوم الجوهري».

ظلم ذوي الاحتياجات الخاصة

يعمل المواطن الفلسطيني بشار ناصر «35 عامًا» مسؤولًا للوحدة المالية والتشغيلية، في مؤسسة مجموعة الاتصالات. يرهق ناصر كثيرًا ما أقره قانون الضمان الاجتماعي، لذلك قرر الاحتجاج مع الآلاف ضد هذا القرار.

الضمان الاجتماعي

المواطن الفلسطيني بشار ناصر

ناصر، وهو أب لطفلين، يعتبر أن القانون «ظَلمَ الجميع فعلًا، ونحن بالأكثر»، وذلك بسبب أنّ القانون «تجاهل ذوي الاحتياجات الخاصة، ولم يتطرق لهم لا من قريب ولا من بعيد. ومن المعروف أن العمر الزمني لموظف القطاع الخاص قصير، حيث من الصعوبة أن يستمر الموظف بنفس المدة التي يقضيها الموظف في القطاع العام».

وأضاف ناصر لـ«ساسة بوست»: «عدا على أن الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، من الصعب أن يستمروا في عملهم المدة المشروطة حتى يستفيدوا من الصندوق، وبالتالي سيجدون أنفسهم عالة على الآخرين، ومن جانب آخر سيكون أرباب العمل أكثر جرأة في الاستغناء عن ذوي الإعاقة بحجة أن هناك ضمانًا اجتماعيًّا».

وتابع بشار ناصر القول: «من المعروف أن العالم أجمع في العشرين عام الأخيرة أصبح يهتم بذوي الإعاقة، ويراجع القوانين القديمة، ويعدل عليها لصالح ذوي الإعاقة، ثم نأتي نحن لإصدار مثل هذا القانون المعيب الذي لم يتطرق لنا من قريب أو من بعيد، كنا نتوقع أن يكون القانون متحيزًا إيجابيًّا لصالح ذوي الإعاقة نظرًا لظروفهم الصعبة على الأقل».

الفئات الأكثر تضررًا من القانون

لأن الفلسطينيين في الضفة الغربية، وجدوا أنفسهم مضطرين للخروج من جديد -بعد احتجاجات المعلمين- لمواجهة سياسات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية، هتفوا بالآلاف أمام مجلس الوزراء في مدينة رام الله منددين بالقانون، وبواضعيه، مثل هتافهم «حرامية.. حرامية»، مُطالبين بإلغاء القانون، أو إعادة صياغته بما يراعي مصالح الفئات المتضررة منه، والتي هي الأضعف في المجتمع!

على سبيل المثال، فيما يتعلق بالمرأة العاملة التي تشكل نسبة مشاركتها في سوق العمل 19.1%، فقد حرمها القانون من الاستفادة من إجازات الأمومة، كما نص على عدم استحقاق زوج المشتركة المتوفية للراتب التقاعدي، وربط استحقاق الراتب التقاعدي بالحالة الزوجية للمشتركة. وكما جاء في بيان مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية فإن «استمرار الحكومة في تجاهل الحقوق الخاصة بالعاملين، والموظفين، وانحيازها المطلق للقطاع الخاص ومصالحه، والذي انعكس في العديد من بنود قانون الضمان الاجتماعي سيزيد من الفجوة بين الحكومة والناس».

على ذلك، يُعقب النائب في المجلس التشريعي، حسن خريشة، في حديث خاص لـ«ساسة بوست»، قائلًا إن «هذه الحشود الكبيرة التي حضرت أمام مجلس الوزراء، تحمل رسالةً واضحةً، بأن هذه الفئات لم تسكت عن حقوقها، ولن تمرر هذا القانون الذي صُنع في الظلام من قبل بعض الأشخاص، ولم تشارك فيه قطاعات مختلفة».

واستشهد خريشة بتجربة السلطة الفلسطينية مع قانون الضمان الاجتماعي، الذي أقر في 2003، واعتمده الرئيس رسميًّا، وبقي حتى 2007 لم يُعمل به. «تم إلغاء هذا القانون بقرار من البنك الدولي، وبالتالي من يرضخ للبنك الدولي، يلغي القانون، فالأصل أن يستجيب لإرادة شعبه ويلغي هذا القانون، ثم يفتح حوارًا شعبيًّا شاملًا يشترك فيه كل الفئات التي أخرجت لضمان أن يكون هناك نظام حماية اجتماعية، وليس نظام ربح وخسارة».

وانتقد خريشة إقدام السلطة الفلسطينية في الفترة الأخيرة على إقرار عدد كبير من القوانين التي تحمل طابعًا اقتصاديًّا، قائلًا: «يجب ألا يكون هذا القانون، قانونًا اقتصاديًّا جديدًا».

عرض التعليقات
تحميل المزيد