غيرت اليابان من دبلوماسيتها واستخدمت القوة الناعمة من أجل إخراج صورة جديدة إيجابية عن اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. كيف يمكن للدول الأخرى الاستفادة من هذه التجربة اليوم؟

وقفت مدينة نانكينج الصينية في طليعة الحرب بين اليابان والصين في عام 1937، ومع اجتياح الجيش الإمبراطوري الياباني عاصمة الصين لغزوها، هرب المدنيون اليائسون إلى ملجأ من جدران قوية واقية والتي كانت كاتدرائية احتموا فيها. في تلك الأجواء وجد الأمريكي جون ميللر نفسه محاصرًا وسط فوضى هذه المعركة والتي صارت احتلالًا فيما بعد، لينضم لمجموعة من الصينين الذين قرروا الهروب خارج أسوار الكنيسة.

كانت هذه بعض أحداث الفيلم الصيني «زهور الحرب» المنتج عام 2011، والذي يروي قصة العنف والاضطهاد الذي مارسه الجيش الياباني على الشعب الصيني. لم تكن قصة زهور الحرب فيلمًا استثنائيًا في السينما الصينية، لكنها ثقافة انتشرت في عدة بلدان حول العالم. بل إن «الخوف من اليابان — Japanophobia» سُجل على أنه مرض له أعراض، وذلك لما كانت عليه اليابان من وحشية قبل الحرب العالمية الثانية، مما جعل شعوبًا كثيرةً تكره وتخشى الجنس الياباني.

منطقة الشرق

منذ 6 شهور
بعيدًا عن صراع أمريكا والصين.. كيف تنظر اليابان لجارتها التي سحبت بساطها؟

كانت الفلبين – المدعومة أمريكيًا زمن الحرب العالمية الثانية – من الدول التي ورثت كره اليابان وكذلك إندونيسيا، التي احتُلت من قبل الجيش الياباني. ولا تزال شبه الجزيرة الكورية تكن العداء لليابانيين ولا يزال هناك صراع على جزيرة دوكو بين كوريا الجنوبية واليابان رغم العلاقات الجيدة بينهما.

أما عن الصين فروح العداء ما زالت متيقظة، مما دعا الصينيين إلى مقاطعة المنتجات اليابانية، غير ناسين اجتياح اليابان للصين، خاصة مذبحة نانكينج الشهيرة. أما عن هوليوود؛ فأنتجت عدة أفلام تسخر فيها من الشخصية اليابانية، ورغم تحسن العلاقات بين البلدين إلا أن السينما الأمريكية أبقت على الصورة النمطية للجيش الياباني.

دبلوماسية الثقافة الشعبية.. القوة الناعمة التي غيرت صورة اليابان في العالم

دعا كل هذا الدولة اليابانية – خاصة بعد خسارتها في الحرب العالمية وضرب هيروشيما وناجازاكي – للتغيير من دبلوماسيتها واستخدام القوة الناعمة من أجل إخراج صورة جديدة إيجابية عن اليابان تغير من خلالها صورة وإرث اليابان القديم.

بدءًا من سنة 1980، انطلقت وزارة الخارجية اليابانية في رحلتها لبناء صورة ذهنية مختلفة عن اليابان الجديدة، والتي تعتمد على كونها قوة اقتصادية وتقنية وصناعية موثوقًا بها. ومن شرق آسيا تحديدًا سعت اليابان لإصلاح علاقاتها وتقوية تحالفاتها بالدول المجاورة.

في عام 1983، انطلق المسلسل التلفزيوني «أُوشين» والذي يحكي عن فتاة فقيرة والتي – على مدار الحلقات – تستطيع إنشاء سلسلة محال تجارية كبرى في اليابان. غزت أوشين شاشات التلفاز على مستوى العالم وأصبحت رمزًا لليابان الجديدة.

ورغم المشاكل السياسية والاقتصادية، استطاعت اليابان خلق ثقافة جديدة كليًا، تشمل العديد من الفنون المختلفة التي أصبح لديها معجبون حول العالم، والتي سوقت لفكرة «اليابان الرائعة» والتي لا تمت للماضي بأي صلة.

في سبيل ذلك، خاضت اليابان كل المجالات، من قصص «المانجا» المرسومة وأفلام ومسلسلات «الأنيمي». التي كانت أحد أهم ما تأثر به الطفل العربي في فترة التسعينات، خاصة ما عرضته قناة «سبيستون» من برامج كرتونية مدبلجة، وكذلك ألعاب الفيديو وظهور أجهزة «نينتيندو» للألعاب، وشركة «سوني» وإصدارها المميز «البلاي ستيشن»، وصولًا إلى المطبخ والأكلات اليابانية، والموضة والأزياء، والرياضات مثل السومو والكارتيه، التي أصبح لديها جمهور عريض؛ ما جعل اليابان قوة ثقافية عظمى.

كما أصبحت اللغة اليابانية، لغة العلوم التقنية المتقدمة، وذلك لتفوق اليابان في علوم الذكاء الاصطناعي والإنسان الآلي، ونشرها ثقافة تعليم هذه العلوم للأطفال وعقد المسابقات والمهرجانات التي تروج لهذه الثقافة. تقول «فورين بوليسي» في تقرير لها: أنه «بدلًا من الانهيار تحت المصائب، ازداد التأثير الثقافي العالمي لليابان بهدوء. وتبدو اليابان اليوم قوة عظمى ثقافية أكثر مما كانت عليه في الثمانينيات».

Embed from Getty Images

كيف يمكن للعالم التعلم من تجربة اليابان

إن ما سعت له اليابان بعد خسارة قوتها العسكرية الصلبة؛ هو بناء قوتها الثقافية الشعبية الناعمة. وهو ما حققت من خلاله نجاحا كبيرًا على مستوى السياسة الخارجية، بل والداخلية أيضًا، وهذا هو أهم ما لعبت عليه سياسة «اليابان الرائعة — Cool Japan» المستمدة من شعبها.

في ظل جائحة كورونا، ووقوع الدول والمنظمات والشركات العالمية تحت وطأة المصائب، كان لا بد أن نتعلم من تجربة اليابان. فهذا هو الوقت الذي تُخلق فيه فرص جديدة، ويظهر لاعبون جدد على نفس الطريقة اليابانية، فبدلًا من وعي مستمد من الحكومات، أصبحت الحكومات الآن هي من تخضع للتدقيق من قبل المواطنين ومواجهة شائعات الأنظمة بحقائق تسبق وسائل الإعلام، إنها ثقافة العالم الجديدة التي تتبلور يوما بعد يوم، وهو ما يجب الاعتماد عليه لمواجهة المصائب التي تسببها كورونا.

إن المجتمعات اليوم أصبحت قادرة على خلق صورة عنها بسلوكها ووعيها وقدرتها على مواجهة الفيروس، وليس دبلوماسية الحكومات، فمن الصين التي ظهر منها الفيروس والخوف من كل ما هو صيني، إلى أوروبا وأمريكا التي تواجه معدلات عالية من الإصابات بالفيروس، أصبحت الصورة الذهنية مختلفة الآن عما كان من ذي قبل. وأصبح للشعوب على أرض الواقع القدرة على خلق قوة ناعمة تعكس ثقافتها ووعيها، وهو ما رأيناه من تجارب ناجعة في مواجهة الفيروس مثلما فعلت تايوان.

إن كل ما حملته كورونا من مرض وأزمة اقتصادية طاحنة عصفت بالمواطنين، وانتشار كبير للشائعات، يصب وبشكل مباشر ويبرهن على الثقافة الشعبية، فمهما قيدت الحكومات الوضع بالإجراءات المتبعة وفرضت الحظر على المواطنين، يبقى الرهان في يد تلك الشعوب التي تستمد معلوماتها ووعيها من شبكات التواصل الاجتماعي، وهي من يصنعها بنفسها وتمثل قوتها الأولى.

تقول ليز جالفز المتخصصة في الدبلوماسية الرقمية: «قبل بضع سنوات فقط، كان من غير المتصور أن تُعقد المؤتمرات الدولية عن بعد، وهو ما نشهده الآن عبر التطبيقات التي يستخدمها القادة والعامة على حد سواء، وهو ما يضع في يد الشعوب قوة لم تكن موجودة من ذي قبل. فالحكم على الدول في المستقبل سيكون بناء على سلوك تلك الدول تجاه مواطنيها ودرجة المصداقية بينهم، واستخدام التقنيات الحديثة لتسهيل هذه العملية، وليس اللعب بالدعاية على المواطنين وإلقاء اللوم عليهم».

Embed from Getty Images

وفي حوار مع المركز الثقافي البريطاني، يرى الباحث المتخصص في القوة الناعمة والسياسة الخارجية جوناثان ماكلوري أن الأزمة تعني أن تصورات كفاءة وفعالية الحكومات ستكون أكثر أهمية مما كانت من ذي قبل.

ويضيف: «أولئك الذين تعاملوا بشكل جيد مع تفشي كورونا، من المرجح أن يروا قوتهم الناعمة تتصاعد. وعلى العكس من ذلك، من المرجح أن تواجه الصين والولايات المتحدة انتكاسات في قدرتيهما على جذب دول أخرى مستعدة للتعاون معها».

أنشأ جوناثان نموذجًا لقياس القوة الناعمة لدى الدول، ويرتكز على ثلاثة محاور رئيسية:

  1. السمعة الفعلية للبلد في عيون الآخرين.
  2. جودة وقوة الأصول الموجودة تحت تصرف الدولة.
  3. الطرق التي تستخدم بها الدول أصولها.

بناء على هذا النموذج؛ يعتقد جوناثان أن الكفاءة التي أظهرتها عدد من الحكومات الآسيوية في مواجهة تفشي كورونا ستكون بمثابة تعزيز إضافي لقوتها الناعمة. فمع الأداء الجيد للعديد من دول آسيا خلال الجائحة، «سيخرجون سيرًا على الأقدام ورؤوسهم مرفوعة». فيتنام، على سبيل المثال، لديها حالات وفيات أقل من المملكة المتحدة، على الرغم من عدد سكانها الكبير ومجاورتها للصين.

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
مترجم: لماذا نجت هذه الاقتصادات الآسيوية من التراجع بسبب كورونا؟

يرى جوناثان أيضًا أن دول آسيا تحرز تقدمًا ثابتًا عبر جميع الأبعاد الثلاثة للقوة الناعمة؛ تحسين التصورات والسمعة في العالم، وامتلاك أصول ثقافية جذابة بشكل متزايد، وتطوير طرق جديدة وفعالة لاستخدام أصول القوة الناعمة دوليًا. وهو ما يضعها في منافسة مع القوى الغربية العظمى، والذي سيخلق من العالم شكلًا وتوازنات جديدة بكل تأكيد.

إن ما نشهده في العالم اليوم هو طفرة حقيقة، ليس في ميزان قوة الدول وحسب، بل في الطريقة التي سنحسب بها تلك القوة. إن القوة الناعمة للشعوب وتسويق ثقافتها – كما فعلت اليابان – ستصبح من الآن وصاعدًا القوة الأهم في رسم السياسات العالمية، والعنصر الرئيس في ميزان القوة الدبلوماسية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد