ربما رأى تنظيم داعش في قوته الناعمة التي بسطها على أرضه أداته للبقاء، وأيضًا لتقويه جذوره وجعل مهمة اقتلاعه والقضاء عليه عسيرة، فبعيدًا عن القتل ومشاهد العنف والنزوح سعى التنظيم لترسيخ أسس دولة الخلافة التي أعلن عنها 29 يونيو الماضى بسوريا والعراق، ليقدم مشهدًا مخالفًا يبني فيه دولة حديثة باقتصاد قوي ودستور وقضاء إسلامي ومنصات إعلام رسمية ونساء تقفن إلى جانب أزواجهن للقتال.

ويبدو أن تنظيم داعش يرغب في إثبات ريادته واستحقاقه للقلب “الدولة” الذي ينسبه لنفسه، رغبته في استقطاب المقاتلين من كل الجنسيات للحاق بالجيش أو الانضمام لكتائب النساء ليوافيهم التنظيم حقوقهم ويميزهم بفارق كبير عن نظرائهم في باقي مناطق سوريا والعراق حتى إنه حرص على إصدار عملة للتداول خاصة به رغم علمه أنها لن تحظى باعتراف دولي.

“ديوان التعليم” مناهج جديدة بتعاليم إسلامية


قبل بداية العام الدراسي أغلقت داعش معظم مدارس شرق سوريا في انتظار مراجعة المناهج لتناسب توجهها الديني، لتظل المدارس معلقة حتى يخضع المدرسون لدورات شرعية والانتهاء من إعداد مناهج تعليمية جديدة بدلا من المناهج “الكفرية”، وكانت تلك القرارات التي اتخذتها داعش في اجتماعاتها مع إدارات المدارس التي وافقت بصفتها على إلغاء مادتي الفيزياء والتاريخ مع تشجيع التعاليم الإسلامية ليدرس الطلبة بالساحات مادة الدين وقليلًا من الحساب ومنطقهم في هذا أن كل المعرفة تخص الخالق.

“بشرى من أمير المؤمنين زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي وسعيًا منه لرفع الجهل وتعميم العلوم الشرعية ومقاومة العلوم والمناهج الفاسدة واستبدالها بمناهج إسلامية صحيحة فقد أمر بتأسيس ديوان التعليم في الدولة الإسلامية”. الإجراءات التي تم تنفيذها على نطاق واسع مع بداية الدراسة ومنع المدرسين من الذهاب للمدرسة حتى إتمام الدورة الشرعية حتى لا يقعوا تحت طائلة “المساءلة الشرعية”، وأصدرت “مديرية المناهج” التابعة للتنظيم بعده أوامر تربوية منها إلغاء كامل لمواد التربية الفنية والموسيقية والوطنية والفلسفة وعلم الاجتماع والتربية الدينية الإسلامية والمسيحية مع شطب جملة “الجمهورية العربية السورية” أينما وجدت ويحل مكانها الدولة الإسلامية.

وتسعى داعش –وفقًا لوصفها- لإحلال الانتماء للإسلام محل الوطن فأصدروا تعليمات بإلغاء النشيد الوطني السوري وعدم تدريس مفهوم الوطنية والانتماء، فالانتماء للإسلام ولأهله، واستبدال كلمات وطن ووطني وسوريا والعراق بالدولة الإسلامية وولاية الشام، كما جاء بورقة تعليمات نشرتها “مديرية المناهج” على المؤسسات التربوية والتعليمية.

“المعسكر الشرعي للأشبال” وجيش موازٍ دون ال 16


“نريد مدارسنا” هو الفيديو الأول الذي ظهر به عشرات الأطفال ارتدت فيه الفتيات النقاب الأسود بحسب قوانين تنظيم داعش، وهو الفيديو الذي تم حذفه خوفًا من ملاحقتهم كرافضين لأوامر التنظيم، ليظهر اليوم أطفال سوريون بفيديو بثته حملة” الرقة تذبح بصمت” ضمن معسكرات تدريبية أنشأها التنظيم، وجاء عشرات الأطفال ملثمين يهتفون لداعش ويبايعون أبا بكر البغدادي وينشدون أغاني الدولة الإسلامية، وقد كتب على قمصانهم “أشبال الخلافة”.

واستخدمت داعش طرقًا مختلفة لضم الأطفال لمعسكراتها القتالية واستعانت برغبة البعض أو بخطف الأطفال من ذويهم أو مقابل المال كتعويض عن الطفل في قرى الرقة الفقيرة كما تشير بعض التقارير، وذلك بهدف تشكيل “المعسكر الشرعي للأشبال”، المعسكر الذي يحوي الأطفال دون سن ال 16 في دفعات يتم تدريبهم على استخدام الكلاشينكوف والآر بي جي والقنابل وإعداد المتفجرات، ثم يتم تقسيمهم لقسم المقاتلين وقسم الانتحاريين وقسم مصنعي القنابل.

ميثاق يحكم ومحاكم إسلامية وشرطة

الحكم في شوارع العراق التي تخضع لسيطرة التنظيم يتم تحت سلطة “ديوان الحسبة” التابع لتنظيم داعش، فيشكل أعضاؤه “الحاكمون بأمر الله” جماعات تمشي في الأسواق تتأكد من التزام النساء بالزي المفروض وتجمع الزكاة وتطبق “ميثاق المدينة” والدستور الذي تسير عليه المدن الخاضعة للتنظيم، ونظَّم داعش دورات شرعية للمحامين في ريف دير الزور لمدة 40 يومًا عوقب فيها المتخلفون عن الحضور بالسجن.

أنشأت داعش إدارات تشبه المحاكم الإسلامية والشرطة وتقوم بقطع أيدي اللصوص وغلق محلات كانت تبيع منتجات فاسدة ومحرمة، وغلق عيادات الطب المزيفة بمساعدة هيئة مستحدثة هي “حماية المستهلك”، وقامت داعش بتطبيق أول حد للرجم حتى الموت في أكتوبر الماضي على رجل قبض عليه متلبسًا وهو يمارس الزنا مع امرأة، كما تم أول تطبيق لحد الرجم على رجلين لتهمة “الفعل المنافي للحشمة مع الذكور” منذ ثلاثة أيام بحق فتى في مدينة الزور بعد ضبط أشرطة مصورة له على هاتفه.

منصات إعلامية “أفلام، وأناشيد وصحف،..”

مشهد من الفيلم المحذوف “ولو كره الكافرون”

ظهرت مجلة “دابق” بإخراجها الاحترافي ومضامينها الرمزية بمجرد ظهور تنظيم داعش والتي تعنى في مجملها بالحديث عن إنجازات التنظيم وما يقدمه للمسلمين، وأسباب وجوب بيعة الناس لخليفة المسلمين أبي بكر البغدادي. وجاء العدد الثاني للمجلة بعد ظهورها الأول مدعومًا بصور للمسلحين وجثث مشوهة في المعارك التي تخوضها أمريكا وحلفاؤها ضد التنظيم.

ولم تكن “دابق” هي المنصة الإعلامية الوحيدة هنا، فالعديد من المصادر يعتبرها التنظيم رسمية كمؤسستي “الاعتصام” و”الفرقان” و”أجناد” للإنتاج الصوتي، إضافة لمركز “الحياة” للإعلام وهي المنصات التي تستخدم تقنيات عالية لنشر أخبار وفيديوهات تصور معارك التنظيم وتوثق الإعدامات. ولعل آخر إنتاجها فيلم “ولو كره الكافرون” والذي يصور ذبح الجندي الأمريكي بيتر كاسينغ. كما أصبح للتنظيم مسلسلات وأفلام وألعاب إلكترونية وأناشيد جهادية بألحان قريبة للأذن مثل نشيد “مرهب الأعادي” و”رصوا الصفوف”.


وبالصحافة عمل داعش على كتابة “ميثاق صحافي” بضوابط لتغطية الأخبار في منطقته لمتابعة الصحافيين المحليين، وهي الضوابط اللانهائية والمتغيرة بحسب الخبر، وتقوم مكاتب الإعلام التابعة للتنظيم بالإبلاغ عن صحافييها إذا بدر منهم خطأ كان آخرهم صحافي قام بتصوير الأطفال وهم يشاهدون الجثث وقد قطعت رؤوسهم ليتم اعتقاله، وهنا يعمل الصحافيون بشروط متغيرة عدا شرط واحد ثابت هو أن يكون مبايعا لخليفة المسلمين.

داعش عدَّد مصادر الأموال وحقق رخاءً اقتصاديًا لأهله

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

داعش هو التنظيم الأغنى في العالم حاليًا، فتبلغ ملكيته ب 2 مليار دولار بعد استيلائه على مصافي وحقول البترول وبيعه كميات كبيرة من النفط يوميًا لعصابات تهريب غالبًا ما تكون في تركيا بأسعار أقل كثيرًا من السعر العالمي، لتصل عوائد التنظيم اليومية من حقول البترول 3 مليون دولار، هذا بالإضافة لجمع مقاتلي التنظيم مئات الملايين من الدولارات من فرع البنك المركزي العراقي بمدينة الموصل؛ الأمور العديدة التي ساعدت التنظيم على بناء اقتصاد متكامل.

وكوسيلة جديدة في تجارة داعش تقدم أعضاء التنظيم بتحويل القسم الأكبر من الطاقة الكهربائية عن مدينة الرقة إلى مناطق أخرى بريف المدينة والحدود السورية التركية ليشكو المواطنون من أزمة حادة في الكهرباء أجبرتهم على شراء الكهرباء من المولدات التابعة للتنظيم باشتراكات لا يقدر على ثمنها الكثير.

بيع الأطفال والنساء أيضًا بات وسيلة لتمويل تنظيم داعش بعد القيام باختطافهم وفقًا لما أوردته العديد من التقارير، بالإضافة لتمكن التنظيم بتلك التجارة من استقطاب مزيد من المقاتلين حول العالم وتأمين النساء لهم كسبايا فور وصولهم لأرض داعش، فكانت عمليات اختطاف واسعة تجري وسط النساء خاصة من الطائفة الأزيدية والمسيحيين فتم إخفاء 650 امرأة وأطفالهن لبيعهم في أسواق خاصة في منطقة القدس بالموصل وفي مدينة الرقة ليصل بهما سعر الطفل الواحد إلى 10 دولارات فقط.

النساء إلى جانب الرجال في ميدان الحرب

“هذه المشاق لن تذهب هباء، فالثمن الذي ستحصلين عليه كبير جدًا بعد هجرتك ستصبحين أخيرًا زوجة لشهيد وستتملكك مشاعر يعجز اللسان عن وصفها إذ لا توجد طريقة لوصف شعور الجلوس مع الأخوات في انتظار أخبار عمن منكن سيحظى زوجها اليوم بالشهادة” كلمات لأم ليث عضو بريطانية ب”كتيبة الخنساء” نشرتها عبر موقعها الشخصي على “تويتر” لتحث مثيلاتها على الانضمام لتنظيم داعش.

ويحاول التنظيم استقطاب المراهقات الأوروبيات لينجح في ضم حوالي 200 فتاة يقمن بالعمل على التجنيد الإلكتروني والنشاط عبر مواقع التواصل الاجتماعي لنشر أفكار التنظيم بين الشباب بأوروبا وأمريكا، ويصبحن أعضاء في “كتيبة الخنساء”.

 


المصادر

تحميل المزيد