تصرف سقراط ببسالة أسطورية خلال محاكمته وهو مهدد بالإعدام، وبرغم إتاحة الفرصة له للتبرؤ من فلسفته في المحكمة، فإنه اختار الوقوف مع ما كان يؤمن بأنه صحيح، لا مع ما كان يعلم أنه السائد. وبعد الحكم عليه بالإعدام، خطط أصدقاؤه وتلامذته لهروبه برشوة الحارس، إلا أنه رفض؛ لأن هروبه سيكون مخالفًا لمنهجه، وعلى أمل أن تصل فلسفته إلى أقطار بعيدة لا تجور فيها البلدان على عقول أهلها.

صورت لحظة تجرع سقراط السم في محبسه في لوحة «موت سقراط»، وهو منتصب الجسد لا يظهر خوفًا أو ندمًا، ومعه سبعة أصدقاء في حالات متنوعة من التفجع وقد حولهم من شباب إلى عجائز شُياب، مع زوجة سقراط، زنتيب، يرافقها الحراس إلى خارج الزنزانة بعدما أحدثت الجلبة فيها.

في حياة سقراط وموته ثمة دعوة إلى الشكوكية ومخالفة الآراء السائدة المتسمة بالذكاء، فإن المنهج الفلسفي الذي كان سقراط رمزه الأعظم، بدا وكأنه يقدم دعوة للاضطلاع بواجب يكون عميقًا ومضحكًا في الوقت نفسه: أن تصبح حكيمًا في حياتك اليومية من خلال الفلسفة. وكان من أولئك المخلصين لرؤية عن الفلسفة يقترحها الأصل اللغوي لكلمة «فيلو- صوفيا» أي «حب- الحكمة»، والمهتمون بقول عدة أشياء معزية وعملية بشأن مواطن بؤسهم الكبرى.

سقراط غريبًا في مجتمعه

ولد سقراط في أثينا عام 469 ق.م. وكان والده سوفرونيسكوس نحاتًا، وأمه فايناريت قابلة. وكان سقراط طالبًا لدى الفيلسوف أرخلاوس، ثم مارس الفلسفة بنفسه بعد ذلك، دون أن يدون شيئًا. وكان سقراط لا يتقاضى مالًا مقابل دروسه، ليعيش في فقر وحاجة دائمة، ولكن لم يكن ذلك يؤثر سلبًا على نفسيته؛ لأنه لم يكن لديه أدنى تعلق بالممتلكات المادية؛ فكان يرتدي العباءة نفسها طوال العام، ويمشي حافيًا طوال الوقت.

كان سقراط يقضي معظم وقته خارج المنزل، وسط أبناء المدينة، يتبادل معهم الحديث، ويطرح أسئلة عن السائد، وكان القليل منهم راضيًا عن مظهره، فقد كان قصيرًا، ملتحيًا، أصلع، ذا مشية مترنحة غريبة، وكان يشبهه معارفه برأس السرطان، أو ساتير إله الغابات؛ فقد كان أنفه أفطس، وشفتاه غليظتين، وعيناه جاحظتين أسفل حاجبيه.

Embed from Getty Images

وتعرض سقراط بجانب شكله إلى الاضطهاد بسبب أسئلته الجنونية عن أحوالهم، وأراد البعض قتله بسبب رفضه قبول الفهم السائد حول العديد من الظواهر دون النظر إلى منطقها بشكل مفصل. وعندما مات سقراط كان متزوجًا وأبًا لثلاثة أبناء، وعُرفت زوجته زنتيب بأنها امرأة سيئة الطباع.

صور أفلاطون زوجة معلمه سقراط على أنها زوجة مخلصة وأم، ولكن كان الإجماع الساحق على أنها كثيرة الحديث والجدال وتفتعل المشكلات له، لذا كانت مصدر إزعاج للفيلسوف الكبير، والذي كان بالطبع شخصًا تصعب الحياة معه بالنسبة لها، فهو لا يساعد ولا ينفق ويصعب إجراء حوار معه، سيما مع ميله لتحويل أي نوع من الدردشة السريعة إلى خطاب فلسفي طويل.

رحلة المعراج في الكوميديا الإلهية.. كيف ألهم دانتي فناني العالم؟

 

تجرع السم من أجل منهجه

جاء فلاسفة قبل سقراط كانوا في الدرجة الأولى فلاسفة طبيعيين، بحثوا عن طبيعة الأشياء الخارجية، عن قوانين وأصول العالم المادي، ولكن كان رأي سقراط أن عقل الإنسان أهم من النجوم والكواكب. وهكذا اتجه سقراط إلى سبر أغوار الروح الإنسانية، يستطلع الافتراضات ويستجوب اليقينيات، ويسأل المارة عن ماهية الأشياء المجردة، كالحق، والعدالة، والشرف، والفضيلة.

أحب سقراط أن يبحث ويسأل أسئلة أخلاقية ونفسانية، وعانى الكثير من طريقته في السؤال التي كانت تحتاج إلى تعريف محكم وتحليل حقيقي، فكان يترك عقول الرجال أكثر اضطرابًا مما كانت عليه قبل المحاورة. أزعج العامة ورجال السلطة، وقرروا التخلص من مصدر الفلسفة البغيضة، ومفسد الشباب الذين أسكرهم نقاشه، ورأوا أنه من الأفضل أن يموت سقراط، والذي يعد أول شهيد للفلسفة، بعدما أعلن عن حقوق الإنسان وضرورة حرية الأفكار، ورفض أن يطلب الرحمة من الجماهير عندما طالبت بإعدامه؛ لأنه أنكر وجود الآلهة، وقرر الإيمان بإله واحد، وآمن بأن الموت لن يقضي عليه تمامًا.

سقراط

سقراط وأصدقاؤه – المصدر :ويكيبيديا

خلال محاكمته، أقر سقراط بأنه قد عاش حياة غريبة عن أهل مدينته فقال: «تجاهلت الأشياء التي تهم معظم الناس؛ كنز المال، إدارة عقار، اكتساب مكانة عسكرية أو مدنية، وغيرها من مظاهر السلطة، والانضمام للنوادي والأحزاب السياسية التي تشكلت في مدننا… وقد حاولت إقناع كل منكم أن لا يفكر بانتهاز الفرص العملية بقدر أكبر من صلاحه العقلي والأخلاقي».

كان الدافع إلى سعي سقراط نحو الفلسفة رغبة بسيطة بتحسين حيوات من حوله، والتزم بالفلسفة لأنه كان عاجزًا عن الإقلاع عن هذا النشاط، حتى عندما كان ذلك شرط هيئة المحلفين في محاكمته بتبرئته، فقال: « سأتابع التحدث بطريقتي المعتادة، «صديقي العزيز، ألا تشعر بالعار لأنك تهتم لكنز المال، والسمعة، والمكانة من دون أن تكترث أو تفكر بحقيقة، وفهم، وكمال روحك؟» ولو جادل أحدكم، وأقر أنه يهتم بهذه الأشياء حقًا، لن أتخلى عنه أو أهجره، بل سأسأل وأدقق، وأخضعه للاختبار… سأفعل هذا لكل من ألتقي به، شابًا كان أم عجوزًا، أجنبيًا أم مواطنًا».

المراقبة السائلة: بماذا يخبرنا الفيلسوف باومان عن مسلسل «هذا المساء»؟

زوجة سقراط جزء من الاختبار

كان ثمة اتفاق على أن التزين في اللباس في المدن اليونانية في القرن الخامس قبل الميلاد أمر طبيعي، وكان الفقر إخفاقًا شخصيًّا للإنسان وليس أمرًا عارضًا، وكانوا يؤمنون بآلهة كثيرة تكلفهم عبادتها ذبح الحيوانات كأضحيات في سبيلها، ما كان باهظًا على غير الأغنياء، كما كان يمتلك اليوناني في العادة عبيدًا، وكان ذلك مصدر فخر وتفاؤل، وكانت النساء خاضعات كليًا لسلطة أزواجهن وآبائهن، بالإضافة إلى ميل اليونانيين للنزعة العسكرية، وتقديسهم للشجاعة في أرض المعركة، ومن أجل أن يعد المرء رجلًا حقيقيًّا، عليه أن يتقن قطع رؤوس الأعداء.

كان لدى زوجة سقراط أفكار تقليدية عما يجب على زوجها أن يؤمن به، وعن كيفية تصرفه بحيث يناسب من حوله، مثل اختيار ما يرتديه، والقيم المالية التي ينبغي تبنيها، والحياة الاجتماعية التي ينبغي أن يعيشها من زيارات، واحترام لقواعد اللياقة، ومن يجب احترامهم بناء على مراكزهم في المجتمع، وما يتشابه مع ذلك من سبل كسب العيش والعيش في المجتمع بما يناسب قواعده المفروضة.

سقراط

زنتيب زوجة سقراط تسكب على رأسه الماء المتسخ، المصدر موقع purplemotes.

في الاتجاه الآخر وقف سقراط، لم تشكل موافقة الآخرين جزءًا جوهريًّا من قدرته على الاقتناع أنه على حق، وله الحق في مخالفة الأفكار السائدة بجدية، وليس لدواعي النجاة فحسب، أو لأسباب براجماتية، أو لأن السخرية منه قد تبدو علامة جلية على أنه قد ضل عن الطريق السائد. حتى عندما بتت هيئة المحلفين في محاكمته بأنه مذنب، سخر منهم ولم يفقد الثقة بنفسه، وحافظ على الإيمان بالمشروع الفلسفي الذي أساء بعض الناس فهمه وعدوه مفسدة.

طوال سنوات زواجه لم يتنازل سقراط عن أفكاره لمجرد تذمر زوجته، فقد كانت ثقته نابعة من مصدر أشد عمقًا من العناد أو التهور. فلقد كانت متجذرة في الفلسفة. إذ منحت الفلسفة سقراط قناعات مكنته من امتلاك ثقة مبنية على العقل، وليست هيستيرية، حين كان يواجه الرفض أو اتهام بالحماقة.

في بداية الإمبراطورية الرومانية، تردد كثير من رجال النخبة في قرار الزواج، وكان سقراط ينشر رأيه بتفضيله تعاسة الرجال بينما هم وسط أسرتهم؛ فعندما استشاره شاب وطلب رأيه بالتفضيل بين الزواج أو العزوبية، أجابه بأنه سيأسف في الحالتين، ففي العزوبية سيقع فريسة للوحدة، وعدم الإنجاب، وانقراض نسله من على الأرض، ومن جهة أخرى فالزواج سيصاحبه القلق الدائم، والشكوى، وعبوس الزوجة، ولسان أم الزوجة، والكذب، والنتيجة المشكوك فيها لنسب أولادك.

ارتبط سقراط في الأدب الإغريقي الروماني بمحاولاته ترشيد سلوك زوجته المتعسف ضده، ورغم انتقاده الراديكالي للمجتمع الأثيني، إلا أنه كان مترددًا في انتقاد زوجته، وتم تفسير ذلك في بعض الأوقات باستخفاف بها. وعندما سأله أفلاطون عن سبب زواجه منها، قال سقراط: «ألاحظ أن الرجال الذين يسعون لأن يصبحوا فرسانًا خبيرين، لا يميلون للخيل المنقادة والمنصاعة، بل إلى تلك صعبة المراس، معتقدين بأنه إذا تمكن الفارس من التعامل معها، فسوف يتعامل بسهولة مع أي شيء آخر. أنا طريقتي مشابهة لتلك، فأنا أرغب في التعامل والحوار مع البشر على وجه العموم، ولهذا تزوجتها، وأثبتت لي أنه إذا استطعت تحملها، فلن أجد صعوبة في علاقتي مع بقية البشر».

جمع سقراط بين السخرية والسلبية في التعامل مع زوجته المشاكسة، فكان يضحك على سوء معاملتها له كواحدة من استراتيجيات التعامل مع العجز، يضحك بحرارة في كل مرة تسكب عليه زوجته الماء المتسخ، وعندما وبخته أمام تلاميذه ذات مرة، ثم سكبت المياه على رأسه، قال لتلاميذه: «ألم أقل لكم أن الرعد يأتي أولًا، ثم ينتهي بهطول الأمطار؟».

وعندما سأله أحد تلامذته عن سبب تحمله لسوء المعاملة، قال سقراط: «لقد اعتدت عليها. بالوقت تعتاد على صوت الأوز، فهو يقدم لك البيض، والقاذورات من خلفه أيضًا، وكذلك زوجتي، فهي أم لأولادي». يبدو أنه كان يفتقر للخيارات، وهنا فسر سقراط بتشبيهه بقاء بعض الرجال في علاقات لا يرغبون فيها فقط من أجل حماية أطفالهم، ونادرًا ما يجري الاعتراف بتلك الأزمة.

«فلاسفة في حسائي».. ماذا يفعل الفلاسفة في حياتهم اليومية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد