في الثامن من أغسطس (آب) الحالي، وفيما كانت المقاومة الفلسطينية ترد بضربات صاروخية على الهجمات الإسرائيلية على مواقعها، كان هناك من اختار جبهة أخرى للقتال، إنهم القراصنة التابعون لحركة المقاومة الإسلامية (حماس).

تمكن هؤلاء من اختراق هواتف العديد من الإسرائيليين عبر تطبيق «صفارات الإنذار»، وهو تطبيق يشبه التطبيق الإسرائيلي الخاص بالإنذار، يتيح متابعة الجهاز والتقاط الصور، وتسجيل الصوت والقيام بمكالمات عبر الهاتف، لكن برغم تأكيد الاحتلال أن التطبيق قد اكتشف مبكرًا، يأتي هذا الاختراق ضمن محاولات حماس لتحويل الإسرائيليين جنودًا ومواطنين إلى جواسيس ومراكز لاستقاء المعلومات العسكرية السرية، فعلي سبيل المثال سجلت الحركة حادثة اختراق شهيرة في يوليو (تموز) الماضي، عبر  إغواء الجنود بما عرف بـ«حسناوات حماس» في هذه المواجهة المفتوحة على الفضاء الإلكتروني.

«حسناوات حماس»

في يوليو الماضي، خُدع نحو 100 جندي إسرائيلي للقيام بتنزيل تطبيق للتجسس، كان مقر القراصنة بغزة، وتحديدًا فقد كانوا تابعين لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، قاموا بإرسال طلبات صداقة إلى حسابات الجنود على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تم إغواؤهم بتنزيل تطبيقات أنتجها قراصنة الحركة، ويمكنها تشغيل كاميرات الهاتف وأجهزة التسجيل، والوصول إلى محتوى هواتف الجنود.

أحد التطبيقات التي تستخدمها حماس

استخدم قراصنة حماس مصيدة «كأس العالم» كذلك، فقدموا لجنود الاحتلال تطبيق «غولدن كاب» (الكأس الذهبية) الذي يبث بشكل عالي الجودة مباريات كأس العالم 2018، وحثوا الجنود على تحميل تطبيقات مثل «غلانس لاف» أو «وينك شات» من متجر «جوجل»، وحين يتم تحميل هذه البرامج يتاح الوصول إلى الهاتف وإرسال الصور والتجسس على المكالمات ونسخ الملفات وإرسال تفاصيل المواقع، وحتى التقاط صور محددة عن بُعد.

كما استخدم القراصنة -ضمن سياسة وضع تطبيقات تلائم الفئة المستهدفة وتحقق غايات معينة- تطبيق لياقة بدنية، استطاعوا من خلاله تحديد أرقام هواتف الجنود الذين يتواجدون قرب حدود غزة، بهدف جمع معلومات حول الجنود والقواعد العسكرية الإسرائيلية، في ظل استمرار فعاليات مسيرات العودة والهجمات الإسرائيلية على مواقع المقاومة الفلسطينية بغزة.

هذه المعركة السايبرية التي وصفت بأنها على مستوى غير مسبوق من الحنكة والتخطيط، استخدمت فيها صور لنساء حقيقيات تم سرقة تفاصيلهن الشخصية من حسابهن، وظهر بعضهن يرتدين ملابس شبه عارية، كما أجريت المحادثات بلغة عبرية عالية المستوى من أرقام الهواتف النقالة الإسرائيلية، حيث بدأت المغازلات مع الأهداف بالتدرج حتى تشجيع المستهدفين من الجنود على تنزيل التطبيقات.

وحسب تقرير «هآرتس» فإن: «مئات الجنود قاموا بتنزيل التطبيقات على هواتفهم، وبعد فترة من المحادثة مع من ظنوا أنهن فتيات إسرائيليات، طُلب من الجنود تنزيل برامج أخرى مكنت نشطاء حماس من اختراق مئات الهواتف المحمولة والحصول على كل المعلومات على الأجهزة بما في ذلك الصور وأرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني». ويضيف التقرير: «تمكنوا من تشغيل الكاميرا ومكبر الصوت ورصد ما يجري في معسكرات الجيش، بما في ذلك القريبة من قطاع غزة».

تطبيق غولدن كاب

وفيما سجلت أحدث عمليات الاختراق من قبل حماس باللجوء إلى تطبيق «انستجرام» من أجل السيطرة على أكبر شريحة من الجنود، أعلن الاحتلال مؤخرًا عن إطلاقه حملة تحت اسم «القلب المكسور» لإحباط محاولات حماس اختراق حسابات وهواتف جنوده، حيث ستعمل وحدة السايبر بجيش الاحتلال على إحباط هذه الاختراقات عبر إعلانات ضخمة لرفع مستوى الوعي بشبكات حماس الخبيثة كما وصفتها.

 ولذلك عممت مديرية الأمن المعلوماتي في جيش الاحتلال رسائل لتحذير الجنود من خطر فتح التطبيقات وتحميلها. وجاء في التحذير «تحذير شديد من قسم أمن المعلومات من محاولات حركة حماس تضليل الجنود وجمع معلومات استخباراتية من هواتفهم بدون معرفتهم».
ويرى مدير مركز الدراسات الإقليمية أيمن الرفاتي أنه في ضوء التطور التكنولوجي لدى المقاومة واعتبارها وحدات «الهكرز» أدوات هجوم أساسية، باتت الحرب في هذا الإطار أكثر جدية وديمومة رغم المحاولات المختلفة لمواجهة هذا الخطر الكبير الذي يتهدد الجيش والجنود نظرًا لتطورهم واعتمادهم على التكنولوجيا بشكل واسع في مختلف الوحدات العسكرية.

ويرجع الرفاتي سبب إعلان الاحتلال عن حوادث الاختراق بشكل دوري لكونه يأتي من باب التوعية ونشر ثقافة أمن الجوالات بين جنوده، نظرًا لعدم قدرته على السيطرة على جميع هواتف الجنود، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «من ناحية ثانية يريد ردع وحدات الهكرز من خلال إظهار سيطرته على هذا المجال بما يؤدي لإحباط المهاجمين وإضعاف عملهم في هذا المجال، أما اختياره لاسم رومانسي (القلب المكسور) فهو لإعطاء الموضوع أهمية أكبر لدى الجمهور بما يدل على أسلوب المخترقين الذي يتخفى بأسماء فتيات ويستغل القضايا العاطفية».

القدرات الضخمة للاحتلال لن تمنع الاختراق

بفضل يقظة الجنود وتبليغاتهم لقسم أمن المعلومات، تمّ كشف الشبكة الاستخبارية قبل أن تؤدّي إلى ضرر أمني محسوس. * هذا ما قاله الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي

لكن هذا التحصين -وبشهادة الإسرائيليين- لا ينفى أن حماسًا وفي نقطة تحول نوعية تمكنت من أن تصل إلى المؤسسات العسكرية والسياسية والمنظمات الكبيرة في دولة الاحتلال، فحسب تقرير صحيفة «جلوبس» الاقتصادية الإسرائيلية، أن هذه القرصنة ستصل إلى حالة من الاحتراف الكبير للحركة، وهو ما يدفع الاحتلال نحو العمل على توعية كبيرة لجنوده بطرق التجسس الحديثة التي تعتمد عليها حماس في التجسس واختراق الهواتف المحمولة لجنوده.

وتنتقد مصادر إسرائيلية التركيز فقط على زيادة الوعي بهذه الهجمات وتعتبره خطرًا فادحًا، وتدعو إلى استخدام الدفاعات الأمنية الحالية الموجودة على الإنترنت لمواجهتها، وترى هذه المصادر أنه في حال استخدم كبار الضباط هواتفهم المحمولة العسكرية المشفرة، فإن اختراق هاتف سائقيها  أو أي شخص في مكاتبهم من قبل حماس، يعني أن هذا التشفير لم يعد مهمًا.

يقول الصحفي المتخصِّص في الشأن الإسرائيلي صالح النعامي: «لا شك أن إسرائيل تمتلك ترسانة قوية وعملاقة في مجال توظيف الفضاء الإلكتروني لخدمة أهدافها، ولكن يبقى من السهل وقوع اختراقات من قبل مجموعات أو أجسام أو منظمات أو دول بإمكانيات وقدرات متواضعة».

ويُدلل النعامي على ذلك بعدد من حالات الاختراق تعرض لها الجنود الإسرائيليون من قبل مجموعات وأجسام فلسطينية، فيوضح أن «الفضاء الإلكتروني واحد من سبل المواجهة بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة وكذلك سبيل مواجهة بين كافة الدول التي تعيش حالات صراع سواء كان صراعًا عسكريًا أو اقتصاديًا».

عناصر مسلحة من كتائب القسام (المصدر: الأناضول)

النعامي الذي يؤمن بأنه لا سبيل للمقارنة بين قدرات الاحتلال الإسرائيلي الإلكترونية الضخمة والمقاومة الفلسطينية يؤكد أن الفضاء الإلكتروني يُتيح المناظرة بحيث لا يُمكن تحطيم طرف على الآخر بشكل مطلق، ويُشير خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن تلك الخاصية مكمن الخطورة سواء لإسرائيل أو الولايات المتحدة، مدللًا على ذلك باختراق الروس للمنظمات المحوسبة للحملات الانتخابية ومنظمات السلاح للولايات المتحدة الأمريكية.

ويتابع القول: «إن ما تفعله المقاومة الفلسطينية من محاولات اختراق للاحتلال له الكثير من الأهمية، فدولة الاحتلال باتت أكثر حرصًا خاصة بعد أن اخترقت المقاومة ما هو أبعد من هواتف الجنود كاختراقها لـقنوات التلفزة وبثها موادًا إعلانية لها للرأي العام الإسرائيلي».

لماذا يسهل قرصنة هواتف جنود الاحتلال؟

يؤكد مدير وحدة المشهد الإسرائيلي في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، أنطوان شلحت أن حماسًا تعمل على استثمار قدراتها الإلكترونية في ضرب الاحتلال الإسرائيلي «من تحت الحزام» لترجيح كفة الميزان لصالحها وهو ما يعكس نجاحها المتكرر في الآونة الأخيرة في اختراق هواتف الجنود الإسرائيليين وذلك في إطار هجوم سايبري.

وقال إن حالة الاستثمار تلك تُشير إلى وجود الكثير من العقول التي تُحيك سبل المواجهة مع إسرائيل عبر الفضاء الإلكتروني وعبر وكافة وسائل الحرب الجديدة إضافة إلى المواجهة بالسلاح ما استطاعت إليه سبيلًا، ويضيف شلحت: «أحد وسائل الحرب الجديدة هي المحاولات  لاختراق الفضاء الإلكتروني، فحركة حماس تعمل على توظيف قدراتها وفقًا لذلك فكانت محاولاتها المتوالية لاختراق الهواتف النقالة للجنود، بالإضافة إلى محاولاتها امتلاك قدرات أخرى».

أعضاء حماس عند حدود رفح في (المصدر: وكالة الأناضول)

ولا يستبعد شلحت خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن تكون طبيعة المجتمع الإسرائيلي القائمة على الإباحية سببًا في تسهيل مهمة الاختراق على حركة حماس، وقال: «إن كانت الحملة باتجاه معاكس من قبل الاحتلال لاختراق هواتف حركة حماس لن تنجح بذات القدر للاعتبارات الدينية والأخلاقية التي يتمتع بها أفراد الحركة».

ويلفت مدير وحدة المشهد الإسرائيلي في «مدار» إلى أن معرفة حماس بطبيعة المجتمع الإسرائيلي يجعلها يمكن أن تنفذ من خلاله لتصيب أهدافها من الجيش والمؤسسة الأمنية بكل سهولة وتضربها في مقتل، ويشير شلحت إلى أن وسائل الإعلام الإسرائيلية لا تقوم بعمل تغطية كبيرة لمثل هذه الحوادث نظرًا للرقابة التي تُمارس عليها ولكن إذا ما أُظهرت وانكشفت فإنها تُثير قلقًا كبيرًا لدى المؤسسة الأمنية، ويوضح أن هذه السياسة تأتي في إطار تأجيج حرب الأدمغة والعقول مما يؤشر إلى مرحلة جديدة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فلم يعد الصراع قائمًا على القتال بالأسلحة والصواريخ على السياج الأمني الحدودي وإنما يوازيه أيضًا صراع الأدمغة والعقول الذي لا يقل أهمية عن جبهة المواجهة المباشرة.

ويشدد شلحت على أن قدرة حماس على استمالة أحد جنود الاحتلال بالإمكان النظر إليه كأنه انتصار كبير، خاصة وأن الجنود يحظون بمعلومات عسكرية من شأنها أن توصل المقاومة إلى ما هو أكبر من استمالة جندي، حتى وإن بدا الاحتلال مستخفًا من قيمة المعلومات التي خرجت من جنوده.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!