لا تشير معظم التـأريخات البابوية كثيرًا إلى تفاصيل الشؤون العسكرية، وفي الحالات القليلة التي تتطرق إليها، تمر عليها مرور الكرام، أو تركز من زاوية ضيقة على وحدات أو حملات معينة، ويفترِض معظم طلاب التاريخ الأوروبي أن عصر « الباباوات أمراء الحرب» انتهى بعصر النهضة، لكن في الواقع بعد فترة طويلة من انتصار القوى الكاثوليكية في معركة ليبانتو في 1571، استمرت البابوية في التشابك مع الشؤون العسكرية. فقد شارك الفاتيكان في ست حملات عسكرية كبرى بين عامي 1796 و1870، ورفع العلم البابوي على متن سفينة حربية في أواخر عام 1878، وحشد أكثر من ألفي من قواته للدفاع عن البابا خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن منذ تأسست دولة الفاتيكان (Città del Vaticano)، بموجب معاهدة لاتيران بين الدولة الإيطالية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية في عام 1929، لم تشارك في أي حرب، ولم يكن لديها قوات مسلحة مستقلة، وإن كانت دائمًا تمتلك ما يمكن أن يطلق عليه «جيشًا بحكم الأمر الواقع».

ولأن هذه الدويلة التي تعبر الأصغر في العالم تقع ضمن الأراضي الإيطالية؛ تضطلع القوات المسلحة الإيطالية بالدفاع عن الفاتيكان ضد أي معتدٍ خارجي، لكن دائمًا كان للبابا جنوده الذين يتولون حماية مداخل المدينة، وقلعة جاندولفو، وبقية ممتلكات الفاتيكان الواقعة خارج حدود الكرسي الرسولي.

الحرس السويسري البابوي.. المهام والمزايا وشروط الانضمام

توكل مهمة حماية البابا إلى الجيش السويسري، المعروف رسميًا باسم الحرس السويسري البابوي، وهو جيش صغير مقره الفاتيكان، قوامه 135 جنديًا سويسريًا، مسؤول عن خدمات الأمن المتعلقة بحماية البابا، والقصر الرسولي، ومداخل المدينة.

تأسس الحرس السويسري عام 1506 في عهد البابا يوليوس الثاني، وأصبح هو الجيش النشط الوحيد في مدينة الفاتيكان، الذي أبقى عليه جميع البابوات المتعاقبين منذ عام 1970، بينما ألغيت جميع التشكيلات الأخرى.

يتقاضى أفراد الحرس راتبًا شهريًا يبلغ 1049 يورو، لا يدفعون منها ضريبة، ولا يتحملون نفقات السكن، ولا الطعام، ولا الرعاية الصحية، ويمكنهم شراء حاجياتهم من متجرين خاصين معفيين من الضرائب، وبالتالي يمكنهم توفير 75% من راتبهم.

إذا رغب أحد في الانضمام إلى جيش البابا – والتجنيد تطوعيّ لا إجباري – يجب أن يستوفي بعض الشروط: أن يكون ذكرًا كاثوليكيًا غير متزوج (يمكن للحراس الزواج بعد قضاء ثلاث سنوات في الخدمة بعد بلوغ 25 عامًا)، وأن يحمل الجنسية السويسرية وحاصل على شهادة ثانوية أو شهادة مهنية ويتراوح عمره ما بين 19 و30 عامًا، ولا يقل الطول عن 174 سم، وتدرب في صفوف القوات المسلحة السويسرية، ويتقن القتال غير المسلح واستخدام الأسلحة الصغيرة.

يكلف أفراد الحرس بمهام مختلفة، أهمها: حماية البابا ومقر إقامته، ومرافقة البابا في رحلاته الرسولية، والمشاركة في التشريفات الاحتفالية، وحماية كلية الكرادلة عندما يكون الكرسي الرسولي شاغرًا.

في الوقت الحاضر، يعمل الحرس السويسري كوحدة احتفالية، لكن أفراده مدربون باحترافية على استخدام الأسلحة لحماية البابا. ولدى الحراس أيضًا العديد من إمكانيات الترفيه، ويمكن لعشاق الرياضة منهم إثبات قدراتهم في فريق الحرس الخاص لكرة القدم، إلى جانب غرفة مجهزة للتمارين الرياضية.

مراحل تطور جيش البابا

شكل البابا بيوس السابع حرس النبلاء في عام 1801 لتكون وحدة من سلاح الفرسان الثقيلة وعملت كجزء من الحرس الشخصي للبابا. خدم الحرس النبيل كوحدة عسكرية فعلية في دولة الفاتيكان من عام 1929 حتى إلغائه عام 1970.

كانت هناك وحدة عسكرية أخرى مكلفة بحماية دولة الفاتيكان، هي حرس الشرف البلاطي، التي أسسها البابا بيوس التاسع، بضم وحدتين عسكريتين من الولايات البابوية، في عام 1850. المرة الوحيدة التي نشطت فيها الوحدة كانت خلال مقاومة الاحتلال الإيطالي لروما في 20 سبتمبر (أيلول) 1870. 

تولى هؤلاء المجندون وظائف احتفالية كحرس شرف، وكانوا يتواجدون إما برفقة البابا في ساحة القديس بطرس، أو عندما يستقبل رئيس دولة أو أي ضيف آخر مهم. بالإضافة إلى ذلك خلال الحرب العالمية الثانية كلفت هذه القوات بحماية جميع الممتلكات البابوية في روما وما حولها.

كان أعضاء هذا الحرس متطوعين وغير متفرغين، ولا يتلقون مقابلًا لخدماتهم، لكنهم كانوا يحصلون على بدل لتغطية نفقات زيهم الرسمي والاعتناء به. كان هذا الحرس هو الوحيد الذي يضم فرقة عسكرية كاملة.

في سبتمبر 1939 بلغ عدد هؤلاء الحراس 500 رجل، وبحلول تحرير روما في يونيو (حزيران) 1944 ارتفع العدد إلى ألفي رجل. ثم عاد الفيلق إلى حجمه الصغير وإلى المهام الاحتفالية بشكل رئيسي. حتى ألغاه البابا بولس السادس في 14 سبتمبر 1970.

في عام 1991 تغير اسمه مكتب الأمن إلى فيلق الأمن لولاية مدينة الفاتيكان. وفي عام 2002 غير الدور الشرطي اسمه إلى ما يعرف به حاليًا: قوات الدرك في ولاية مدينة الفاتيكان.

حتى عام 1970 عندما كان الفيلق يعمل كوحدة عسكرية، وكان على أفراده ارتداء زي رسمي احتفالي. في الوقت الحاضر تعمل جميع هياكله في خدمة الشرطة المدنية، والتي تحتفظ ببعض المهام الاحتفالية، مثل: توفير فرقة موسيقية احتفالية في الفاتيكان.

حين تحول مرتزقة الأمس إلى حراس «حراس كنيسة المسيح» 

تحت وطأة الفقر المُدقع الذي كان يسود سويسرا في نهاية القرون الوسطى وبداية عصر النهضة؛ اختار العديد من أبناءها العمل كمُرتزقة لحساب قوى وعدد من الجيوش الأوروبية. 

ذاع صيت أولئك المرتزقة لدرجة دفعت البابا إلى توجيه طلب للسويسريين لإرسال عشرات الجنود إلى روما لضمان حراسته الشخصية. ووصلت أول دفعة من الجنود السويسريين إلى مدينة الفاتيكان يوم 22 يناير (كانون الثاني) عام 1506. 

يقول جيل الحرس السويسري البابوي الحديث عن أسلافهم: «إن السويسريين كانوا ينظرون عموما للحرب كهجرة مؤقتة، في فصل الصيف، وكانوا يشاركون بالتالي في حروب قصيرة لكن واسعة النطاق، قبل العودة لقضاء الشتاء في ديارهم (…) كان الفرنسيون والإسبان يُطلبونهم، وكانوا مثل الأسوار المتحركة، مبنية من حديد ولا يمكن اختراقها».

ما يربط أفراد الحرس السويسري الحالي بأسلافه في القرن السادس عشر ليس فقط زي عصر النهضة التقليدي بألوانه الأزرق والأحمر والأصفر، بل اقتناعهم الراسخ بأنهم «يخدمون كنيسة المسيح ونائبه على الأرض، خليفة القديس بطرس، وأنهم مستعدون للتضحية بحياتهم إذا لزم الأمر لحماية البابا»، على حد قول قائد الحرس السويسري كريستوف جراف.

الفاتيكان تحت التهديد.. كيف تغير «جيش البابا» بعد هجمات باريس؟ 

يستخدم الحراس الأسلحة التقليدية، مثل السيوف والكلاب، والذخيرة الحديثة مثل المسدسات والمدافع الرشاشة، لكن الحرس غالبًا لا يلجأ إلى القوة الخشنة إلا بعد استنفاد كافة الحلول الناعمة، فيبدأ بالحوار لحل المشكلة ثم يزيد القوة تدريجيًا، وما يمكن إنهائه برذاذ الفلفل الحار لا ينبغي أن يُلجَأ فيه إلى السلاح الناري. 

هناك حاليًا 110 من الحرس السويسري, لكن بعد الهجمات التي شهدتها باريس عام 2015، أعادت قيادة الحرس السويسري النظر في تكوين الجيش، فأضافت شهرًا من التدريب الأساسي مع الشرطة الكانتونية في تيسينو. 

ركز التدريب على الرماية وفنون الدفاع عن النفس، وقال القائد كريستوف كراف في مايو 2018: إن هناك خططا لزيادة عددهم إلى ما يصل إلى 135 جنديا، وأوضح المقدم فيليب مورارد أن «الحراس سيكونون مسلحين من الآن فصاعدا» ليتسنى لهم التعامل في حالة التهديد الشديد.

وحذر قائد الحرس السويسري، المكلف بحماية دولة الفاتيكان، الكولونيل كريستوف غراف، في أغسطس (آب) 2017: «ربما تكون مجرد مسألة وقت قبل أن يقع هجوم إرهابي في روما، على غرار ما حصل في برشلونة ولندن ونيس وبرلين أو باريس… الحرس السويسري مستعد لمواجهة أي تهديد، بما في ذلك ما يصدر عن (تنظيم الدولة)». 

أعاد هذا التحذير للأذهان الاعتداء الذي تعرض له البابا عام 1981 حيث أصيب برصاصتين. والحادث الذي هز الفاتيكان عام 1998، حين قَتَل حارس شاب قائد الحرس السويسري آنذاك وزوجته، ثم انتحر حسب الرواية الرسمية التي تحتج عليها عائلة الشاب.

سلسلة القيادة في «الجيش البابوي» 

البابا هو القائد الأعلى للحرس السويسري، الذي يقوده العقيد كريستوف جراف، من مواليد الخامس من سبتمبر 1961، في مدينة بفافناو السويسرية،  وهو متزوج وله ولدان. انضم إلى جراف الحرس في عام 1987. وفي أكتوبر (تشرين الثاني) 2010 أصبح نائب القائد، ومستشاره الأول، إذ كان مسؤولًا عن السيطرة، ولديه صلاحيات رئيس الأركان، كما عمل مدربًا ورقيبًا أول في الحرس السويسري. 

في السابع من فبراير (شباط) 2015، عين البابا فرانسيس جراف في منصب القائد الـ 35 للحرس السويسري، وهو مسؤول بشكل خاص عن تجنيد الحرس والتأكد من تطبيق القواعد، إلى جانب تطوير الفيلق وانضباطه.

نائب قائد الحرس هو المقدم فيليب مورارد، من مواليد التاسع من فبراير 1972، ومتزوج ولديه ثلاثة أطفال. خدم كحارس من 1993 إلى 1995. وعمل في قسم الأمن التابع لشرطة كانتون فرايبورغ. وأخيرا عمل لدى الشرطة الفيدرالية السويسرية في مجال حماية الدولة وفي لجنة التحليل الجنائي، ويضم الحرس في صفوفه خمسة ضباط و26 ضابط صف.

يوم دافع الحرس السويسري عن الحبر الأعظم حتى الموت 

في السادس من مايو (أيار ) 1527، اجتاح مرتزقة كارلوس الخامس هابسبورغ، ملك إسبانيا وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، المدينة الخالدة، فيما يُعرَف اليوم باسم «نهب روما». 

لم يكن لدى الحرس السويسري أي فرصة خلال هذا الهجوم، رغم أنهم استماتوا في المقاومة. لم ينجُ سوى 42 من أصل 187 حارسًا، لكنهم تمكنوا في اللحظة الأخيرة من إيصال البابا كليمنتس السابع إلى بر الأمان عبر ممر سري. 

يوجد نفق يربط الفاتيكان مع قلعة سانت أنجيلو على ضفاف نهر تيبر، شُيِّد في عام 1277؛ بهدف تأمين الهروب للباباوات في حالات الخطر. وبالفعل أنقذ هذا النفق بابا الفاتيكان في عام 1527.

لا يزال هذا الحدث التاريخي حاضرًا في الحفل السنوي لأداء المجندين يمين الولاء أمام البابا: «أقسم أنني سأخدم بتفانٍ وإخلاص وشرف البابا الأعلى وخلفائه الشرعيين، وأكرس نفسي لهم بكل قوتي. وأتعهد بالالتزام ذاته تجاه كلية الكرادلة المقدسة متى كان الكرسي الرسولي شاغرًا. علاوة على ذلك أتعهد أمام القائد الكابتن ورؤسائي الآخرين بالاحترام والإخلاص والطاعة. وأقسم أن ألبي كل ما يتطلبه شرف هذا المنصب».

وأعاد البابا فرنسيس تذكير جنوده بتضحيات أسلافهم الأوائل، فخاطبهم في مايو 2015 قائلًا: «إنّ الحرس السويسري الذي حارب خلال نهب روما، وبذل حياته دفاعًا عن الحبر الأعظم، تبع دعوة الحب حتى الشهادة. أعرف أن خدمتكم مُلزمة. وعندما يكون لدينا واجبات إضافيّة، نعلم أنه بإمكاننا الاعتماد على الحرس السويسري… لكن لن تفيدكم قدراتكم ومهاراتكم فحسب، مهما كانت مهمة، بل الأساس هو: الإيمان في الحضور ومساعدة الرب».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد