تخيل مئات الآلاف من الجنود، مُنتشين بفعل دفعات الأدرينالين غير المنقطعة، بلا رغبةٍ في النومِ أو الراحة، ليس لديهم شهية للطعام، سرعتهم كالبرق، عدوانيين في القتال، يحاربون بوحشية، بلا أحاسيس إنسانية. إنه الجيش المثالي لأي دولة تريد أن تكسب معركة تلو الأخرى، فما بالك بحربٍ عالمية.

في منتصف الثلاثينات من القرن الفائت، وإبان الحرب العالمية الثانية، سعت كل دولة للحصول على هذا الجيش الخارق، بالنسبة إلى الاتحاد السوفيتي، أراد ستالين أن يصنع جيشًا من القرود المهجنة، أما هتلر في ألمانيا النازية؛ فاستخدم «الكريستال ميث».

«الكريستال ميث».. دواء بلا مرض

عندما نسمع اسم «الكريستال ميث» لأول مرة، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو المسلسل التلفزيوني الأمريكي الشهير «Breaking Bad»، الذي ظهر فيه مُعلم مادة الكيمياء للمرحلة الثانوية «والتر وايت»، وهو يصنع هذا المخدر بالتعاون مع أحد طلابه السابقين، وذلك من أجلِ تأمين مستقبل مادي لعائلته. لكن ما الذي نعرفه عن حقيقة تلك المادة المنشطة؟

يبدأ تاريخ «الميثامفيتامين»، المعروف باسم «الكريستال ميث»، بمجموعة من النباتات تنمو حول العالم وتعرف باسم «الإيفيدرا»، وكانت تستخدم لسنوات في الصين، وباكستان، والولايات المتحدة، لصنع بعض أنواع الشاي. كان هذا قبل أن يكتشفها العلماء عام 1887 ويعملون على فصل المادة الفعالة -وهي أحد أنواع الأمفيتامين- عن النبات.

في عام 1919 صُنع «الميثامفيتامين» لأول مرة مخلوطًا باليود والفوسفور الأحمر، وعده الباحثون عبارة من مجموعة من المنشطات المركزة، إلا أنه كان دواءً بلا أي غرضٍ طبي، ولهذا استخدموه علاجًا تجريبيًّا لمجموعة من الأمراض والاضطرابات- كان من بينها الاكتئاب، وذلك بحثًا عن غرض لها.

في ثلاثينات القرن الماضي، كان يمكنك شراء «الكريستال ميث» من أي صيدلية بلا وصفة طبية؛ إذ استخدمه الأطباء لعلاج احتقان الأنف، وذلك تحت الاسم التجاري، «بنزيدرين». وذلك قبل أن يستخدمه المرضى مخدرًا سهل الحصول عليه من أجل «دفقة» من الأدرينالين والانتشاء.

صناعة «الكريستال ميث».. وصناعة الحرب

عندما نتذكر ثلاثينات القرن الماضي، تتوالى في أذهاننا مشاهد لعصر موسيقى الجاز الذهبي، حفلات فخمة ورقصات مجنونة. حينها دقت الحرب طبولها أيضًا، ورأينا صور قبلات النساء للجنود في محطات القطارات، مودعات إياهم من النوافذ. تلك الفترة التي فصلت بين حربين عالميتين، ولا نعرف عنها سوى القليل، اشتهر فيها «الكريستال ميث» ليس فقط بين الجنود الراغبين في القدوم إلى المعارك بلا كلل، ولكن بين المواطنين الراغبين في النسيان.

الكريستال ميث

«عقار Pervitin»

كان لاستخدام «الكريستال ميث» في الحربِ حكاية أخرى؛ إذ يصف بعض مؤرخي الحرب، ألمانيا عام 1938، عندما انخفضت الإمدادات عن الجبهة، كتب الجنود إلى أسرهم يطلبون منهم شحن المزيد من عقارٍ يسمى «Pervitin»؛ إذ كان هذا هو الاسم التجاري الذي بيع به الميثامفيتامين للجمهور، كأحد المنشطات غير المحظورة طبيًا.

«حبة واحدة من شأنها أن تهبك يقظة سحرية».

هكذا وصفوها، مُشيرين إلى أن الحكومات أرادت لجنودها اليقظة والسرعة، وهو ما دفعهم لتسويق هذا النوعِ من المخدرات. وعن ذلك يقول المؤرخ جايمس هولاند، إن قوات الحلفاء والمحور قد اتخذوا من المخدرات سبيلًا لإبقاء الجنود مُستيقظين لفتراتٍ طويلة. «لم يكن الجنود من الجانبين مهووسين بتناول المخدرات، إلا أن الحكومات قد بعثت إليهم بكمياتٍ مذهلة من الكريستال ميث»، هكذا أشار مُضيفًا أن مخدر الميث، والذي أطلق عليه «Speed» أو مخدر السرعة، قد لعب دورًا مهمًّا في الحرب العالمية الثانية، سواء في ألمانيا النازية أو بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

«كوكتيل مخدر من أجل المريض A»

«للرايخ الثالث قصة مدهشة مع المخدرات، الكوكايين، والهيروين، والمورفين، والميثامفيتامين المعروف بـ«الكريستال ميث»، وقد انعكست على الأيام الأخيرة للزعيم النازي أدولف هتلر؛ والذي كان شديد الإدمان لدرجة تمزقت معها أوردته».

هكذا أشار الكاتب الألماني نورمان أوهلر في حوارٍ أجراه مع «الجارديان»، حول الوجه الخفي لألمانيا النازية، والذي اكتسى بالإدمان، واستخدام المخدرات على الجبهة بين الجنود.

أثار أوهلر في كتابه «المخدرات لدى الرايخ الثالث»، أحد الموضوعات الشائكة التي طالما تجاهلها المؤرخون؛ وهو: «تأثير المخدرات على الحربِ العالمية الثانية». تبدأ القصة مع طبيب هتلر الخاص ثيودور موريل، والذي اشتهر عام 1933، بقدرته على علاج أي مرض. كان لموريل عيادة فخمة يزورها الفنانون والمشاهير، وأصحاب المناصب الرفيعة، والسياسيون. كان الجميع يجدون لدى موريل وعلاجه السحري القادر على منح المريض شعورًا – زائفًا- بالتحسن، إلى جانب بعض النشوة. أطلقوا عليه حينذاك «أحدث طرق العلاج».

«برنامج عن الحرب العالمية الثانية يوثق إدمان هتلر للمخدرات»

ذاع صيت موريل عندما أصبح الطبيب الخاص للمصور الرسمي للرايخ الثالث، حتى وصل إلى هتلر، والذي كان يعاني من آلامٍ حادة بالأمعاء. وقد اشتهر الطبيب حينها بوصفته السحرية التي أطلق عليها «فيتامينات»، وكان يحقنها مباشرةً في عروقِ مرضاه، ضامنًا عودتهم إليه مرةً أخرى من أجل جرعة ثانية من السعادة. وفي حفلِ عشاء، عرض الزعيم النازي مشكلته الصحية على الطبيبِ الواعد، وقد وصف إليه الأخير علاجًا فعالًا. كان ذلك هو الوقت الذي عين فيه موريل طبيب هتلر الخاص.

عُرف هتلر في الأوراق الطبية لدى طبيبه باسمٍ مستعار، هو «المريض A». وفي الجزء الخاص بمرضِ هتلر داخل الكتاب، جرت الإشارة إلى أن موريل قد استخدم معه الوصفات الطبية نفسها القائمة على «الفيتامينات»، والتي كان لها تأثير كبير على شعور الزعيم النازي بالتحسن السريع، واختفاء أعراض المرض المعوي.

أراد هتلر مع اشتعال الحرب العالمية الثانية، مزيدًا من الطاقة من أجل القيام بمهامه دون تعبٍ أو كلل، كالسيوم وفيتامينات ويود معززة لحالة الكبد والقلب، هكذا أخبره طبيبه، وكلها أدوية حقنت في الوريد. وبداية من عام 1937، كانت الحقن الوريدية تؤخذ بشكلٍ دوري عدة مرات في اليوم، وتهبه طاقة وحيوية نفسية وجسدية، شعورًا بالتفوقِ والعظمة. أدوية سحرية قضت على كل شعورٍ بالإرهاق، حتى جعل موريل دائمًا على مقربةٍ منه، «لقد كان الشخص الوحيد الذي رأى الزعيم النازي عدة مرات في اليوم»، بحسب الكاتب.

خلف كل خطاب عظيم مما ألقاهم هتلر على شعبه، كان هناك «كوكتيل مخدر» محقون في الوريد، كما وصفه أوهلر، دفعات من الأدرينالين والطاقة، ساعدته لأن يكون في أفضل حالاته. وبحلول عام 1945، ووصول القوات السوفيتية لبرلين، نفدت مخدرات الزعيم النازي، ليعاني ليس فقط من خسارة الحرب، ولكن من أعراض انسحاب أكثر من مخدرٍ واحد، لينتهي به الحال، وقد أطلق الرصاص على نفسه، بحسب الكاتب.

الأطباء ليسوا ملائكة الرحمة دومًا.. هكذا استخدموا البشر أحيانًا كـ«فئران تجارب»

ألمانيا النازية تحت تأثير المخدر

في ألمانيا، ثلاثينات القرن الماضي، كان بإمكان أي شخص أن يشتري علبة شيكولاتة محشوة بـ «الكريستال ميث»، يقول عن ذلك الكاتب تيموثي أر. سميث: «عندما سارت الجيوش الألمانية لاحتلال فرنسا عام 1940، كان الجنود متهورين، يحاربون بوحشية، وبسرعة البرق. كان ذلك من تأثير الإفراط في تناول عقار«Pervitin».

يشير أوهلر إلى أن المخدرات كانت بمثابة السلاح الألماني السري لتحسين أداء الجنود، وإذا كان مخدر هتلر المفضل هو «Eukodal»، من عائلة الهيروين؛ فإن عقار «Pervitin»، وهو الاسم التجاري لـ«الكريستال ميث» كان مخدر الشعب الألماني المفضل. وقد استخدمه الجنود كالحلوى لمقاومة دوار البحر، والقضاء على القلق والاضطرابات، ولتسكين الآلام، وخلال الأيام الأخيرة للحرب، اخترع الألمان «علكة» من الكوكايين، من أجل أن يمضغها شباب البحارة أثناء تجريب الغواصات الفردية التي استخدمت في عملياتٍ شبه انتحارية.

«كان الجيش الألماني يحاول كسب معركته ضد النوم، ولهذا استخدم الميثامفيتامين». *نورمان أوهلر

شبه أوهلر «الكريستال ميث» بالقهوة، قائلًا إن الحصول عليه كان أسهل من أي دواء آخر، ومشيرًا إلى أن معركة النازيين الأولى لم تكن ضد البريطانيين بقدر ما كانت التغلب على التعبِ والإرهاق، ويبدو أنها المعركة الوحيدة التي انتصروا فيها. إذ كانت العقاقير المخدرة تُصرف بمعرفة الحكومة الألمانية قبل المعارك الكبرى، وبكميات كبيرة؛ على سبيل المثال، في يوم 10 مايو «أيار» من عام 1940، وقبل هجوم هتلر الغربي، صرفت الحكومة 32 مليون جرعة من عقار «Pervitin» للجنود، قبل التوجه لجبهة القتال.

«إدمان الجنود الألمان للمخدرات»

أراد هتلر لجيشه أن يظل يقظًا لعدة أيام، وأن يحارب بوحشية وعدوانية بلا أي مشاعر سيئة، ولهذا سهل الحصول على عقار «Pervitin» قدر المستطاع، إلا أن المخدرات لم تكن من نصيب الجنود وحدهم؛ إذ استخدمها القادة أيضًا.

يقول أوهلر «عندما كان الجيش الألماني على وشك سحق القوات البريطانية في معركة «دونكيرك»، كان دماغ هيرمان جورينج قائد القوات الجوية غارقًا في الأفيون، أما أوردته فقد حُقنت بالمورفين، وقد خطب في الجنودِ أنه «لا بديل عن نصرٍ مجيد». على الرغمِ من ذلك لم يفز الرايخ الثالث بهذه المعركة».

أساء الألمان استخدام المخدرات إلى الدرجة التي لم يحسب معها آثار الاستفاقة منها، وما قد ينجم عن ذلك، وفي حلقة وثائقية عن يوميات الحرب العالمية، جرت الإشارة إلى أن المخدرات قد تكون ساعدت في كسب الكثير من المعارك، إلا أن آثارها قد سببت خسارة الحربِ أيضًا.

ألمانيا لم تكن وحدها من استخدم المخدرات لكسب الحرب

إبان الحرب العالمية الثانية، اكتشفت قوات الحلفاء السلاح النازي السري لكسب المعارك وتحسين أداء الجنود؛ إذ عثرت المخابرات البريطانية على حبوب «Pervitin» المخدرة في إحدى الطائرات الألمانية المحطمة. حينذاك كتبت جرائد المملكة المتحدة تقارير عن الطيارين الألمان، المشحونين بالمواد المخدرة، قائلة: «كانوا مضطربين بشدة، وقد انعدم لديهم أي شعور بالخوف».

في الوقت ذاته كانت حكومات الحلفاء هي الأخرى تعكف على إيجاد استراتيجيتهم الخاصة، لصنع جنود خارقين؛ حينها ابتكر كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية عقارًا جديدًا يشبه «Pervitin» في خصائصه، وأطلقوا عليه اسمًا تجاريًّا، هو «البنزدرين»، وقد اعتمد هذا العقار على المادة المخدرة «الميثامفيتامين» نفسها، وبحلول عام 1941، كانت أقراص المخدر بحوزة الجنود في المعارك.

كان الكشف عن استخدام المخدرات والمنشطات إبان الحرب العالمية الثانية من كلا الطرفين، هو موضوع فيلم وثائقي أعدته قناة «بي بي إس» الأمريكية، لبرنامجها «أسرار الموتى»، وقد تناول الاستخدام المكثف لعقار الميثامفيتامين ومخدر الكوكايين إبان الحرب، من أجل شحذ الجنود بالطاقة اللازمة للمعارك.

«إعلان وثائقي قناة بي بي إس»

إذا كان الخوف من الوهن الجسدي والإرهاق النفسي والبدني، مسيطرًا على الجبهة النازية إبان الحرب العالمية الثانية، فإن خشية إصابة الجنود بـ«رهاب» المعركة، والرغبة في محو أي مشاعر خوف من جراء سقوط القذائف قد سيطر على الجانب الآخر من الحرب، وهو دول الحلفاء، ولهذا سعوا للقضاء على المشاعر السلبية، بالمخدرات. يشير التقرير إلى أن المتعة اللحظية التي تحفزها حبة المخدر، كانت سرعان ما تزول، تاركة وراءها جنودًا مصابين بالإعياء الشديد، غير قادرين على العمل وبعضهم كان فاقدًا للوعي.

«لسوء الحظ، لم يكن عقار البنزدرين آمنًا تمامًا؛ كان يمنعك من النوم، إلا أنه لا يمنع الشعور بالإرهاق». *المؤرخ جايمس هولاند

كان الأمر أشبه بسباق تسليح «كيميائي» بين الدول، وقد كانت صناعة «المستحضرات الدوائية» إبان الحرب، تعمل على قياس المدة التي يمكن أن يقضيها المتعاطي يقظًا ومنتبهًا، وبناءً على ذلك جرى تحديد الجرعات التي شحنت للجنود من أجل البقاء مستيقظين لأيام على جبهة القتال، إلا أن الأمر لم يسر على ما يرام بالنسبة إلى الحلفاء، إذ كان العقار المصمم من قبلهم عاجزًا عن منح الجنود الطاقة اللازمة للقتال، حتى إن ثلاثة من جنود الحلفاء قد أصيبوا بعجزٍ عن القتال، وذلك من جراء الشعور بالإرهاق الشديد، كأحد الأعراض الجانبية لتناول العقار.

على الرغمِ من ذلك وحدت كل من الحكومة الأمريكية والبريطانية استخدام «البنزدرين» على جبهة القتال، وذلك لآثاره الجيدة على تغير الحالة المزاجية للجنود؛ إذ منحهم الثقة وعزز حالتهم المعنوية وشعورهم العدواني. وقد كان ذلك هو الأكثر أهمية بالنسبةِ إلى دول الحلفاء. وقد أشرف الجنرال الأمريكي دوايت أيزنهاور بنفسه على توزيع نصف مليون حبة «بنزدرين» على القوات الأمريكية المقاتلة في شمال أفريقيا عام 1942.

لم تكن تلك العقاقير المستخدمة آمنة على صحة الجنودِ على المدى البعيد؛ إذ كان لمخدر «الميثامفيتامين» آثاره المدمرة للصحة، وقد تصل إلى الوفاة، على الرغمِ من ذلك، يشير هولاند في الفيلم الوثائقي إلى أن الإدارة البريطانية في جبهة مصر كانت تشحن جنودها بضعف الجرعات المسموح بها يوميًّا؛ قائلًا: «للحكومات، كانت الأولوية ببساطة هي كسب الحرب».

وجهٌ آخر مظلم.. أغرب تجارب العلماء النازيين على البشر

المصادر

تحميل المزيد