عندما قرر المستشرق الفرنسي، سالمون منك في عام 1864، إعداد فهرس للمخطوطات العبرية الموجودة بالمكتبة الوطنية بباريس، عثر على نصِ فلسفي باللغة العبرية، ترجمه الطبيب والفيلسوف اليهودي يهوذا بن تيبون. ثم عثر بعد مرور عام على النسخة اللاتينية من المخطوطة، التي ترجمها الفيلسوف والمؤرخ اليهودي إبراهيم بن داود. وبالمقارنة بين النسختين اكتشف أنها نسخة مختصرة من كتاب «ينبوع الحياة» الذي ينتمي إلى أديب عرفه المسيحيون باسم «أفسيبرون» والعرب باسم «أبي سليمان أيوب بن يحيى بن جبيرول» أو ابن جبيرول، لكنهم لم يدركوا أبدًا أنه يهودي الديانة، ولولا سالمون منك، لظلت سيرته الحقيقية طي الكتمان.

فمن هو سليمان بن جبيرول؟ ولِمَ أهمله أبناء جلدته من اليهود واهتم به العرب والمسيحيون؟ وما سر توجهه الصوفي وفلسفته؟

كيف بدأت الحكاية؟

اجتاحت جيوش البربر قرطبة في عام 1011م، بدافع الانتقام من الأمير محمد بن هشام الملقب بالمهدي، وقلبوها رأسًا على عقب، فنهبوا الثروات وأحرقوا المنازل وقتلوا الأهالي، وحولوها من تلك المدينة التي نافست بغداد في جمالها وبهائها إلى بلد قفر، يعاني قاطنوها الفقر والجوع.

Embed from Getty Images

ذكر المؤرخ الفقيه صاعد الأندلسي، في كتاب «طبقات الأمم» أن عائلة سليمان بن جبيرول نزحت  في إثر هذه الفتنة من قرطبة إلى مالقة عام 1013م، حيث ولد حسب أرجح الروايات عام 1029م. ولأن المصائب لا تأتى فرادى؛ فبعد عامين من ولادته أعلن الوزير أبو الحزم بن جهور سقوط الدولة الأموية في الأندلس، وانفضت الصفوف واستقل كل أمير بنصيبه من الكعكة الضخمة.

تفككت الأندلس في عام 1031 إلى 20 إمارةً؛ مما أدى إلى تزعزع الوحدة الوطنية بين اليهود والمسلمين، بسبب زيادة نفوذ اليهود وسعيهم لتأجيج الخلافات بين الأمراء، وتمكنهم من التغلغل في الإدارة والحكم، وهذا ما أجج بدوره نار الفتنة الطائفية بين الطرفين.

ووفقًا لـ«موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين» درس ابن جبيرول علوم التوراة واطَّلع على خبايا اللغة العربية والعبرية، بالإضافة إلى تعمقه في دراسة الفلسفة الأفلاطونية الحديثة. مما ساعده على بزوغ موهبته المبكرة في فن القول، فألف الشعر، وهو ابن السادسة عشرة، ولم تمنعه حداثة سنه من تميزه عن غيره ممن سواه من شعراء اليهود؛ بل شعراء العرب أيضًا.

فقد نظم قصيدةً من 400 بيتٍ تشبه ألفية ابن مالك، تضم حروف الأبجدية العبرية، وهو أمر لم يأت به شاعر يهودي من قبل، بحسب «موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين».

من سرقسطة إلى غرناطة.. ابن جبيرول يبحث عن موطئ قدم

ذكر د. محمد عبدالمجيد بن بحر في كتابه «اليهود في الأندلس» عن نزوح ابن جبيرول إلى سرقسطة، التي حملت على عاتقها إيواء عددٍ كبيرٍ من اليهود، علاوةً على ازدهارها بالثقافة والعلم، قاصدًا العز والمجد في بلاط الشاعر اليهودي، أبي عامر يقوتئيل بن حسان، الذي شغل منصبًا مرموقًا في عصر يحيى بن المنذر فأعجب بشعره وذكائه، وأجزل له العطايا، وراقت له الدنيا فتبدلت حالة الفقر إلى نعيم.

Embed from Getty Images

ويحكي د. عبد المجيد، أنه لما اعتز ابن جبيرول بنفسه ونسي آداب الحديث في مجلسه، غضب عليه ابن حسان وطرده، حتى استعطفه ابن جبيرول مرةً أخرى ليعفو عنه، لكن عبد الله بن الحكم قلب الموازين عندما قتل يحيى بن المنذر، واستولى على حكم سرقسطة، ثم سجن أنصار ابن المنذر وحاشيته أمثال ابن حسان، الذي لم يطل بقاؤه في السجن وتوفي عام 1039م.

وأضاف د. عبد المجيد أنه عندما ضاقت السبل أمام ابن جبيرول فر إلى غرناطة التي استقطبت اليهود المهاجرين بعد تولي اليهودي إسماعيل بن نغرالة منصب الوزارة، وتعزيز مكانتهم، وبفضل ذائقة ابن نغرالة الأدبية، وبراعته في نظم الشعر، لم يفت عليه استشعار موهبة ابن جبيرول وتكريمه في بلاطه، لكن سرعان ما غضب عليه أيضًا وطرده من مجلسه.

ويرجح أن آراء ابن جبيرول الفلسفية وراء ذلك، وربما بسبب هجاء ابن جبيرول له، فبعد أن فرض ابن نغرالة نفوذه في الوزارة بغرناطة، غيرت السلطة أخلاقه، وانقلب على أبناء جلدته من اليهود، وأنكر ابن نغرالة جميل المسلمين عليه، الأمر الذي خيب آمال ابن جبيرول فيه ووصفه بالكبر والتعالي في إحدى قصائده.

لاحقًا، وبعد أن توترت العلاقة بينهما، سرعان ما هاجر ابن جبيرول إلى بلنسية، حيث وافته المنية عام 1058م. وقد نُسجت بعض الأساطير عن وفاته، أكثرها تداولًا وفقًا لكتاب «اليهود في الأندلس»، أن شاعرًا عربيًّا حاقدًا عليه قد قتله ودفنه ثم زرع فوق قبره شجرة من الزيتون، وتجسيدًا لذكراه بُني له تمثالان، أحدهما بمقر نشأته مدينة مالقة الإسبانية، والآخر بمدينة قيسارية الفلسطينية.

لكن.. لماذا كرهه اليهود وأحبه العرب؟

تذكر المصادر التي استعان بها د.عبد المجيد بن بحر في كتابه السابق ذكره، أن اليهود ترسخ  لديهم شعور بالفوقية والتميز عمن سواهم من أجناس الأرض، وهذا ما جعلهم أكثر تعصبًا لبني جلدتهم، فبحسب نصوص التلمود سيحابيهم الله ويغفر لهم خطاياهم ويعظم حسناتهم حتى ولو كانت مثل روث الدجاج المتناثر في الحظيرة، بحسب معتقداتهم.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
إسماعيل بن نغرالة.. عندما أصبح «اليهودي الحكيم» وزيرًا لغرناطة

ونظرًا إلى هذه النظرة التقديسية لليهودية، وخشيتهم من الذوبان في الثقافة العربية واندثار الثقافة اليهودية، حرص النوابغ من اليهود على تطعيم نصوصهم باقتباسات من التلمود أو العهد القديم. لكن ابن جبيرول خالف هذه القاعدة وفضَّل عدم الاقتباس من التلمود أو العهد القديم؛ فعاب اليهود عليه ذلك.

وبحسب كتاب «موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين» بنى ابن جبيرول منهجه العلماني على الفصل بين عقيدته اليهودية وآرائه الفلسفية، كما تأثر بإخوان الصفا، الذين دمجوا الفلسفة الأفلاطونية الحديثة بالفلسفة اليونانية، ودافع ابن جبيرول عن اعتقادهم بالتوفيق بين التسلسل الهرمي للكائنات وتسلسل الأرقام العشرة الأولى. فقد قسموا مراتب النفس إلى ثلاثة أنواع، مرتبة النفس البشرية، تفوقها سبع مراتب، ويدونها سبع مراتب أيضًا. ولم يكتفِ بمنهج الأفلاطونية الحديثة؛ بل أضاف إليها مبدأ الاختيار الذي يؤكد عمل الإرادة عند الله والإنسان.

ومن أهم إسهاماته الفلسفية التي شرحت منهجه هو كتاب «ينبوع الحياة»، وقد قسمه ابن جبيرول إلى خمس مقالات، ناقشت المقالة الأولى الفكرة العامة للمادة والصورة، والمقالة الثانية تشكل المادة في صور جسمية، والمقالة الثالثة عن الوسيط بين الله وعالم الأجسام، والمقالة الرابعة عن تركيب الجواهر من مادة وصورة، والمقالة الخامسة عن المادة الكلية والصورة الكلية وجريانها على الجواهر البسيطة والمركبة. ثم ختم الكتاب بالحديث عن الإرادة الإلهية التي تحيط كل شيء.

ومع تميز ابن جبيرول في الفلسفة، وجمعه بين معارف فلسفية متنوعة، فإن أحبار اليهود رفضوا أفكاره التي وصفوها بالمادية المقنعة، في الوقت الذي احتفى به العرب والمسيحيون، حتى قال عنه وليم الأفروني إنه أنبل الفلاسفة ومن المسيحيين الصالحين. ومع مرور الزمن طمس الزمن ذكراه بين اليهود، واقتصرت سيرته على شعره الديني وكتابه «إصلاح الأخلاق»  اللذين أثبتا بصمته اليهودية.

الجانب الصوفي في شعر ابن جبيرول وفلسفته

مع التزامه بالمنهج العلماني في كتابه الشهير، فإن ذلك لم يثنِه عن التأثر بالصوفية اليهودية. التي «وجد فيها ضالته بعد حياة قاسية».

تمثال ابن جبيرول في مدينة مالقة الإسبانية – مصدر الصورة: ويكي مابيا

فبحسب ما يخبرنا المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في «قصة الحضارة عن منبع الصوفية اليهودية»، فبعد ظهور كتاب مقدس في القرن الأول بعد الميلاد؛ آمن المتصوفة الأتقياء بأن الله قد أودع به أسرارًا خفية، وجاء في هذا الكتاب أن عملية الخلق قد تمت بوساطة عشرة سفروتات أعداد أو أصول هي: روح الله، وفيوض ثلاث منها: الهواء، والماء، والنار، وثلاثة أبعاد مكانية إلى اليسار، وثلاثة أبعاد إلى اليمين.

وهذه الأصول هي التي حددت محتويات العالم، كما حددت الحروف الهجائية العبرية الثلاثة والعشرين، الصور والأشكال التي يستطيع بها العقل البشري فهم عملية الخلق. ومن ثم انتقلت هذه العقائد الخفية إلى الأندلس، والتي استمد منها ابن جبيرول نظريته الفلسفية القائمة على وجود كائنات وسطى بين الله والعالم في كتاب «ينبوع الحياة» التي ذكرناها من قبل.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
موسى بن ميمون.. أن تكون يهوديًّا في دولة الخلافة الإسلامية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد