الصومال التي يُضرب بها المثل في المجاعات والصراعات والنزاعات والقرصنة، لم تعد كذلك، فالزائر للعاصمة مقديشو، لم يعد بإمكانه وصف المشاهد المأساوية التي كانت، وأدت لوجود مئات الآلاف من القتلى والمشردين والمرضى.

تتربع البلاد على مساحة 637657 كيلومترًا مربعًا، وتلامس البحر والمحيط على مسافة تفوق 10 آلاف كيلومتر مربع، وتعتبر أحد الأقاليم الغنيّة بالثروة السمكية التي تعتبر أحد المداخيل الرئيسية للمجتمع الصومالي، ويعيش في الصومال حسب آخر الإحصائيات حوالي 11 مليون نسمة.

من بين الدول العربية وما تُسمّى بدول العالم الثالث بشكل عام بكل ما فيها، تبرز الصومال تجربةً ديمقراطيةً فتيّةً، ربما لا يعرف عنها الكثير، أو كيف وصل الرئيس الجديد والمنتخب حديثًا؟

 

لا تسأل عن المرشح الفائز بل عن الخاسر

على ما يبدو فإنّ ما يمثّل التجربة الديمقراطية في المنطقة العربية ليست الانتخابات أو الفائز فيها، وإنما الخاسر إذا كان رئيسًا للبلاد، وهو أيضًا ما صنع الفارق في التجربة الصومالية.

إن الذي يكون سببًا في نجاح تجربة الانتقال الديمقراطي في منطقتنا ليس هو الذي يفوز بالانتخابات، وإنما هو الذي يخسر بها إن كان الرئيس الحالي، وهو ما صنع الفارق في التجربة الصومالية، فعلى العكس من الحسابات الانتخابية التقليدية التي تنتهي غالبًا بـ90% وما فوق، وعلى عكس ما اعتادت القارة السمراء من انقلابات رُؤسائها على نتائج الانتخابات، كما حدث مُؤخرًا في جامبيا حيث يحيى جامع الذي رفض تسليم السلطة، سلّم الرئيس الصومالي الخاسر في الانتخابات الأخيرة، حسن شيخ محمود رئيس حزب السلام والتنمية، السلطة في سلام لمنافسه الفائز في الانتخابات محمد عبد الله فرماجو. ويُشار إلى أن مجلة التايم الأمريكية كانت قد اختارت شيخ محمود ضمن الشخصيات الـ100 الأكثر تأثيرًا في العالم.

أمّا الرئيس الجديد فقد سبق له أن شغل منصبًا دبلوماسيًّا في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو حاصلٌ على درجة الماجستير في العلوم السياسية، والعلاقات الدولية من جامعة أمريكية، كما كان له دور سابق في عصرنة إدارة المؤسسة العسكرية الصومالية، وله جمهور واسع داخل البلد وخارجها. وفي انتظار فرماجو جُملة من التحديات الداخلية على رأسها الملف الأمني، والمواجهة مع حركة الشباب المجاهدين، وتحديات خارجية في مقدّمتها الحظر الذي يطال المواطنين الصوماليين من دخول الولايات المتحدة بقرار تنفيذي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

جربوا كل شيء إلّا الديمقراطية

جرّب الصوماليون تقريبًا كل الطرق للإدارة السياسية، فجرّبوا الانقلابات، وخاضوا الحروب والنزاعات الأهلية، وخلال عقود لم يستطع أي طرف إقصاء الآخر، أو القضاء عليه نهائيًّا، وعلى ما يبدو لم يبق أمامهم سوى طريق الديمقراطية والإدارة السلمية، وهو ما اتجهوا إليه أخيرًا.

الدرس الصومالي الذي دام حوالي 25 عامًا من الاقتتال، يعتبر إحدى المحطات التي قلبت المواجع لدى الإفريقي، فالقبيلة في المناطق الإفريقية عمومًا، وفي الصومال خاصةَ، هي المؤشر والمعيار الأساسي في تحديد هوية الرئيس، أو أي مُنتَخَب سياسي، وإلى اليوم ما يزال هناك نقاش واسع يطرح تساؤلات عديدة: «هل يمكن للحزب أن يحل بديلًا للقبيلة في الصومال؟».

وليس واقعيًّا افتراض أن ما يحدث في الصومال مُنعزلًا عن محيطه الإقليمي والدولي، بخاصة لموقعه الإستراتيجي في القرن الإفريقي، وإطلاله على أهم المضائق البحرية، مضيق باب المندب الذي هو بمثابة منطقة الوصل والعبور بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، وأهم المناطق التي تتمركز فيها البحرية الأمريكية، وقوات دولية أُخرى ساهمت في توفير حماية واستقرارٍ نسبي للصومال.

دول إقليمية غارقة في الشأن الداخلي والمصالح الضيقة

باستثناء إثيوبيا الدولة القوية في القرن الإفريقي والمدعومة من قبل الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، تعاني بقية الدولة المجاورة من الضعف والنزاعات الداخلية والقبلية، مثل السودان وإرتيريا وكينيا، وهو ما جعلها كيانات غير مؤثرة في المعادلة الصومالية، ليساهم ذلك في أن تكون هذه التجربة وليدة تفاعلاتها الذاتية والداخلية بدون ما تجره الأيادي الخارجية على ذلك من تأزيم وتعقيد، كل حسب مصالحه وأهدافه وأجنداته الخاصة.

التجربة الصومالية

وعلى ما يبدو أصبح استقرار الصومال رغبةً دولية وإقليمية، بعد تجربة أليمة مع حركة القرصنة الصومالية في مياه البحر الأحمر، وما تسببت فيه من ضربة مُؤثرة في حركة التجارة العالمية، لذا فإنّ استقرار الصومال السياسي ضروري للقوى الدولية والإقليمية لاستقرار أمني في المنطقة سيُؤثر مُباشرة في المصالح الاقتصادية والتجارية.

أخيرًا.. صراع الخليج ينتقل إلى الصومال

هذا وأعلنت الإمارات العربية المتحدة مُؤخرًا إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة صوماليلاند ذاتية الحكم شمالي الصومال، فيما يُعتبر انتقالًا لصراع الخليج إلى أرض الصومال، فمن جهة تقول الإمارات العربية المتحدة إن إنشاءها قاعدة عسكرية في هذه المنطقة جُزء من «العمليات المطلوبة لدعم عمليات الحصار البحري في البحر الأحمر ضد الحوثيين»، بحسب موقع «بي بي سي» عربي، ومن جهة أُخرى يرى البعض أنها ليست إلا في سياق صراع خفيّ على النفوذ بين الإمارات، والمملكة العربية السعودية صاحبة التواجد الخليجي الأقوى في إفريقيا.

وفي هذا السياق، كانت السعودية قد أعلنت في وقت سابق، رغبتها إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي التي يُقر رئيسها إسماعيل عمر جيلي بأن بلده تشعر بالفخر من تقديم خدمات استضافة قواعد عسكرية على أراضيها للدول الكبرى في المنطقة، والعالم.

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد