أرض الصومال، البلد الذي لا يعترف به أحد، رغم أن الإقليم كان قد أعلن استقلاله عن الصومال منذ أكثر من 28 سنة، ويعيش في سلامٍ عكس الدولة الأم – الصومال- التي تعيش عاصمتها مقديشو تحت رزح الرصاص، الهدوء والاستقرار الذي ميّز أرض الصومال لم يدم طويلًا بعد أن وضعت الإمارات العربية المتحدة أعينها على ميناء بربرة في الإقليم الشمالي.  

تعيش الآن أرض الصومال أو ما يسمى بـ«صوماليلاند» على صفيحٍ ساخنٍ، منذ توقيع «موانئ دبي العالمية» على اتفاق استغلال ميناء بربرة الاستراتيجي، والواقع على بعد 278 كم جنوب مضيق باب المندب، وذلك عقب المعارضة الشديدة التي لقيتها خطوة أبوظبي تلك، والهادفة إلى بسط سيطرتها وتقوية نفوذها في أرض الصومال، وهو الأمر الذي دفع عناصر وأفراد في الجيش التابع لحكومة أرض الصومال إلى إعلان انشقاقهم، والإعلان عن تأسيس جيشٍ يهدف إلى محاربة الحكومة الحالية تحت مسمى «الجيش الحر».

في هذا التقرير نسلط الضوء أكثر على« الجيش الحر» في إقليم أرض الصومال، ونستقصي أسباب نشأته والجهة التي قد تقف وراءه. 

جمهورية أرض الصومال.. «دولة الأمر الواقع» التي لا يعترف بها أحد

الوجود الإماراتي في أرض الصومال.. «احتلال» أم نفوذ عابر؟

في التاسع من مايو (أيّار) عام 2016، أُعلنت رسميًّا مذكرة تفاهم بين حكومة أرض الصومال – غير المعترف بها دوليًّا- و«شركة دبي العالمية للموانئ» التابعة لحكومة أبوظبي تقضي بموجبها منح الشركة الإماراتية حق استغلال ميناء بربرة الاستراتيجي، وهو ما تمّ فعلًا في شهر مارس (آذار) من عام 2018، وذلك بعد توقيع الحكومة الإماراتية ممثلةً في «موانئ دبي العالمية» اتفاقية رسمية مع حكومة أرض الصومال وإثيوبيا، ويمنح الاتفاق نسبة 51% من الأرباح لشركات «موانئ دبي» و30% لأرض الصومال، و19% لإثيوبيا.

خلّف هذا الاتفاق غضبًا كبيرًا لدى مواطني أرض الصومال، وتنديدًا من طرف الحكومة الصومالية في مقديشو، بوصفه احتلالًا إماراتيًّا لأرض الصومال، وجاء الردّ الصومالي على الخطوة الإماراتية على هامش إحدى جلسات «مجلس الأمن»، إذ أدان مندوب الصومال في الأمم المتحدة الانتهاكات الإماراتية للقرارات الدولية الخاصة ببلاده، ودعا «مجلس الأمن» إلى اتخاذ إجراءات لوقف هذه الانتهاكات.

وقال المندوب حينها: «ندين بشدة انتهاكات الإمارات، وسنتخذ كل ما يلزم للدفاع عن سيادة بلدنا»، كما استدعت الخارجية الصومالية السفير الإماراتي في مقديشو، محمد أحمد عثمان الحمادي، للاستفسار عن شرعية الاتفاقية الثلاثية، غير أن «السفير لم يعط الخارجية الصومالية إجابات مقنعة عن استفساراتها». 

خريطة تظهر موقع أرض الصومال

خريطة تظهر موقع أرض الصومال

ولم تتوقف «الانتهاكات» الإماراتية عند الاستحواذ على ميناء بربرة، فقد أشارت تقارير إعلامية بريطانية إلى عزم الإمارات إنشاء قاعدة عسكرية في أرض الصومال، واستعمالها في حرب في اليمن، وأوضحت «بي بي سي» أن الإمارات بدأت عام 2017 إنشاء قاعدة على موقع بمطار مدينة بربرة في أرض الصومال، وسمح لها بالبقاء فيها لمدة 30 عامًا. 

وشكّل تنامي النفوذ الإماراتي بأرض الصومال قلقًا لدى أبناء إقليم أرض الصومال، وهذا ما أكده عبد النور بسّاس أحد سكان هرجيسا العاصمة لـ«ساسة بوست» بالقول «نحن نعاني كثيرًا من الاتفاقيات التي تتم مع الإمارات العربية المتحدة، الآن أصبحت سيادتنا التي نحاول بسطها والاعتراف بنا كدولة في مهب الريح».

 أمّا أحمد ساقي أحد قاطني مدينة برعو فيرى أنّ «الاتفاقيات الموقعة مع دولة الإمارات العربية المتحدة ستحقق لأرض الصومال مكاسب اقتصادية كبيرة، كما أنّها ستزيد من فرص اعتراف الدول بدولة أرض الصومال، التي لم يعترف بها أحد منذ تأسيسها سنة 1991».

صرخة غضب صومالية في وجه الإمارات

مع نهاية شهر أغسطس (آب) الماضي؛ خرجت للعلن أنباء تناقلتها وسائل الإعلام عن حدوث انشقاقات داخل جيش أرض الصومال،  وذلك عقب تنامي الغضب والرفض لدى قياداتٍ عسكرية، من تعاظم النفوذ الإماراتي في أرض الصومال، وهذا ما جعلهم يؤسسون «الجيش الحر».

وحسب تقريرٍ لموقع «عربي بوست»، فإن توسع النفوذ الإماراتي في أرض الصومال، وبالخصوص الاتفاق الذي منح أبوظبي حقّ استغلال ميناء بربرة الحيوي كان أحد أسباب الثورة التي تشهدها أرض الصومال ضد الوجود الإماراتي في الإقليم، وأنّ الجيش المشكل من انشقاق آلاف العناصر من جيش أرض الصومال، يهدف لإنهاء هذا الوجود، كما يعارض المنشقون السياسات الحالية لحكومة أرض الصومال التي يقودها الرئيس موسى بيهي، المقرّب من حكومة أبوظبي. 

 

وأضاف التقرير أنّ  أكثر من 10 آلاف مقاتل؛ قسمٌ كبيرٌ منهم انشق عن الجيش، إضافةً إلى مئات المتطوعين شكلوا مع نهاية الشهر الماضي ما يسمى «الجيش الحر»، وذلك احتجاجًا على ما وصفوه بـ«التوجهات المشبوهة» التي تمارسها حكومة البلاد، خاصة فيما يتعلّق بالنفوذ الإماراتي في البلاد، الذي بات حسبهم يعدّ انتهاكًا لسيادة البلد.

هل النزاع القبلي هو السبب الحقيقي وراء تشكيل هذا الجيش؟

ولدى استقصائها لأمر الجيش الحر في «صوماليلاند» من مصادر مطلعة من داخل أرض الصومال، وجدت «ساسة بوست» أنّ أسبابًا أخرى كانت وراء الانشقاق، فيشير محمود عبدي رئيس «مركز هرجيسا للدراسات والأبحاث»، وأحد سكان هرجيسا  أنّ «سبب الانشقاق الذي حدث داخل جيش أرض الصومال، والذي يقوده العقيد سعيد عويل المعروف باسم «عاره» يعود إلى تقاعس حزب «كولميه» الحاكم خلال السنوات الماضية عن إيجاد حل نهائي ومبرم، للنزاع القبلي المتكرر في منطقة «عيل أفوين»، والذي أدّى إلى سقوط العشرات من القتلى والجرحى بين عشائر من قبيلة سحاق بن أحمد، التي ينتمي إليها الرئيس الحالي لحكومة أرض الصومال والعقيد المنشق».

الرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية مع رئيس حكومة أرض الصومال

الرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية مع رئيس حكومة أرض الصومال

هذا الأمر دفع – حسب عبدي- العقيد سعيد عويل إلى الانشقاق بكتيبته، بعد أن أحسّ بتواطؤ الحكومة ضد عشيرته، مضيفًا أنّ الظروف العامة السيئة في صوماليلاند سبب آخر للمزيد من الانشقاقات والتمردات، كما أضافت مصادر من داخل المجموعة المنشقة لـ«ساسة بوست» أنّ تعداد الجيش الحر المنشق مع العقيد «عاره» بحدود 700 مقاتل، مع وجود مئاتٍ آخرين من المتطوعين.

وأضافت أن سبب انشقاقهم في الأساس هو «الفساد الذي تعيشه البلاد، والذي جعل أرض الصومال بلدًا مختطفًا من الإمارات»، كما أشارت المصادر ذاتها إلى أن الجيش المنشق يتمركز في منطقة عيل أفوين في محافظة سناغ، والتي تعدّ واحدة من كبريات المحافظات في أرض الصومال، إضافةً إلى انتشاره في إقليم توجطيرو وإقليم صول.

من يقف وراء تلك الخطوة في أرض الصومال؟

تحولت أرض الصومال في السنوات الأخيرة إلى ساحة صراعٍ بين القوى الإقليمية، وذلك بعد أن ثبتت الإمارات العربية المتحدة أقدامها في الإقليم بسيطرتها على ميناء بربرة الاستراتيجي، وبناء قاعدة عسكرية تكون داعمةً لعملياتها العسكرية في اليمن، وسط تجاهل التنديد الدولي للتحركات الإماراتية في الإقليم، قادته في الأساس حكومة مقديشو المدعومة من طرف كلٍ من تركيا وقطر.

أدى هذا الصراع الإقليمي إلى زيادة احتقان سكان أرض الصومال وتذمرهم من تصرفات حكومة أبوظبي، فبعد تحركاتٍ سلمية طبعتها وقفات احتجاجية أمام سفارات الإمارات العربية المتحدة في بعض العواصم العالمية، تحولت المقاومة إلى النهج المسلح عبر إعلان تشكيل «الجيش الحر» لإنهاء الوجود الإماراتي في البلاد.

ورغم نفي مصادر تواصلت معها «ساسة بوست» كون السبب الأساسي لتشكل الجيش هو مواجهة النفوذ الإماراتي في أرض الصومال، فإن تبني «الجيش الحر» لعملية التخريب التي استهدفت في 5 سبتمبر (أيلول) الجاري، ميناء بربرة، الذي تديره شركة «موانئ دبي العالمية»، جعل من شعارات «مقاومة النفوذ الإماراتي في البلاد» أمرًا ذا مصداقية. 

وبعد العملية، أمهل «الجيش الحر» في أرض الصومال حكومة أبوظبي 14 يومًا لسحب موظفيها وإدارتها على ميناء بربرة، ويُقدر عددهم بحوالي 120 موظفًا غالبيتهم من الجنسية الهندية، وأشار سعيد هيبة الناطق الرسمي باسم «الجيش الحر» في أرض الصومال إلى أنّ العملية تهدف إلى إيصال رسالة شديدة اللهجة للحكومة الإماراتية، بأنّ وجودها غير مرحَّب به، وأنَّ عليها أن تغادر البلاد.

ولمعرفة من يقف وراء هذا الجيش تواصلت «ساسة بوست» مع عناصر معارضة لهذا الجيش، رأت أنّ الحكومة الصومالية بمقديشو وحلفاءها يقفون وراء دعم الجيش، خصوصًا أنّ للمنشقين التوجه نفسه والرؤية التي تمتلكها حكومة مقديشو تجاه الإمارات العربية المتحدة.

تجدر الإشارة إلى أنّ الهجمة التي تعرّضت لها المصالح الإمارتية في أرض الصومال مطلع شهر سبتمبر الجاري ليست الأولى؛ فقد سبق وأن أطلق مسلحان في فبراير (شباط) الماضي النار على رئيس عمليات شركة «موانئ بي آند أو» المملوكة لحكومة أبوظبي في منطقة بلاد بنط بأرض الصومال.

وجه الصومال الآخر.. واجهة صراع محتدم بين دول الخليج

 

المصادر

تحميل المزيد