هل تلاحظ أن بعض الناس يبدون أكثر جاذبيةً من غيرهم دون بذل جهدٍ يُذكر؟ ربما قابلت بعض هؤلاء، ولاحظت أن هناك شيئًا جذابًا ومغريًا في طبيعة شخصيتهم ذاتها دون أي تكلف، وربما يدور في ذهنك دائمًا ذلك التساؤل عما يملكه هؤلاء ولا تملكه أنت، وما إذا كانت طبيعة الجينات هي المُتحكمة في الأمر، وأنه لا يوجد أمل لتصبح جذابًا مثلهم.

ليس الشكل الخارجي وحده هو المميز هنا، بل نغمة أصواتهم التي تكون مغريةً لمن يسمعها، وتمنح المتحدث بها ذلك الإيحاء بأنهم أشخاص لطفاء وجديرون بالثقة، وتجعل بعض النساء راغبات في التقرُّب منهم وسماع ما يقولون لساعات دون ملل. فما قصة هذا الصوت؟

الأصوات العميقة وعلاقتها بالإغراء والانجذاب

كثيرٌ منَّا ربما مر بهذه التجربة، أن يتحدث إلى شخص لا يعرفه على الهاتف، ربما مندوب مبيعات أو عامل مركز اتصالات أو زبون ما، ويرتاح لصوت هذا الشخص العميق والهادئ، ما يمنح المستمع شعورًا بأن هذا الشخص لا بد أن يكون جذابًا للغاية، وربما عند مقابلة هذا الشخص تُفاجأ بأنه ليس وسيمًا إلى الحد الذي كنت تتوقعه، ولكن هناك شيئًا مميزًا في صوته بالفعل.

Embed from Getty Images

يطلق الفرنسيون على هذا الصوت «voix de chambre à coucher»، أو «صوت غرفة النوم العميق»، وهو تلك النغمة المثيرة في أصوات بعض الناس، والتي تمنحهم قوَّة إغوائية، يُعطي هذا الصوت انطباعًا عن أصحابه بأنهم أكفاء ولطيفون وجديرون بالثقة؛ مما ينشئ حولهم هالةً من التأثير الجذاب.

هذا الصوت لا يرتبط بمنطقة جغرافية بعينها، بل هو منتشر حول العالم، وسمةٌ صوتية يبدو أنها تُغري جميع البشر بغض النظر عن ثقافاتهم أو أماكن عيشهم، فأي امرأة قادمة من اليابان أو من الولايات المتحدة أو من الشرق الأوسط، تميل إلى تفضيل الرجال ذوي الأصوات العميقة، بحسب ميليسيا ديفراداس، باحثةُ لغويات فرنسيَّة.

وعلى سبيل المثال، لاحظ باحثون التفضيل الجنسي للرجال ذوي الأصوات العميقة، حتى في الشعوب الأصلية في الأمازون وتنزانيا، وعدد واسع من الأمثلة في الغرب وبقية العالم، ويربط الناس الأصوات العميقة بقدرات النجاح الوظيفي والقوة، بل إنها تُعطي انطباع المهارة في الصيد لدى بعض الشعوب، ومن المثير للاهتمام ميلُ الناس لتصنيف السياسيين ذوي الأصوات العميقة على أنهم أكثر جدية واستحقاقًا للانتخاب والسلطة، بغض النظر عن جنسهم، ومن المرجح أيضًا أن يُقبَل المتقدِّمون للوظائف من الذكور والإناث ذوي الأصوات المنخفضة والعميقة وليس الصاخبة.

تفسير تطوريٌّ لانجذاب النساء إلى الصوت العميق

هذا التأثير المميز قابل للتفسير، وله علاقة بتاريخنا التطوري كبشر. رغم أن حدة صوت الرجال والنساء تقل خلال فترة المراهقة، لكن يمكن التنبؤ بدرجة عالية من الدقة بالنبرة والنغمة التي يكون عليها صوت الرجل طوال حياته، بناءً على ما كانت عليه نبرته في سن السابعة، وتشير الأبحاث إلى أن طبقة ونغمة الصوت مرتبطة بمستويات هرمون التستوستيرون، هرمون الذكورة، وهو ما يوضح أن نغمة الصوت مرتبطة بفكرة الاختيار الرومانسي، فمن وجهة نظر تطورية، سيكون الرجال الأقوياء (نسبة هرمون مرتفعة) أكثر رغبة جنسيًّا.

بكلمات أخرى، فإن هرمون التستوستيرون هو الهرمون المسؤول عن ظهور صفات الذكورة في الرجال، مثل نمو شعر الوجه والجسم، وبناء العضلات والعظام القوية (القوة الجسمانية)، والرغبة الجنسية وإنتاج الحيوانات المنوية، وكذلك خشونة الصوت وعمقه، وبالتالي كلما زادت نسبته زادت قدرات الإنسان الجنسية والجسمانية، ويزداد أيضًا عمق صوته. وكما ذكرنا، فإن زيادة عمق الصوت تمنح الرجل جاذبية أكثر عند النساء.

ذكرنا سابقًا الارتباط بين النجاح والصوت العميق، وسنُعطي هنا مثالًا بحالة الصيادين التنزانيين، طبقًا لدراسة أجريت عام 2017، لاحظ الباحثون أن أصحاب الصوت العميق يكونون أكثر قدرة ومهارة في الصيد، لماذا؟ لأن الصوت العميق يعني كما ذكرنا مستويات أعلى من هرمون التستوستيرون الذكوري، وبالتالي يمتلك الإنسان قوة جسمانية أكبر تنعكس على مهاراته في الصيد. ولأن هذه الزيادة في الهرمون تصاحبها كذلك صفات أخرى أفضل مثل الصحة الإنجابية والرغبة الجنسية، فهذا يعكس رغبة النساء في أولئك الصيادين المهرة لأنه من المتوقع أن يكونوا أكثر قدرة على رعاية الأطفال وحمايتهم، بالإضافة إلى تمرير صفاتهم الجسمانية لأطفالهم وللأجيال القادمة.

علوم

منذ 7 شهور
لماذا تعيش النساء أكثر من الرجال؟

وماذا عن تفضيلات الرجال للنساء؟

لوقت طويل، كان هناك اعتقاد حتى تسعينيات القرن العشرين، أن الرجال يفضلون النساء ذوات الأصوات العالية، التي قد تكون بمثابة تعبير عن الشباب والأنوثة والصحة الإنجابية، وصغر حجم الجسم، وبالتالي عدد سنوات خصوبة مستقبلية أكثر، وبالتالي يبحثون عن المرأة ذات الصوت العالي، ولكن الدراسات الأحدث في الأعوام القليلة الماضية تختلف نتائجها عن هذه الافتراضات.

طبقًا، للدراسة السابقة تلك، فإن المنطق هنا يقول إنه إذا تحدث رجل بصوته العميق مع امرأة يرغب في جذبها وإغرائها، فإن المرأة ستتجاوب معه بصوتٍ عال في محاولة لإبراز صفات الأنوثة والشباب والخصوبة، ولكن وجدت دراسة حديثة أجريت عام 2020، أن النساء تميل إلى التحدث بلغة أقل حدة وأكثر عمقًا حول الرجال الذين يرغبن في جذبهم، إذا كانت ترغب في مبادلة هذا الانجذاب وإذا ما كانت محاولة الرجل تعجبها وتريد التجاوب معها.

Embed from Getty Images

والسؤال هنا: لماذا تفعل النساء عكس ما يفترض أن يظهر جاذبيتهن وعكس طبيعتهن في الإغواء؟

النساء والرجال.. والتلاعب المكتسب

كانت هذه المفارقة في سلوك النساء مثيرة لاهتمام العلماء؛ إذ توقع باحثون أن التحدث بصوت منخفض، أي عميق، من النساء قد يكون «شيئًا مكتسبًا»، استنادًا إلى صورة نمطية في ثقافة الكثير من البشر ترى أن الصوت الأنثوي المثير هو الصوت منخفض النبرة، هذا يعني أن التلاعب بالصوت قد يكون سلوكًا مكتسبًا، ويعتمد على الصور النمطية للأصوات الجذابة بدلًا من الخصائص الصوتية الفعلية للصوت الجذاب.

وأيضًا عندما تخفض المرأة صوتها بشكل طبيعي، يُنظر إلى ذلك على أنه محاولةٌ لتبدوَ أكثر إغراءً أو جاذبية، وبالتالي فهي مثل إشارة إلى اهتمامها الرومانسي، أي إن الدافع إلى إظهار صوت أنثوي مثير ومغرٍ، يتعارض مع الدافع الآخر عندها لرفع الصوت، لتبدو أكثر خصوبةً أثناء محاولة جذب الرجل. في هذه الحالة يربح دافع الإثارة والإغراء؛ لأن الطرف الآخر سيفهمه على أنه رغبة في الإغواء أيضًا.

وجدت دراسة أجريت عام 2018 أن الرجال يفضلون أيضًا النساء ذوات الأصوات العميقة وليست العالية، وهذا كان يعد مؤشرًا على حدوث تغير في الأذواق، وأن الرجال يبحثون عن نساء جديات وطموحات، وذوات طموح مهني ويتمتعن بالنضج والكفاءة، وليس نساءً شابات ستكون مهمتهن الإنجاب وفقط. وهذا قد يدفع بعض النساء ليبدونَ مثل الرجال، لإعطاء انطباع بالكفاءة أو الهيمنة.

الفرق بين الرجل والمرأة

عندما يخوض الإنسان في محادثة جيدة، يميلُ إلى ضبط نغمة صوته مع صوت الشخص الآخر، فمثلًا تجعل النساء صوتها عميقًا مثل الرجل، وهذا يسمى الانجذاب الإيجابي، أي إننا في مرحلة نبحثُ فيها عما إذا كان الشخص الآخر جذابًا، أما عندما يكون الآخر جذابًا بالنسبة لنا بالفعل، يكون العكس هو الصحيح، فيخفض الرجال نبرتهم أكثر لإظهار قدراتهم الذكورية، وترفعُ النساء من أصواتهن لإبراز جانب الأنوثة وقدراتها المتعلقة بالخصوبة والقدرة على الإنجاب، وهو ما ينسجم مع الصور النمطية للجنسين، وهذا يعني: كلما وجدنا شخصًا أكثر جاذبية زاد الاختلاف في النبرة.

في محادثة واحدة جيدة بين رجل وامرأة، قد يظهر السلوكان المتعاكسان، ففي مرحلة الحديث عن الممتع والتلقائي، يحاول الطرفان مطابقة نغمة أصواتهما، ولكن عندما نريد إظهار جاذبيتنا، يتعاكس الطرفان في مستوى النبرة. وطبقًا لما ذكرنا، يشير بعض الخبراء إلى أن النساء تعطي الأولوية للمحادثات الجيدة على الجاذبية، بينما يعطي الرجال الأولوية للجاذبية على المحادثة الجيدة. ومن هنا يتضحُ كيف أن التلاعب بنغمة الصوت قد يجعلها أكثر جاذبية، وإذا كنت رجلًا، فإن الصوت العميق مثل صوت الممثل جورج كلوني هو المثالي لجذب المرأة. شاهد هذا الفيديو عن صوت جورج كلوني:

لكن من المهم أن تتحدث بنغمة مرتفعة لتُظهر مدى استمتاعك بالمحادثة، وعليك أيضًا الانتباه لنغمة صوت الطرف المقابل، فصوت النساء ينخفض ​​أحيانًا عندما يجدن رجلاً جذابًا، وهو دلالة على نجاحك في ما تحاول القيام به، أما بالنسبة للنساء، ربما عليكِ الحذر من خفض الصوت بشكل زائد عن الحد، لأنه قد يعطي انطباعًا عكسيًّا عن مستوى الذكاء؛ ما قد يضر بمستقبلك الوظيفي كله.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد