تعتبر محطة كوبيرج للطاقة النووية في شمال مدينة كيب تاون هي المحطة النووية الوحيدة في القارة الإفريقية, وبالرغم من أن جنوب إفريقيا قد شهدت تدشين برنامجها النووي في بدايات الحرب الباردة, إلا أنها ما لبثت أن أعلنت عن تفكيك المحطة النووية مع نهاية عهد التفرقة العنصرية.

نادرًا ما يتعرض العلماء لقارة إفريقيا عند الحديث عن تأثير الأسلحة النووية, بالرغم من أن ذات القارة قد تأثرت باستمرار بسباق التسلح النووي منذ حادث هيروشيما النووي أثناء الحرب العالمية الثانية، وبخلاف موقف الولايات المتحدة التي تحصلت على اليورانيوم لتصنيع القنابل الذرية, فقد شهد مؤتمر باندونج عام 1955 توقيع تسع وعشرين دولة إفريقية وآسيوية على اتفاقية نزع السلاح النووي، ولم تمض أربع سنوات على توقيع الاتفاقية حتى شرعت حكومة جنوب إفريقيا ذات التوجة العنصري آنذاك في تصنيع القنبلة النووية في الوقت الذي شهد سعي القادة الأفارقة لوقف التجارب النووية الفرنسية في صحراء القارة.

البرنامج النووي لجنوب إفريقيا والحرب الباردة

شرعت جنوب إفريقيا في امتلاك برنامجها النووي في نهايات عام 1950 بالتنسيق مع الولايات المتحدة من خلال برنامج لتطوير إنتاج اليورانيوم، وبحلول عام 1957 احتلت جنوب إفريقيا المركز الرابع في قائمة الدول التي تشملها  اتفاقية الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية في عهد الرئيس الأمريكي أيزنهاور, وفي عام 1960 قامت الولايات المتحدة بإمداد بريتوريا بمفاعل سفاري النووي مما مكنها من امتلاك البنية التحتية اللازمة التي وضعتها على الطريق نحو امتلاك الطاقة النووية – كما أشار دايفيد أولبرت أحد الكتاب المتخصصين في المجال النووي – بل وزادت على ذلك بإيفاد موظفيها إلى الولايات المتحدة ودول أوروبا للتدريب على تقنيات المجال النووي.

وبالرغم من التغير الذي طرأ على سياسات الحكومة في جنوب إفريقيا فيما يتعلق بسياسة التفرقة العنصرية في العقد التالي, إلا أنها قوبلت بفرض عقوبات من قبل المجتمع الدولي شمل بعضها وقف الإمدادات العسكرية، ما حدا بالولايات المتحدة أن تحد من دعمها العلمي والتكنولوجي للبرنامج النووي الجنوب إفريقي الأمر الذي دفع بالحكومة إلى المُضيّ قدمًا في برنامجها النووي في ظل مخاوف من عزلة دولية، إلى جانب كون القنبلة الذرية سلاح ردع أمام الخطط السوفيتية لتوجية ضربات عسكرية ضد جنوب إفريقيا, هذا بجانب الرغبة الحثيثة من قبل بريتوريا في امتلاك اليورانيوم خاصة في ظل توقعات من الخبراء آنذاك بنقص المخزون العالمي منه.

دعم إسرائيل الخفي للبرنامج النووب لجنوب إفريقيا

بالرغم من تكرار نفي البلدين وجود أية اتصالات بينهما, إلا أن ثمة شائعات طفت على السطح كشفت عن اتفاقيات متبادلة جرت بين إسرائيل وجنوب إفريقيا قامت إسرائيل بموجبها بدعم جنوب إفريقيا باليورانيوم في مقابل الدعم التكنولوجي من بريتوريا، خاصة مع الدعم الذي قدمته زيارة وزير الخارجية الجنوب إفريقي، جون فوستر، للقدس عام 1970؛ حيث أسفرت تلك الزيارة عن تشكيل لجنة وزارية مشتركة لمراجعة كل أشكال التعاون بين البلدين على كل الأصعدة وخاصة على الصعيد العسكري حتى بلغت قيمة التبادل التجاري بينهما مائة مليون دولار بحلول عام 1977.

غير أن ثمة توتر بدأ يلوح في الأفق بين جنوب إفريقيا والولايات المتحدة في ظل الأنباء التي تواترت عن سعي الأولى لإجراء اختبارات نووية في صحراء كالهاري، ما حدا بالولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أن يدفعا في اتجاه تخلي جنوب إفريقيا عن المُضيّ قُدُمًا في تجاربها النووية.

وقد عبرت تصريحات الرئيس الأمريكي آنذاك، جيمي كارتر، عن طبيعة التوتر الذي يكتنف علاقة البلدين؛ حيث أكد أن جنوب إفريقيا لا تملك حق تطوير برنامجها النووى لأي أغراض سلمية كانت أو عسكرية, وهو ما قوبل بتصريحات وزير المالية الجنوب إفريقي، أوين هاروود، التي أكد فيها على أن من حق بلاده تطوير برنامجها النووي في أي وقت شاءت، وهو ما يعكس رغبة جنوب إفريقيا الحثيث في الانضمام للنادى النووي بدعم من إسرائيل.

البرنامج النووي لجنوب إفريقيا في عقد التسعينيات

شهد عام 1989 قيام كل من إسرائيل وجنوب إفريقيا بإجراء تجارب خاصة بالصواريخ الباليستية, وبالرغم من عدم وضوح أهداف تللك الاختبارات إلا أن تقديرات المخابرات المركزية الأمريكية كشفت عن ارتباط مثل تلك الاختبارات بالبرنامج النووي.

إلا أن الساعة بدأت تدور في الاتجاه المعاكس مع انتخاب الرئيس الجنوب إفريقي كليرك الذي تماهى مع المجتمع الدولي وأعلن عن إنهاء كل الأنشطة المتعلقة ببرنامج بلاده النووي وانضمام بلاده لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

دور مانديلا في إنهاء البرنامج النووي لجنوب إفريقيا

اتخذ نيلسون مانديلا موقفًا معاديًا للبرنامج النووي لبلاده، وهو ما بدا واضحًا في خطابه أمام معهد جنوب إفريقيا للمهندسين المدنيين الذي أكد فيه التزام المؤتمر الوطني الإفريقي بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهو ما تكرر في كلمة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ حيث أعلن عن المبادرة التي تبنتها جنوب إفريقيا وسبع دول إفريقية أخرى بعنوان “نحو عالم خالٍ من الأسلحة النووية”.

أخيرًا يمكن القول بأن العالم قد أضحى في أمسّ الحاجة إلى تبني النموذج الجنوب إفريقي في التعامل مع ملف البرنامج النووي الذي أثبتت من خلاله أنه ما من شيء يعيق التخلص من كل أشكال التسلح النووي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد