باتت احتمالية وقوع جنوب أفريقيا في شباك صندوق النقد الدولي وشيكة، وذلك في ظل عدم اليقين السياسي، والنمو الاقتصادي الهزيل، والتحديات الكبرى مثل البطالة التي وصلت إلى 29%، وأزمة الطاقة، بينما يتوقع البنك المركزي نموًا قدره 0.6% لهذا العام، والذي يعد رقمًا أقل بكثير من نسبة 5% التي تقول الحكومة إنها ضرورية كي يتم خفض معدل البطالة إلى النصف، فهل تلجأ البلاد إلى الصندوق لدعم برنامج اقتصادي أم ستنجح في الإصلاحات دون مساعدة النقد الدولي؟

حكومة جنوب أفريقيا أمام اختبار صعب حاليًا، فإذا فشلت الإصلاحات الحالية، فلن يُترك لجنوب أفريقيا أي خيار سوى البحث عن خطة إنقاذ، هذه الخطة ربما تكون بمساعدة صندوق النقد الدولي.

وترى «بلومبرج» أن صندوق النقد الدولي يستخدم أسلوب التهديد لإجبار حكومة جنوب أفريقيا على المضي قدمًا في الإصلاحات التي تحتاجها لإنقاذ الاقتصاد، إذ يحذر بعض رجال الأعمال والمحللين من أنه قد يتم الضغط على البلاد لمطالبة صندوق النقد الدولي بالمساعدة في إبقاء الديون المتضخمة تحت السيطرة.

ويقول ثابي ليوكا، الخبير الاقتصادي إن الصندوق يستخدم تكتيك تخويف لتوعية الحكومة بأنه إذا لم تنفذ السياسات اللازمة، فقد تضطر إلى اللجوء إليه، إلا أنه يرى كذلك أن «مشاكل جنوب أفريقيا ليست مستعصية على الحل، نحن نعرف ما يتعين علينا القيام به، لكن مشكلتنا هي الافتقار إلى التنفيذ والإرادة السياسية».

وهناك شبه اتفاق بين الحكومة والبنك المركزي والرئيس سيريل رامافوزا، بأن البلاد حاليا لا تحتاج إلى مساعدة من صندوق النقد الدولي وأنه لا يزال بإمكان السلطات القيام بما هو مطلوب، إلا أن أكبر جماعات الضغط في البلاد قالت إنه ربما يتعين عليها القيام بذلك ما لم يتصرفوا قريبًا لحل المشكلات في شركة الكهرباء المملوكة للدولة التي تعاني من ضائقة مالية وإزالة العقبات التي تعرقل نمو الاقتصاد.

ما هو وضع اقتصاد جنوب أفريقيا الآن؟

تعتبر جنوب أفريقيا الأولى أفريقيًا بالنسبة لنصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي، فبحسب إحصاءات «البنك الدولي» لعام  2018 فإن الناتج الإجمالي المحلي لجنوب أفريقيا يبلغ 366 مليار دولار، فيما يبلغ نصيب الفرد نحو 6.3 ألف دولار في 2018، إلا أن هذا الرقم أقل كثيرًا من الرقم المسجل في 2011 عندما وصل نصيب الفرد إلى أكثر من 8 آلاف دولار في العام.

وبالرغم من أن جنوب أفريقيا تستضيف أكبر عدد من الأثرياء في القارة السمراء، إلا أنها تمتلك أيضًا نسبة عالية من البطالة، وصلت إلى 29%، وترتفع نسبتها بين الشباب؛ فـ50% من المواطنين الذي تتراوح أعمالهم من 15 إلى 35 عامًا عاطلون عن العمل؛ وذلك بسبب غياب العدالة في توزيع الثروة.

وفي يوليو (تموز) الماضي خفض البنك المركزي توقعاته لنمو الاقتصاد خلال العام الجاري من 1% إلى 0.6%، بعد أن أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الجنوب أفريقي أن اقتصاد البلاد سجل أكبر نسبة انكماش منذ 10 أعوام خلال الربع الأول، وذلك بعدما شهدت البلاد أكبر أزمة طاقة منذ عام 2008 وتراجع للعملة المحلية، كما سجلت قطاعات الصناعة والتعدين والزراعة أكبر نسب انكماش.

فقد انكمش قطاع الصناعة بنحو 8.8%، والتعدين بنسبة 11%، والزراعة بنسبة 13%؛ ما دفع صندوق النقد الدولي إلى توقع تباطؤ وتيرة النمو في جنوب أفريقيا في 2019 بدرجة أكبر مما كان متوقعًا في عدد أبريل (نيسان)، وذلك خلال تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر يوليو الماضي.

ماذا تخبرنا أزمة «إسكوم» عن الوضع الاقتصادي في جنوب أفريقيا؟

تعتبر أزمة شركة الكهرباء الحكومية «إسكوم هولدنجز» أحد أبرز معالم الأزمة الاقتصادية الحالية في جنوب أفريقيا، إذ إن الشركة لديها 440 مليار راند من الديون وهو ما يعادل 29 مليار دولار، وتناضل لتلبية الطلب على الكهرباء من المصانع القديمة.

بينما قالت الحكومة في نهاية أغسطس (آب) الماضي، إنها قد تلجأ إلى بيع عدد من محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم للحصول على سيولة نقدية قيمتها 29 مليار دولار، إلا أن  بيع المحطات سيرتبط بعقود لشراء الكهرباء منها بأسعار محددة بشكل مسبق، فيما تحاول الحكومة وقف الخسائر التي يتحملها الاقتصاد الجنوب أفريقي بسبب اضطراب إمدادات الكهرباء في البلاد منذ سنوات.

ومؤخرًا قال الرئيس التنفيذي المؤقت للشركة، جابو مابوزا، إن «اسكوم نفدت منها النقدية واقتربت من حافة الانهيار الكامل في مناسبات عديدة في عام 2019»، وهو الأمر الذي يوضح مدى تأزم الوضع في البلاد، والذي يحتاج إلى علاج سريع.

بالإضافة إلى أزمة شركة الكهرباء، تعيش جنوب أفريقيا توترات عنيفة منذ بداية الشهر الجاري، إذ شهدت أعمال شغب ضد الأجانب خلفت مقتل سبعة أشخاص وتوقيف نحو 300 آخرين، بعد ثلاثة أيام من أعمال العنف التي تسببت في تدمير عشرات المتاجر، وإحراق شاحنات يشتبه بأن سائقين أجانب كانوا يقودونها.

وجاءت هذه الأحداث قبل اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي الأفريقي في كيب تاون، إلا أن هذه الأحداث ليست الأولى من نوعها، إذ تشهد البلاد بانتظام أعمال عنف بحق أجانب يؤججها تنامي الفقر والبطالة، ففي 2015 قتل سبعة أشخاص خلال أعمال نهب استهدفت متاجر يملكها أجانب في جوهانسبورج ودوربان، وفي 2008 خلفت أعمال شغب على خلفية كراهية أجانب 62 قتيلًا، بينما قتل عشرات من سائقي الشاحنات منذ مارس (آذار) 2018 حتى نهاية أغسطس (آب) الماضي، بحسب منظمة «هيومن رايتس ووتش».

ما هي رؤية جنوب أفريقيا لتعزيز النمو الاقتصادي؟

تسعى حكومة جنوب أفريقيا لتنفيذ مجموعة من الإصلاحات لدعم الاستثمار وزيادة السياحة، إذ تأمل أن ترفع الإصلاحات متوسط معدل النمو الاقتصادي بمقدار اثنان إلى ثلاث نقاط مئوية وأن توفر أكثر من مليون فرصة عمل على مدى عقد من الزمان، في حين أن بعض المقترحات، مثل تخفيف قواعد التأشيرة، واقتراحات النقد الدولي من بيع محطات الطاقة المملوكة لشركة المرافق الحكومية «اسكوم» قد تساعد الحكومة في مسار الإصلاحات.

ووفق ورقة نقلتها «بلومبرج» فأن أبرز بنود الإصلاح التي ستعتمد عليها الحكومة، تتلخص في تخصيص مجموعة من الشركات العامة للبيع للقطاع الخاص من خلال مزاد علني، بالإضافة إلى السماح بالمنافسة في البنية التحتية، كذلك تعزيز مشاركة القطاع الخاص في السكك الحديدية، وتطوير جميع مشاريع البنية التحتية ذات الأهمية الإستراتيجية بالتنسيق مع الحكومة والقطاع الخاص.

وتشير التقديرات إلى أن الطلب على المياه سيتجاوز العرض بحلول عام 2030، لذلك تحتاج البلاد إلى إستراتيجية للاستثمار في تنمية الموارد المائية، وإمداد ضخم بالمياه، وإدارة مياه الصرف الصحي، لذلك تقول الحكومة أنها تحاول الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال، كما تتجه البلد لجعل اللوائح المصرفية أكثر مرونة للتطورات الجديدة.

أقوى اقتصاد أفريقي ولكن! 6 أشياء قد لا تعرفها عن جنوب أفريقيا

لكن هذه الإصلاحات الهيكلية ستواجه عقبات سياسية، من داخل الحكومة و«المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم»، بحسب فرانس كرونجي، المدير التنفيذي لـ«معهد جنوب أفريقيا للعلاقات العرقية» بجوهانسبرج، إذ يرى أنه «من المرجح أن يتم الترحيب بالإصلاحات في دوائر المحللين والمستثمرين، لكنها ليست كافية لتغيير شعور المستثمرين، وسيتم قراءتها كدليل إضافي على التناقضات والارتباكات في سياسة الحكومة».

وترى وزارة المالية الجنوب أفريقية أن المسار الاقتصادي الحالي غير مستدام، إذ تحتاج البلاد إلى إجراءات مدروسة وملموسة في إطار سياسة اقتصاد كلي مستقر يدعمه سعر صرف مرن، وتضخم مستقر، وسياسة مالية موثوقة ومستدامة، إلا أن نعمة رامخلاوان-بهانا ، الخبيرة الاقتصادية في «FirstRand Bank Ltd»، ترى أنه من غير الواضح أن الحكومة قادرة على تنفيذ خطط مدروسة.

لماذا تخشى حكومة جنوب أفريقيا طلب الدعم من صندوق النقد الدولي؟

على الجانب الأخر يرى البعض أن ارتباط الحكومة ببرنامج إصلاح مدعوم من صندوق النقد الدولي سيعزز من الالتزام بالإصلاحات، إلا أن الحكومة ترى أن طلب الدعم من الصندوق أمرًا خطيرًا من الناحية السياسية على «حزب المؤتمر الوطني» لأنه قد يُنظر إليه على أنه فشل في إدارة الاقتصاد، ومن شأن المسؤولية أمام مؤسسة أجنبية أن يفسح المجال لأحزاب المعارضة مثل مقاتلي الحرية الاقتصادية الذين يؤيدون التأميم الكلي.

ويقول، لومكيل موندي، المحاضر في الاقتصاد بكلية التجارة الدولية جامعة «ويتواترسراند» في جوهانسبرغ، إن تراجع الثقة وإمكانية المساعدة من صندوق النقد الدولي تتصدر عناوين الصحف؛ لأن الناس يشككون في قدرة الدولة على إجراء أية إصلاحات اقتصادية ملحة ومطلوبة للغاية للتعامل مع المشكلات الهيكلية.

إلا أن وزير المالية، جاكسون ماثيمبو ، قال في  8 أغسطس الماضي «إنه ليست هناك حاجة أو اتجاه من قبل حكومة جنوب أفريقيا للتواصل مع أي مؤسسة مالية للحصول على المساعدة».

وتقول «بلومبرج» أن قيود الميزانية وسط ضعف النمو الاقتصادي أججت الدعوات باتخاذ إجراءات عاجلة، إذ تشير تقديرات وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني أن الفجوة في الميزانية قد ترتفع إلى 6.3% من الناتج المحلى الإجمالي العام الحالي، والديون الحكومية إلى 68% من الناتج المحلى الإجمالي خلال عامين.

وفي منتصف أغسطس الماضي، قال مندوب صندوق النقد الدولي، في جنوب أفريقيا، مونتفورت ملاشيلا، إن تبسيط قواعد التأشيرات لتعزيز السياحة والمزيد من المرونة في سوق العمل، هي سياسات قابلة للتحقيق بسهولة ويمكن أن تعزز الثقة.

حلم مانديلا الذي أصبح كابوسًا.. هل تخسر جنوب أفريقيا ريادتها في القارة السمراء؟

المصادر

تحميل المزيد