رغم استحواذ تجربة الصين في السيطرة على جائحة كورونا المُستَجَد (كوفيد-19) على غالبية مساحات الإشادة من المختصّين وغير المختصين؛ فهناك تجربة أخرى لا تقل كفاءة، بل ربما تتميز عن التجربة الصينية في العديد من النواحي الإنسانية، إنها تجربة كوريا الجنوبية.

منذ أقل من شهر، كانت كوريا الجنوبية مرشحة وبقوة لتكون البؤرة الثانية لهذا الوباء بعد الصين، خاصة مع وصول عدد الحالات بها إلى ما يُقاربُ ألف يوميًا. لكن الدولة ذات الخمسين مليون نسمة، والتي تشتهر عاصمتها سيول، والمنطقة الحضرية المحيطة بها بالازدحام الشديد – إذ يسكنها حوالي نصف سكان كوريا الجنوبية – نجحت في أن تسيطر بفعالية على ذروة الوباء، وتهوى بمعدلات الإصابة اليومية دون 200، وبحالات الوفاة اليومية دون 10.

Embed from Getty Images

كذلك أثارت التجربة الكورية الجنوبية الإعجابَ نظرًا للانخفاض الواضح في معدل الوفيات الكلي مقارنة بإجمالي الحالات. فمن بين أكثر من 8400 حالة مصابة حتى يوم الأربعاء 18 مارس (آذار) الحالي، هناك 84 حالة وفاة فحسب. وهذا أفضل نسبة مقارنة بالمعدلات الصينية، والإيطالية أيضًا.

ولكن قبل أن نشرح كيف نجحت كوريا الجنوبية في تحقيق هذا، سنعود إلى الوراء بضعة أعوام، حيث تجربة أليمة لكوريا الجنوبية مع فيروس آخر ينتمي لعائلة الكورونا. أسهمت دورس تلك التجربة في تحسين الأُهبة الكورية لمواجهة كوفيد – 19.

الكوري الجنوبي الذي قتل 36 شخصًا بدون قصد!

إصابة تنفسية شديدة، تؤدي إلى تلفٍ جسيم بالرئتيْن، وحدوث الفشل التنفسي الذي يستدعي وضع المريض على أقصى درجات الدعم التنفسي وصولًا إلى أجهزة التنفس الاصطناعي، وأجهزة الأكسجة خارج الجسم (ECMO)، وتحدث الوفاة في حوالي 20% من الحالات.

هكذا كان المشهد المخيف في ثلاثة مشافٍ كورية جنوبية على الأقل، عام 2015. وانطبق الوصف المخيف السابق على أكثر من 20 حالة، تُوُفِّيَ منهم 36 مريضًا. لكن إذا عُرِفَ السبب، بطلَ العجب.

كان القاتل أيضًا من عائلة الكورونا التي يحصد أحد أفرادها أرواح العشرات حول العالم هذا العام. اسمه هو «MERS- COV» والذي بسبب ما بات يُعرَف باسم متلازمة الشرق الأوسط التنفسية الحادة (MERS). والتي ظهرت بوصفها وباءً لأول مرة في السعودية – ومن هنا جاءت التسمية – في صيف عام 2012. الفيروس المسبب لها أشدُّ فتكًا من فيروس الكورنا المستجَد الحالي، لكنه لحسن الحظ أقل قدرةً بكثير على العدوى.

تحرّكت السلطات المسئولة آنذاك بقوة، وقاد تتبع الخيوط إلى رجل أعمالٍ كوريٍّ جنوبي زار عدة بلدان شرق أوسطية، حيث التقط العدوى هنالك، ثم عاد بها إلى كوريا الجنوبية، ولم تكن الطواقم الطبية معتادة على تلك المتلازمة التنفسية غير المنتشرة في تلك البلاد.

صحة

منذ 3 شهور
استخدمتها اليابان بنجاح.. هل تصبح أجهزة «الإيكمو» علاجًا لفيروس كورونا؟

على مدار شهرين، تتبعت السلطات الكورية المخالطين للحالات، وأخضعت حوالي 17 ألفًا منهم للحجر الصحي، وهكذا تمكّنت من احتواء وباء «MERS».

منحت تلك التجربة القاسية الهيئات العلمية والبحثية والكوادر الإدارية الكورية الجنوبية خبرة عملية قوية، لا شك أنها أسهمت في جودة الأداء في مواجهة وباء كوفيد-19.

كذلك، صدّرت في كوريا الجنوبية العديد من التشريعات في أعقاب ذلك الوباء المحدود، والتي تتيحُ للحكومة أن تكشف خصوصية بعض البيانات الشخصية الهامة في المصابين بالوباء مثل مكالماتهم الهاتفية، وتنقلاتهم، واستخدامات بطاقاتهم الائتمانية وغيرها، وذلك في الفترة القصيرة قبل التشخيص، ليُمكن رسم تصور جيد بمناطق احتكاكهم التي يمكن أن يكونوا قد نقلوا خلالها الفيروس للمخالطين في تلك الأماكن.

الملامح الرئيسة لمعركة كوريا الجنوبية ضد كوفيد-19

في الملحمة الكورية الجنوبية المتواصلة ضد جائجة كورونا المستجد، تجلَّى تناغم فريد بين أجهزة الدولة المختلفة، وبين مختلف فئات الشعب الكوري، مما سمح لعملية مواجهة كوفيد-19 أن تتم بفعالية كبيرة، أعانت على كبح معدل الخسائر البشرية والمعنوية والمادية.

Embed from Getty Images

أظهر المجتمع الكوري تلاحمًا وتعاونًا فريدًا، وكانت تحركات هيئات المجتمع المدني والمتطوعين جيدة التخطيط والنظام، فركَّزت على نقاط الضعف الموجودة في المنظومة، وقامت بسد ثغراتها. كذلك سُجّلَت معدلات عالية من التزام المواطنين بتعليمات الحكومة في الحد من التجمعات وحسن التعاون مع السلطات الصحية، ولعل السر في هذا يعود إلى ثقة في أداء الحكومة المنتخبة في المُجمَل، رغم وجود العديد من المآخذ والانتقادات.

في النقاط السريعة التالية، سنلخص أبرز ملامح تلك الملحمة التي يراها العديد من الأوروبيين والأمريكيين أنموذَجًا لا بد أن تحتذيه بلادهم التي أصبحت هي الآن البؤرة الرئيسة لوباء كوفيد- 19.

1. الشفافية أولًا وأخيرًا.. والإجراءات الاستثنائية تُقدَّر بقدَرِها

«إن كوريا الجنوبية جمهورية ديموقراطية، وبالتالي فالإغلاق التام ليس خيارنا المُفضّل» *كيم وُو جين، الباحث في الأمراض المعدية في جامعة كوريا

منذ ظهور حالات الوباء الجديد في كوريا الجنوبية، بادرت الحكومة بعرض الحقائق كاملة أمام الشعب، ولم تُضِع وقتًا ثمينا في الإنكار، وفي مطاردة من يبثون الحقائق والشكوك المشروعة كما فعلت الصين في الأيام الأولى لظهور حالات الوباء. كذلك حرص المركز الكوري لمكافحة الأمراض (KCDC) على التواصل يوميًا مع المواطنين عبر كافة وسائل الاتصال ومنصات الإعلام، وإتاحة المعلومات حول الوباء بمختلف درجاتها، مما حدّ كثيرًا من المخاوف العامة، وساعد الخبراء على تقديم مشورتهم، والمساهمة بفاعلية في جهود مقاومة الوباء.

على الأرض؛ تحركت السلطات فورًا في إجراءات استثنائية وقائية، مثل تعطيل المدارس والجامعات، ومنع التجمعات الكبيرة كالمظاهرات، وكذلك إلغاء الأحداث الرياضية والفنية الكبيرة، وحث الناس على تجنب كافة أشكال التجمع إلا للضرورة. لكن رغم تلك الإجراءات الاستثنائية، فإن السلطات لم تفرض حالة الإغلاق التام على أية منطقة، حتى مدينة دايجو – رابع أكبر مدن كوريا الجنوبية – والتي شهدت حوالي ثلثيْ الإصابات. ولذا لم يعانِ المواطنون من تغيرٍ جذري في أنماط حياتهم، كما حدث لنظرائهم الأوربيين لا سيَّما في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، حيث طُبِّقَت الإغلاقات العامة.

أتاحت التشريعات الجاهزة منذ وباء 2015 للسلطات الكورية، أن تتبع المخالطين للحالات المصابة، وكذلك أن ترسل تحذيرات عبر الهواتف الجوَالة للسكان القريبين منهم باكتشاف حالة مصابة في محيطهم، وذلك لدفعهم للحذر، ولطلب المشورة الطبية إذا سبق وتفاعلوا مع المصابين بأي شكل.

في المقابل، لم تبالغ السلطات الكورية كثيرًا في الإجراءات الاستثنائية، فمثلًا حتى لحظة كتابة تلك الكلمات، لم تحظر الطيران بالكلية من وإلى الصين، لكن ركَّزت المنع على البؤر الموبوءة مثل مقاطعة هوباي. وإن كان هذا التراخي في حظر الطيران من النقاط التي ركَّز عليها منتقدو الحكومة، إذ قارنوها بما فعلته تايوان وسنغافورة اللتيْن أغلقتا أجواءهما مبكرًا مما أسهم بشكلٍ أكثر فاعلية في كبح جماح الوباء لديهما.

2. بنية تحتية قوية ونظام صارم

يعزو المراقبون نجاح كوريا الجنوبية في السيطرة على معدلات الوفيات رغم ارتفاع الإصابات، إلى قوة منظومتها الصحية، والوفرة النسبية في أسَّرة الرعاية المركزة، لا سيَما في القطاع الطبي الخاص، وكذلك حسن تدريب الكوادر البشرية بها للتعامل مع مثل تلك الأزمات.

Embed from Getty Images

كذلك كان للمبادرات الشعبية، وحسن تصرف السلطات المحلية دورٌ بارز في الإسهام في السيطرة على ذروة الوباء. ففي مدينة دايجو على سبيل المثال، قامت السلطات المحلية بتهجيز العديد من الأماكن العامة لتكون مشافٍ ميدانية، مُجهّزَة جيدًا، وذلك لتخفيف الضغط عن المشافي الرئيسة، ولاستيعاب مئات الحالات المصابة في الوقت، نفسه بالأخص الحالات متوسطة الأعراض، والتي لا داعي لاستنزاف جهود المشافي الكبرى والطواقم الطبية الرئيسة بها.

أما الحالات قليلة الخطورة، كالمخالطين الخالين من الأمراض المزمنة، فيُعزَلون منزليًا لأسبوعين كاملين، ويقومُ فرق المتابعة المتخصصة بالاتصال مرتيْن يوميًا للتأكد من الالتزام بالحجر المنزلي. وفي حالة مخالفة الشخص، ومغادرته المنزل، يوَقَّع عليه غرامة مالية كبيرة تصل إلى ما يوازي 2500 دولار أمريكي.

3. حصر البؤر الخطيرة والتعامل معها جيدًا

تمثَّلت البؤرة الأخطر لانتشار الفيروس في أتباع جماعة دينية تُعرف بكنيسة يسوع، والتي يتجمع المئات أو الآلاف من منتسبيها في طقوسهم الخاصة، مما سهّل انتشار العدوى بينهم، حتى تخطّى المصابون من بينهم حاجز 4 آلاف، وهو ما يقارب حوالي نصف إجمالي الحالات في البلاد.

كثُر الحديث في كوريا الجنوبية عما يُعرف بالحالة رقم 31، والتي كانت من أتباع تلك الكنيسة، والتي تسبّبَت رعونتُها في إصابة المئات من الناس بفيروس كورونا. تجاهلت تلك المرأة ذات الستين عامًا الأعراض التي بدأت تبدو عليها، واشتركت في تجمعين دينيَين كبيريْن يومي 9 و16 فبراير، حضرهما حوالي 500 شخص، في طقوس استمرت لساعتيْن أو أكثر، وهم معًا كتفًا لكتف. كانت نتيجة هذا تفشي الوباء في أكثر من 2000 شخص من أتباع تلك الكنيسة قبل نهاية شهر فبراير (شباط) وحده.

لي مان هي، زعيم كنيسة شينشيونغي (كنيسة يسوع) معتذرًا للشعب الكوري الجنوبي عن تسبُّب جماعته الدينية في انتشار وباء كوفيد-19

ركّزت السلطات أقصى جهودها على أتباع تلك الكنيسة، وذلك لاحتواء انتشار الوباء، وقامت بتعليق تجمعاتها حتى إشعار آخر. وتضمّنت الإجراءات تحريك قضايا ضد زعيمها لي مان هي، بتهم الإهمال الجسيم والشروع في القتل، مما دفعه لتقديم اعتذار علني عاطفي إلى الشعب الكوري.

كذلك اكتُشِفَتْ بعض بؤر العدوى في دور رعاية المسنين، وبعض المشافي المحلية، وْذلك نتيجة لتركيز السلطات في اختباراتها على تلك الأماكن التي يوجد بها في المعتاد تجمعات لكبار السن، والذين يعدُّون الشريحة الأكثر خطورة عند وقوع العدوى. مما مكَّن من التشخيص المبكر للعديدين منهم، وتلقي الرعاية اللازمة قبل تقدم الحالة الصحية وحدوث المضاعفات، والعزل الفعال للأماكن التي اكتُشِفَ فيها تلك البؤر.

4. اختبر واختبر ثم اختبر

حقَّق الكوريون رقمًا قياسيًا في أعداد من أُجريَ لهم تحليل كشف فيروس كوفيد-19، والذي بلغ حتى يوم 17 مارس الجاري أكثر من 270 ألف كوري جنوبي، وبحلول يوم 19 مارس كان قد تجاوز 300 ألف. أي أنَّ السلطات الكورية أجرت التحليل لأكثر من 30 ألف شخص في يومين فحسب، ومن المتوقع زيادة تلك القدرة إلى أكثر من 20 ألف تحليل في اليوم الواحد. وهكذا تصدّرت كوريا الجنوبية دول العالم في عدد تحليلات الفيروسات بالنسبة لعدد السكان.

قامت السلطات الكورية بإنشاء العشرات من مراكز التحليل المجهَّزَة جيدًا في شوارع المدن الكبرى، وذلك لتسهيل وصول المواطنين إلى التحليل دون عناء، ودون الحاجة للتزاحم في أماكن معينة. بل وصل الأمر إلى تجهيز خيمة للاختبار في مدينة جويانج، بطريقة «Drive thru» التي تشبه ما تقدمه بعض سلاسل المطاعم الكبرى عندما تتيح الفرصة للحصول على ما تريد وأنت في سيارتك. كذلك سارع المسئولون الكوريون منذ مطلع فبراير (شباط) الماضي – عندما كانت الحالات المصابة بالعشرات فحسب – بالتعاون مع العديد من الشركات المتخصصة في تطوير وإنتاج وسائل للاختبار وللتشخيص (Test kits) يسهل توفيرها بكمياتٍ كبيرة، وعلى نطاق واسع.

صحة

منذ 3 شهور
مترجم: كيف نجحت شركة كورية جنوبية في تصنيع أجهزة فحص كورونا في 3 أسابيع فقط؟

ركَّزت جهود الاختبار على الشرائح الاكثر احتمالًا لوجود العدوى، مثل جماعة كنيسة يسوع الدينية، والتي أُجريَت الاختبارات لغالبية أفرادها، نظرًا لكونهم البؤرة الأهم في كوريا الجنوبية كما ذكرنا منذ قليل.

أتاحت تلك الحملة الواسعة من الاختبار للفاعلين الكوريين للعمل في النور، وهم على بيّنةٍ من الحجم الحقيقي لانتشار الوباء وتوغلهم، وبالتالي حسن تقدير مدى فاعلية الخطوات والإجراءات التي يقومون باتخاذها.

هل انتهى الوباء في كوريا الجنوبية؟

ما زال الأوان مبكرًا للحديث عن هذا، فأمامنا أشهرٌ على الأقل، ريثما يتضاعف عدد المتعافين بالمقارنة بعدد المصابين الجدد، وحتى يتوافرَ مصلٌ فعَّال للفيروس جاهز للتداول العام، مما يُنهي الوباء عمليًا. ويؤكد خبراء الوبائيات في كوريا الجنوبية على التمسك بالحذر، وعدم استعجال الاحتفال.

على سبيل المثال، تشبَّعت كافة الأماكن المتاحة في مقاطعة دايجو الكورية بالحالات الخطيرة، لدرجة اضطرت الأطقم الطبية لترك أربع حالات خطيرة للعزل المنزلي لحين توافر أماكن، فتدهورت الحالات الأربعة، وانضمت إلى قائمة وفيات كوفيد-19.

لكن على الأقل نجح الكوريون الجنوبيين حتى الآن في امتصاص ذروة الوباء بأقل خسائر ممكنة، على الأقل بالمقارنة مع إيطاليا، التي أصبحت البؤرة الأكثر نشاطًا في العالم الآن، والتي ترزح منظومتها الصحية تحت وطأة ضربات وباء الكورونا، الذي أجهز خلال ثلاثة أيام (في الفترة من 15 إلى 17 مارس) على أكثر من ألف مصاب في إبطاليا، في حين سُجَّلَت أكثر من 10 آلاف إصابة حينها.

كذلك يُحسَب للخبرة الكورية الجنوبية أنها واجهت وباء الكورونا بأقل قدرٍ ممكن من الإضرار بالحريات الفردية والسياسية للمواطنين هناك، وهذا رصيد شديد الأهمية من أجل المستقبل، ومن أجل الحفاظ على الوعي الشعبي، وإيمانه بأن الحرية والديموقراطية هي الأصل، وإن دعت الحاجة أحيانًا لظهور بعض الأنياب لها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد