خرج آلاف المواطنين من سكان الجنوب اللبناني في التظاهرات الحاشدة التي اندلعت منذ ما يزيد عن 10 أيام، بينما جهر آخرون بالتأييد والدعم لـ«حزب الله» ومضمون خُطب حسن نصر الله المؤيدة لبقاء الحكومة، وآثر فريق آخر الصمت والتزموا منازلهم.

ويكتسب الجنوب في كُبرى الأحداث السياسية التي مرت بها لبنان خصوصية كُبرى، لأسباب لها علاقة بكون المنطقة حاضنة تاريخية للقطاع الغالب لمؤيدي «حزب الله»، وشيعة لبنان الذين يسكنون أغلب مدنه وقراه، فضلًا عن متاخمته الحدود الإسرائيلية.

في التقرير التالي نحاول التعرف على الطبيعة السياسية والاجتماعية للجنوب اللبناني، وماهية سُكانه السياسية، وأبرز الفاعليين السياسيين داخله، وما هي أوجه التغير المحتملة داخل هذه المنطقة الجبلية تأثرًا بالمظاهرات اللبنانية التي لا تزال حاضرة ومؤثرة، وأنماط التفاعل مع الانتفاضة اللبنانية بعيدًا عن طرق المبالغة والتهويل.

خريطة جنوب لبنان السياسية والجغرافية

يكفي لزائر الجنوب اللبناني للمرة الأولى التجول في شوارعها وطرقها الرئيسية الواصلة بين قراها ومدنها، لاستكشاف الحضور الطاغي لـ«حزب الله» وسط سكان المنطقة وكذلك الطائفة الشيعية عمومًا.

ففي الجنوب؛ يحضر «حزب الله» في كل مظاهر الحياة، بدءًا من صور شهدائه المُعلقة على الجدران الممتدة بطول الطرق الواصلة بين قراه، التي يتوسطها شعار الحزب، وكذلك الحسينيات والجوامع والمراكز الدينية والثقافية الشيعية المنتشرة على أطراف القرى، والسمت المحافظ لسكان هذه المنطقة في ملبسهم وتفاعلهم مع الغرباء.

ويظل أبرز هذه الآثار هو تموضع عناصره المنتميين تنظيميًا له في كُبرى الوظائف الحكومية، والأهم هو حضورهم في الجيش، بصفتهم كبار المسؤولين في الجنوب عن المهام اللوجيستية والعسكرية.

صور لشهداء المقاومة اللبنانية معلقة على أطراف القرى الجنوبية «ساسة بوست».

ولهذا السبب تحديدًا تمكن الصحافي المرافق لمحرر «ساسة بوست»، والمُقرب من «حزب الله»، الحصول على موافقة شفهية بكُل سهولة عبر اتصال هاتفي مع أحد ضباط النقطة؛ للموافقة على عبور الصحافي ومحرر «ساسة بوست» إلى المنطقة المُتاخمة للحدود الإسرائيلية، والتي تنتشر فيها قوات الأمم المتحدة، ويحظر على أي أجنبي العبور إليها.

ويتميّز الجنوب اللبناني بتعدد الطوائف التي تسكنه، غير أن الطائفة الشيعية تُشكل الأغلبية في حضور عدد منتميها في مدنه وقراه، والتي يسكن أغلبها في النبطية وكفر رمان وبنت جبيل وتبنين. بينما تنحصر المناطق السنية في مدن محدودة منها مدينة صيدا، ومزارع شبعا المتنازع حول تبعيتها بين سوريا ولبنان، كما توجد عدد من المناطق المسيحية آيضًا.

من جانبه، يقول عادل بزي، وهو صحافي لبناني، وباحث في الجامعة اللبنانية الأمريكية، في تصريحات لـ«ساسة بوست» أن غلبة المناطق الشيعية في الجنوب؛ لكن هناك أيضا مناطق مسيجية متعددة منها الموارنة مثل بلدة جزين،  ودردغيا الجنوبية، موضحًا كذلك أن العلوين عندهم منطقة في طرابلس تعرف بجبل محسن، وبعض القرى في منطقة عكار إلى الشمال من طرابلس في سهل عكار وقريبة من الحدود الساحلية السورية.

ويُضيف بزي، المُقيم بمدينة طرابلس، الواقعة بالجنوب اللبناني، أن عدد سكان لبنان المُقيمين فيها يصل تقريبًا لنحو  5 مليون نسمة، وأن عدد سكان الجنوب قد يصل لنحو مليون أو يزيد قليلًا، كاشفًا أن أعداد كبيرة من الجنوب وتحديدًا بلدتي «بنت جبيل» و«جب جنين»، مغتربون في السنغال والولايات المتحدة الأمريكية.

وبحسب إحصاء لمجلة «ذا إيكونوميست»، فإن المسيحيين يشكلون 37% من الناخبين، بينما يشكل المسلمون 57% من الناخبين، 29% شيعة و28% من السنة.

مناوشات لا تنتهي وحرب لن تبدأ.. «ساسة بوست» على الحدود اللبنانية الإسرائيلية

ويمكت القول إن الحضور الشيعي سواء كان عددًا أو سياسيًا، بدأت آثاره تنكشف في الجنوب منذ عام 1992، بعد نهاية الحرب الشيعية – الشيعية، التي جرت المواجهات فيها في الثمانينات، بين «حزب الله» برئاسة زعيم الحزب حسن نصر الله، وتحالف «حركة أمل» برئاسة نبيه بري – رئيس البرلمان منذ عام 1992 – لتتوقف بتوقيع سوري – إيراني وينتج عن المصالحة بينهما اتفاقًا سياسيًا على تقاسم السلطة والنفوذ في الجنوب وفي الحصة الشيعية من المناصب في الدولة اللبنانية، بحسب بزي.

وتضمن الاتفاق تقاسم الفريقين السلطات والمهام؛ ليحظى بري بالنسبة الأكبر من الوظائف لأتباع الحركة في مقابل تسليم «حزب الله» ملف المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، حتى غدت طوال التسعينات مرتبطة به بشكل شبه حصري، وفقًا له.

بينما يتحدث صحافي لبناني، يعمل بـ«قناة المنار» التلفزيونية، المحطة الرسمية لحزب الله، عن آثار هذه الاتفاق على الجنوب اللبناني من البعد السياسي وعلى موقع «حزب الله» عمومًا في الحياة السياسية، قائلًا في تصريحات لـ«ساسة بوست»: «لا يشارك حزب الله في الحكومات سوى بوزير أو اثنين لكنه يحمي نفوذه وسلطته بالتحالفات. الحزب وبري متفقان في السياسات العامة ويختلفان في تفاصيل منها تحالف الحزب مع الرئيس ميشال عون الذي لا يحبه بري».

بينما يوضح بزي أن الحزب يحظى في الجنوب بالشعبية الأكبر، وتلعب شخصية نصر الله والكاريزما التي يتمتع بها دورًا كبيرًا في ذلك، حتى أنه اجتذب إليه مناصرين من «حركة أمل». نبيه بري له أيضًا شعبية كبيرة في الجنوب بفعل زعامته التاريخية وسلطته الكبرى في مفاصل الدولة، بحسب بزي.

وانعكس حضور «حزب الله» مع بداية التسعينات، على سمت وسلوك سكان المناطق المأهولة بأعضاء الحزب وتابعيه، فالنساء يرتدين عباءات سوداء طويلة، ويتحفظن في السلام على الذكور. يشرح ذلك الصحافي اللبناني، المُقرب من حزب الله، وهو من مواليد بلدة بنت جبيل الجنوبية، ولا تزال عائلته تسكن فيها، بينما يسكن هو في الضحاحية الجنوبية ببيروت. ويقول قائلًا: «بالتأكيد زادت المظاهر الدينية والحجاب بشكل كبير بعد بروز حزب الله، لكن لا توجد حالة «طالبانية» تفرض على المجتمع توجهات اجتماعية معينة مع استثناءات حالات قليلة حصلت».

أنصار حزب الله في تظاهرات بميادين لبنان

يتطابق ذلك مع تصريح سابق لعزيز البدوي، أحد وجهاء قرية دردغيا المسيحيين، إذ أكد على أن قريته والجنوب بشكل عام يمثل مدرسة في الحياة اللبنانية الأصيلة من حيث التفاهم والمحبة والتسامح، ويوضح أن العيش المشترك بين الطوائف المسيحية والإسلامية هو أكثر من ضرورة ولا مفرّ منه، مهما تصاعدت الضغوط والتدخلات الحزبية من داخل لبنان والتطرف من خارجه.

وتُفسر مُطيعة هلاك الصحفية اللبنانية هذا السمت المُحافظ من منظور مختلف، قائلة: «جبهة المُقاومة اللبنانية والتي عُرفت خلال الحرب الأهلية اللبنانية، كانت تضم في أغلبيتها خلال الحرب الأهلية اللبنانية من الشيوعيين ومنفتحين؛ غير أنه مع إلغاء الجبهة وتولي الحزب بشكل حصري ملف المقاومة، انعكس ذلك على أسلمة بعض المظاهر في قرى الجنوب».

ماهو موقع «حزب الله» في الجنوب سياسيًا وشعبيًا؟ يتفق  الثلاثة على حضور طاغي وشعبية نافذة. إذ يقول بزي: «مناصرو حزب الله في معظمهم هم السكان المدنيون. عشرات الآلاف من أعضاء الحزب بين مقاتلين وموظفين في مؤسسات الحزب، لكن شعبيته هي من المجتمع الشيعي، ورصيدها يعود الى دوره في المقاومة وإلى التخويف حاليًا من مؤامرات تستهدف الشيعة في لبنان. هذه المسألة مؤثرة ولا يصعب ترويجها في أوساط الجنوبيين بصرف النظر عن حجمها الحقيقي».

بينما يُقدر الصحافي اللبناني المُقرب من «حزب الله» نسبة عدد مؤيدي الحزب من السكان: «قائلًا ربما هم وحركة أمل 70%».

انتفاضة الجنوب بين الحقيقة والمُبالغة.. أين الحقيقة؟

مع بداية اندلاع المظاهرات اللبنانية، ظهرت صور ومقاطع فيديو لمئات المُتظاهرين في جنوب لبنان، وتحديدًا مناطق «الثنائي الشيعي»، أي «حزب الله» و«حركة أمل»، مثل بلدات صور والنبطية، حيث رُفعت ورُدّدت الشعارات التي تنتقد رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، وأمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله، على حد سواء. كما جرى التعرض لمكاتب نواب ومؤسسات لشخصيات تابعة للحزبين.

وأثار خروج هذه الجموع تساؤلات عن خفوت نفوذ «حزب الله» داخل المناطق الخاضعة لسيطرته المذهبية والسياسية، متبوعة بتفسيرات ربطت خروج هذه الجموع بكسر جدار الخوف، مما يؤسس لمرحلة مُقبلة مُبشرة تحاول تجاوز الأبعاد الطائفية.

أعضاء منتمون لحزب الله خلال حضورهم أحد الاجتماعات

وأخذت التظاهرات في جنوب اللبنان منحى تنازلي في زخمها، إذ تحدث خمسة مواطنين من سكان لبلاد مختلفة في الجنوب، لمُحرر «ساسة بوست» عن خفوت التظاهرات بشكل كبير عما كانت عليه خلال الأيام السابقة.

فيما قال واحد منهم، يقيم في بلدة النبطية، ويعد من وجهاء البلدة، أن استمرار حراك الجنوب كان يحتاج إلى زخم جماهيري يحميه وهو غير متوافر بالشكل المطلوب حاليًا. وربط ذلك بحضور «حزب الله» وطريقة تفاعل مؤيديه مع الحراك قائلًا: «لا يمكن تحديد نسبة دقيقة لحجم شعبية «حزب الله»، لكن بالتأكيد يوجد أكثر من 70% من الجنوبيين ضد أي تحرك قد يمسّ نصر الله، رغم أنهم يوافقون على المطالب المعيشية».

ويٌضيف أن المتظاهرون في الجنوب ليسوا كثرًا، لكنهم الأكثر جرأة كونهم يواجهون رغبة نصر الله بعدم إسقاط الحكومة، ويواجهون سلطة بري المتهم مع زوجته رندا بري بالفساد والسيطرة على نسبة مهولة من اقتصاد الجنوب ومشاريعه، موضحًا أن مواجهتهم علنًا تعتبر مجازفة، لذا يُنظر إلى تظاهرات صور والنبطية بأنها مهمة ومعبّرة.

ويتابع مواطن آخر، من الطائفة الشيعية ويسكن بلدة بنت جبيل، بأن المتظاهرين ناشطون في المجتمع المدني ويساريون وشيوعيون (الحزب الشيوعي الرسمي هو أقرب إلى حزب الله، لكن بعض المناصرين يشاركون في الاحتجاجات).

يٌضيف: «الاعتراض على الفساد في الجنوب كان موجهًا ضد «حركة أمل» أساسًا، على اعتبار أنها المستفيدة الأولى من الهدر في مؤسسات الدولة بين القوى الشيعية أو القوّتين الشيعيّتين الرئيسيتين (أي بالمقارنة مع حزب الله)، إذ إن أمل متحكمة بالتعيينات الوظيفية في مؤسسات الدولة (في الوسط الشيعي)، بينما حزب الله لديه شبكة منظمات اجتماعية خاصة به».

بينما يؤكد بزي أن الحزب لا يرغب بأن يتكرر سيناريو العراق في لبنان، بمعنى أن يحصل شرخ ويتسع بينه وبين قسم من البيئة الشيعية، لذا كان يرغب في تطويق الحركة الاحتجاجية منذ البداية، أي قبل أن يُتاح المجال أمامها للتجذر، موضحًا أن لهذا السبب كان موقف نصر الله المؤيد لعدم إسقاط الحكومة والداعم لحليفيه الرئيسين في السلطة (أمل والتيار الوطني الحر) المتهمين بالفساد من المتظاهرين.

يتقاطع ذلك مع خروج عشرات المتظاهرين ببعض قرى الجنوب في فيديوهات يعتذرون فيها عن نزولهم في التظاهرات، والتعرض «لسماحة السيد حسن نصر الله» بهجوم أو شتائم، وفقًا لتعبيرهم. وتتفق الشهادات الواردة من منطقة الجنوب على أن المؤيدين لنصر الله التزموا طلبه مغادرة الساحات، لكن يستدرك واحد منهم: «ربما توجد استثناءات، لبعض الأفراد».

وحاول بعض أتباع الطائفة الشيعية التعبير عن احتجاجهم على سوء الأوضاع برسائل تنتقي مفردات غضبها دون تجريج أو التعرض للقيادات بسوء، مثلما فعلت الصحافية اللبنانية غفران مصطفى، التي تعمل في قناة «الميادين» اللبنانية، والمُقربة من «حزب الله»، والتي اعتاد حسن نصر الله الظهور عليها في مقابلات تلفزيونية.

وذكرت غفران عبر حسابها على «فيسبوك» قائلة :«نحن نحبّك يا سيد، ونحب المقاومة، ولم نخرج منذ اليوم الأول ضدها. لا لخوفنا من أحد، بل لأن المقاومة خيارنا الوطني أيضًا ضد عدو يتربص بنا في كل لحظة. ولم نخرج إلى الشارع فقط لأننا عفويون» وحسب، بل خرجنا بوجع وبخيبات وبنداءات للحقوق. حاربنا كل المظاهر الشاذة، حاولنا تصويب الحراك بكل الطرق كي لا يخترقه أحد، وهذه كانت أمنيتك أيضًا. ونعلم أن السفارات تجندت، نقرأ تصريحاتها، ونعلم أن الصحف العربية والأجنبية تشيطنكم باسمنا، لكن هذا الأمر يحصل منذ الأزل».

نحن نحبّك يا سيد، ونحب المقاومة، ولم نخرج منذ اليوم الأول ضدها. لا لخوفنا من أحد، بل المقاومة خيارنا الوطني أيضاً ضد عدو…

Geplaatst door Ghofran Moustafa op Vrijdag 25 oktober 2019

وأضافت: «هذه المرة الأولى التي يخرج فيها لبنانيون يريدون الإصلاح بكل صدق، متكاتفين يؤهلون ببعضهم يلقون التحايا العابرة إلى كل الساحات، ولا أتكلم شعرًا، لأننا كلنا نعلم أن ذلك لم يكن ليحصل قبل الحراك، وأنا بنت من بيئة المقاومة، كنت أؤجل زيارتي لطرابلس دائمًا، وكنت أعلم أنني في العمق قلقة من الزيارة. لكن أول شيء سأفعله اليوم أنني سأزور طرابلس».

لكن، هل أصبح الجنوب عصيًا على الانفكاك عن «حزب الله»؟ يُجيب عن ذلك شخصية إعلامية بارزة على اتصال بالدوائر السياسية الفاعلة في الجنوب، قائلًا لـ«ساسة بوست»: «قد تُفهم خطأ أو أنه ترويج للحزب. يمكن القول «احتجاجات لبنان تلفح (أو تطال) حزب الله وأمل في معقلهما الجنوبي.. للمرة الأولى».

«نصر الله واحد مِنُن».. لماذا لن يستطيع حزب الله الإفلات من المسؤولية في لبنان؟

المصادر

تحميل المزيد