قبل 10 سنوات كشفت وثائق «ويكيليكس» عبر برقيات دبلوماسية مسربة يرجع تاريخها إلى عام 2009 مراسلاتٍ بين مدير المخابرات المصرية آنذاك عمر سليمان ورئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأمريكي تنقل رغبات مصر بعدم انقسام السودان، وفيه برقيةٍ أخرى منفصلة، تظهر الوثائق ضغوطًا مصرية على نظام الرئيس البشير لتأجيل الاستفتاء على استقلال جنوب السودان ما بين أربع وست سنوات؛ لأنّ النتيجة ستكون إقامة دولة غير قابلة للبقاء، ويمكن أن تهدد موارد مصر من مياه النيل، وفي يوليو (تموز) عام 2011 تحقق حُلم الانفصال للجنوبيين، والذي لم تكن مصر تستبشر به.

اليوم بات النفوذ المصري المتغلغل في دوائر الحكم في جنوب السودان وتأثيره النافذ حتى على الحركات المسلحة المعارضة له عدة شواهد، أبرزها أنّ 80% من أعضاء الحكومة، وقيادات الصف الأول هم خريجو الجامعات المصرية، كما أنّ الجيش المصري يحاول توفير جميع مطالب جنوب السودان عسكريًا، ويتعهده بالتدريب والتسليح؛ وفي المقابل، توسطت جوبا بين مصر والاتحاد الأفريقي لإنهاء تجميد عضويتها عقب حركة الجيش في يوليو عام 2013. التقرير التالي يشرح لك كيف ولماذا أصبح جنوب السودان الدولة الأفريقية ربما الأكثر دعمًا لمصر.

هل كان المجلس العسكري أذكى من مبارك في ملف جنوب السودان؟

قبل ثلاثة أعوامٍ من انفصال جنوب السودان كانت القاهرة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك تمتلك رؤية سياسية مُعلنة برفض التحركات الجنوبية، كما رفضت مصر تقديم الدعم المالي لتأسيس الدولة الجديدة بدعوى أنّ الميزانية مثقلة بالأعباء؛ وهو ما دفع سيلفا كير، رئيس حكومة جنوب السودان، وأول رئيس لها فيما بعد، إلى التصريح خلال آخر زيارة له للقاهرة قبل إعلان الانفصال بأنّ «مصر تخشى من انفصال جنوب السودان عن شماله، وما فعلته القاهرة من أجل وحدة السودان كان بسيطًا، ومن يُرِدْ إقناع الجنوبيين بالوحدة، فعليه أن يعمل من أجل ذلك، رغم أنه سيكون عملًا في الوقت الضائع».

Embed from Getty Images

وعقب سقوط النظام المصري في فبراير (شباط) عام 2011 تغيرت السياسة المصرية كُليًا تجاه الجنوب في عهد المجلس العسكري الذي أدار الفترة الانتقالية؛ فكانت مصر أول دولة بعد الخرطوم تعترف بدولة جنوب السودان، كما ترأس نائب رئيس الوزراء الوفد المصري في جوبا لحضور مراسم الاستقلال.

الدور الأكبر الذي لعبته مصر في استقرار الدولة الجديدة، هو دور الوسيط لنزع فتيل الحرب الذي اشتعل بسبب النفط؛ ويحوي جنوب السودان 75% من الموارد النفطية للسودان في مرحلة ما قبل التقسيم، وبات النفط بعد التقسيم يمثل نحو 98% من إيرادات الدولة الوليدة، وتصاعد التوتر بين الخرطوم وجوبا في أبريل (نيسان) عام 2012، منذ سيطر جنوب السودان على حقل نفطي متنازع عليه يقع ضمن المناطق الحدودية المتنازع عليها.

احتوت مصر الصراع أولًا دبلوماسيًا عبر وفدٍ رأسه وزير الخارجية المصري اتجه إلى الخرطوم، ثم جوبا انتهت بموافقة سلفا كير على إطلاق سراح الأسرى السودانيين، وتسليمهم إلى مصر لإعادتهم إلى الخرطوم. في تلك الأثناء قام وزير دفاع جنوب السودان بزيارةٍ لافتةٍ إلى مصر، أعقبتها معلومات نشرها موقع «فويس أوف أمريكا» بشأن مباحثاتٍ بين القاهرة وجوبا حول تمكين مصر من بناء قاعدة عسكرية في جنوب السودان للسماح لها بمراقبة إثيوبيا، خاصة أنّ سد النهضة الإثيوبي يقع على بُعد 40 كم من الحدود مع جنوب السودان، وبينما علّقت جوبا على الخبر بالنفي رسميًا، اكتفت القاهرة بالصمت دون تعليق.

وفر أيضًا النظام المصري عبر النفوذ العربي الممثل في جامعة الدول العربية دعمًا سياسيًا غير قابل للتعديل، مفاده عدم تقبل أي تغيير غير ديمقراطي عسكري في الحكومة، على خلفية اتهامات وُجهت للخرطوم بدعم المتمردين للاستحواذ على السُلطة.

دولي

منذ 11 شهر
جنوب السودان يودع الحروب.. لكن مهلًا هل سيودع الجوع أيضًا؟

وفي عام 2013، اندلعت حرب أهلية في جنوب السودان، إثر الخلاف الذي جمع سيلفا كير بنائبه السابق «رياك مشار» – حاليًا هو نائب الرئيس – وامتدت الحرب حتى عام 2017، وتفاقمت بانضمام قائد الجيش المُقال «بول مالونج» إلى المتمردين، وأوجدت الحرب أكبر أزمة لاجئين في الـ20 عامًا الأخيرة وقتها وأدت إلى تطهير عرقي، وفر ثلث السكان البالغ عددهم 12 مليون نسمة من منازلهم.

بحسب الاتهامات التي رددها متمردو جنوب السودان آنذاك، فقد استعان سيلفا كير بحليفه المصري، الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وفّر له دعمًا إستراتيجيًا عبر سلاح الجو المصري الذي استهدف وقصف مواقع تابعة للمتمردين، وبينما نفت مصر اتهامات «رياك مشار»، أعلنت المعارضة المسلحة أنّهم يستندون في اتهامهم لمصر على أدلة ميدانية قدمتها قواتهم على الأرض.

اللافت أنّ مصر، التي أصبحت من وجهة نظر المعارضة طرفًا في الحرب، استطاعت فرض نفوذها على قادة التمرد والحكومة معًا، فبينما ضغطت لإعادة تعيين «رياك مشار» في منصب النائب الأول لرئيس جنوب السودان، قادتهم لمفاوضات انتهت بتوقيع «إعلان القاهرة»، والذي انتهت على أثره الحرب في جنوب السودان، حيث تم التوقيع بمقر المخابرات العامة المصرية، التي استأثرت في أحد البنود بمتابعة توحيد الفصائل المنشقة من الحركة الشعبية، وليس وزارة الخارجية.

في المقابل.. ماذا قدم جنوب السودان لمصر؟

بخلاف الدعم الذي قدمته جوبا لمصر للتوسط لدى الاتحاد الأفريقي لإنهاء تجميد عضويتها، عقب حركة الجيش في يوليو عام 2013، فإن دولة جنوب السودان أعلنت مرارًا ولسنوات على لسان سيلفا كير بأنها لن تتحرك ضد المصالح المصرية فيما يخص قضايا المياه، وأنها لا تنوي المطالبة باقتطاع حصة مصر من مياه نهر النيل البالغة 55 مليار متر مكعب، والأهم أنه حسم موقفه تجاه اتفاقية «عنتيبي»، وأعلن أنه لا ينوي التوقيع عليها.

Embed from Getty Images

وفي عام 2010 حشدت إثيوبيا دول المنبع في حوض النيل للتوقيع على اتفاقية «عنتيبي»، واعترضت عليها دولتا المصب مصر والسودان، وتنص في إحدى بنودها على الاستخدام المنصف لجميع الدول، وهو ما فسره الجانب المصري بأنه يعني إلغاء حصة مصر الأكبر من النيل.

وفي المقابل شكل جنوب السودان تحالفا مضادًا لإثيوبيًا، عبر محاولة إقناع الدول بعدم الموافقة على الاتفاقية، وبموجب القانون الدولي فمن الممكن أن تدخل اتفاقية عنتيبي حيز التنفيذ في حال «مصادقة ثلثي دول حوض النيل، أي سبع دول من أصل 11 دولة»؛ وبالرغم من أن بوروندي وافقت على الاتفاقية، فإنها لم تُصدق عليها؛ مما يعني أن النصاب القانوني لن يكتمل إلا بتوقيع دولة واحدة، وحتى الآن ترفض جوبا التوقيع عليها.

وإلى جانب ملايين الدولارات التي قدمتها القاهرة لجنوب السودان، في إطار المساعدات التي تستهدف تحسين الاقتصاد، حصلت الشركات المصرية على امتياز تنفيذ مشاريع البنى التحتية وبناء السدود، وأبرزها سد «واو» الذي أنشأته شركة المقاولون العرب عام 2018، بتكلفة جاوزت المليار دولار، وقدمت فيه القاهرة منحة قدرها 26.6 مليون دولار.

وفي وقتٍ تجتذب فيه جوبا أنظار تركيا والصين للاستثمار في البلد الفقير الغني بالنفط، والمثقل بتبعات الحرب الأهلية، حصلت القاهرة على التسهيلات الأكبر لتشييد أكبر منطقة صناعية لمصر خارج حدود بلادها على مساحة 116 كم، تزامنًا مع تنافس شركات المقاولات المصرية على كعكة الجنوب، مع وضع اعتبارات بألا يطغى الربح التجاري على مصالح مصر السيادية هناك، لتحصل في النهاية على اعترافٍ رسمي من حكومة جنوب السودان على لسان وزير الري الذي صرّح بأنّ «مصر الدولة الوحيدة المهتمة بشعبنا».

وبخلاف الزيارات المتكررة لسيلفا كير إلى القاهرة تتكرر أيضًا زيارات المسؤولين في حكومة جوبا إلى القاهرة، وعلى رأسهم قادة الجيش، في إطار خطة وضعتها الحكومة المصرية بإشراف مباشر من المخابرات العامة تستهدف تأهيل الضباط في المنشآت التعليمية، ورفع كفاءة الجنود، إلى جانب تقديم دعم لوجستي من الأسلحة، والمدرعات، والذخيرة، وتقديم معدات من إنتاج «الهيئة العربية للتصنيع»، إضافة لتوفيرها جميع مستلزمات الزي العسكري.

وخلال الشهر الماضي بثت قناة «رامسيل برودكاستينج» التلفزيونية بجنوب السودان تسجيلًا أظهر ضباطًا مصريين يدربون جنودًا من جيش جنوب السودان في موقع جبل مابان، على بعد 30 كيلومترًا من محافظة قريبة من الحدود مع إثيوبيا، وهو الفيديو الذي جاء بعد أيامٍ من نفي جوبا رسميًا الأخبار المتداولة حول منحها قاعدة عسكرية لمصر في تلك المنطقة التي ظهر فيها الفيديو.

تمتلك أدوات المواجهة المصرية مع إثيوبيا.. ما الخطوات القادمة لجوبا؟

قبل أن يُعلن السودان في أواخر أغسطس (آب) الماضي تعثر المفاوضات الثلاثية بين القاهرة، والخرطوم، وأديس أبابا، حول سدّ النهضة نتيجة عدم الاتفاق على المسودة النهائية على تشغيل السد، كان وزير المخابرات العامة المصرية عباس كامل في زيارةٍ إلى جوبا لبحث إحياء المشاورات الخاصة بشأن مشروع قناة «جونقلي» لزيادة مياه النيل بمقدار 18 مليار متر مكعب؛ مما يجعل جوبا هي الدولة الأفريقية الوحيدة التي يمكنها حل أزمات مصر المائية. 

Embed from Getty Images

وقناة «جونقلي» هو مشروع مصري قديم بدأ العمل به في أعقاب حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 بهدف ربط مستنقعات نهر الجبل في منطقة «ملكاي» الذي يفقد أكثر من نصف مياهه بسبب التبخر، على الرغم من كثرة الأمطار، بالنيل الأبيض، بحيث يتم شق قناة بينهما بطول 360 كم، تستفيد منها مصر والسودان.

بعد 10 سنواتٍ تم حفر 260 كم من القناة بواسطة شركتين فرنسيتين، لكنّ اندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان آنذاك تسبب في وقف المشروع، الذي تبقى منه 100 كم فقط، لكنه يواجه مشاكل متعقلة بالتمويل، ودفع بقية الأموال المستحقة للشركتين الفرنسيتين اللتين حصلتا على حكم دولي لصالحهما ضد السودان بصفته الموقع على العقد بدفع تعوضيات لم تُدفع حتى الآن وبلغت قيمتها بالفوائد حتى عام 2003 نحو 38 مليون يورو قبل التوقف عن السداد.

وبعد شروع إثيوبيا في تشييد سد النهضة الذي تنظر إليه مصر باعتباره سيصدر الجفاف شمالًا من أجل النهضة جنوبًا، تزامنًا مع عرقلة المفاوضات نتيجة عدم الاتفاق على القواعد النهائية لتشغيل السد، تحاول مصر الوصول لاتفاق مع جوبا، لإقامة عدد من المشاريع التنموية في ولاية جونقلي مقابل المشاركة في إنجاز ما تبقى من المشروع بمعزل عن الخرطوم التي رفضت المساهمة المالية في المشروع.
وفي وقتٍ تُشكك فيه دراساتٍ هندسية بمدى جدوى القناة لأسباب فنية واقتصادية، لا تنقطع المخاوف الإثيوبية من التحركات المصرية في جوبا، على اعتبار أنها باتت حارس المصالح المصرية في أفريقيا، وهي العلاقات التي توجت في الفترة الأخيرة بزيارة رسمية لم يُعلن عنها مسبقًا، رغم أنها أول زيارة لرئيس مصري إلى جنوب السودان، تزامنًا مع تصعيد الحديث في أديس أبابا عن تحرك مخابراتي مصري بهدف الترتيب لتوجيه تهديدات عسكرية ضد إثبوبيا، أو الضغط عليها، وهو ما يمكن أن يكون الورقة المصرية الأخيرة التي تمتلكها مصر على بُعد 40 كم من سد النهضة الإثيوبي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد