بين وهم التعايش وحقيقة التجاور، عاش الجزائريون في كنف التعدد العرقي والقبلي قرونًا عديدة، وبرغم التحولات الكبيرة التي عرفتها منطقة شمال إفريقيا والتي كان أشدّها الاستعمار الفرنسي الذي دام أكثر من قرن وثلاثين سنة، لم يوفق خلالها في تجزئة الجزائر كما كان يحلم الزعيم الفرنسي “شارل ديغول” بفصل الجنوب عن الشمال، وتغذية العنصرية بين الغرب والشرق، إلا أنه بالمقابل نجح في خلق عداوة مستمرة بين الجزائر والمغرب وفصلهما بمعبر حدودي يسمى بـ ((زوج بغال)) وفصل بقية الشعوب المغاربية حدوديًا.

التنوع القبلي واللغوي، لم يلمس الجزائريون اختلافًا فيه منذ الاستقلال (1962) إلى اليوم سوى مع أحداث الجنوب التي اجتاحت المنطقة مؤخرًا، خاصة ما تعلق بملفات التنمية وإنشاء المرافق والميزانيات المخصصة لولايات الجنوب (المحافظات)، ونسبة البطالة المنتشرة هناك، بالإضافة إلى مستوى التعليم والتدريس ومشاركة أبناء وبنات المنطقة في مختلف أسلاك الإدارة والمناصب الهامة في الدولة الجزائرية؛ كلها أسئلة كانت تطرح وملفات كانت تعتبر ممنوع فتحُها.

كل هذه الملفات وأخرى انفجرت مع نهاية سنة 2009، خاصة مع بث خطاب رئيس الحكومة السابق “أحمد أويحيى” بالتلفزيون الجزائري سنة 2008 وتفضله على سكان الجنوب بمادة ((الياغورت)) وهو ما تسبب في حرق مقرات إدارية رسمية بمدينة (جانت) الواقعة أقصى الجنوب الشرقي، وساهمت الحملة العسكرية الفرنسية على شمال مالي في تأجيج الوضع، وغذّى الانفلات الأمني في ليبيا حركات انفصالية وإرهابية بالمنطقة فكريًا وسهّل عملية تهريب الأسلحة، وبرزت إثر ذلك حركة أبناء جنوب الصحراء والتي رفعت السلاح في وجه قوات الأمن والجيش الجزائري في السنوات الأخيرة، ورفعت لأول مرة في الجنوب المعروف بالهدوء منذ عقود شعارات تطالب رئيس البلاد “عبد العزيز بوتفليقة” بالرحيل.

ولايات جديدة بالجنوب .. ومنصب حكومي ثقيل لاسم من الجنوب

64662

أدّى تزايد وتنامي الحركات الاحتجاجية التي كانت تقودها اللجنة الوطنية للدفاع عن حقوق البطالين بالجنوب منذ أربع سنوات خاصة في كل من ولايات ورقلة والوادي والأغواط وغرداية وإليزي وأدرار وعين صالح إلى مسيرات شعبية حاشدة، وبالإضافة إلى حادثة (تيقنتورين) التي عرفت اختراقًا أمنيًّا غير مسبوق إلى حقول النفط والغاز بالجزائر، ساهم تسارع وتيرة الحراك الاجتماعي إلى تجسيد الأوراق والوعود التي كان يتلاعب بها النظام جزئيًا منذ أكثر من عشر سنوات، خاصة ما تعلق بالتنمية المحلية وإشراك أبناء وبنات الجنوب كإطارات عليا في الدولة. وانعكست الأحداث المؤلمة التي مرت بها ولاية غرداية والصراع الدائر بين الإباضيين والمالكيين (ويرفض غالبية الجزائريين تسمية الصراع بالإباضي والمالكي) إلى إعلان رسمي من رئيس الجمهورية بإنشاء ولايات منتدبة وتحويلها بعد مدة قصيرة إلى ولايات بكامل الصلاحيات في الجنوب، وهو ما من شأنه تعزيز الاهتمام بالجنوب وإرساء أسس التنمية والخدمة العمومية وفق ما يخدم الحكومة. وقد أعلن رسميًا عن المشروع في يوليو 2015.

كما عرفت حكومة سلال المنبثقة عن تشريعيات 2012 وجود اسم من الجنوب تمثل في الوزيرة المنتدبة لدى وزارة السياحة والصناعة التقليدية مكلفة بالصناعة التقليدية السيدة “عائشة طاغابو” والتي تعتبر شابة من أقصى الجنوب الجزائري (تمنغاست). ويروي الكثير من المقربين لعبد المالك سلال الوزير الأول أن زوجة هذا الأخير السيدة فريدة، وبحكم صداقتها وجمعيتها المعروفة بالجنوب (الإمزاد) هي التي مكنتها من هذا المنصب الحكومي، وبعد مطالبة حركة أبناء جنوب الصحراء المسلحة من خلال مفاوضات مع السلطة بإدراج خمس أسماء من الجنوب بالطاقم الحكومي وهو ما لم ينشر عبر وسائل الإعلام الجزائرية.

كما عرفت حكومة سلال الرابعة في ماي 2015 وجود اسم آخر بالحكومة الجزائرية وأسندت إليه أثقل حقيبة وزارية ممثلة في الداخلية “نور الدين بدوي” الذي كان وزيرًا على قطاع التكوين والتعليم المهنيين لسنة ونصف تقريبًا، وينحدر “بدوي” من ولاية ورقلة جنوب شرق الجزائر العاصمة، وهو خريج المدرسة الوطنية للإدارة على غرار الوزير الأول “عبد المالك سلال” ومدير ديوان رئيس الجمهورية “أحمد أويحيى” والكثير من إطارات الدولة. كما تقلد العديد من المناصب الإدارية في الدولة في مراحل سابقة.

الأحزاب والسياسيون يتابعون بحذر!

1_838901916

من خلال كل هذه الأحداث الجارية بالجنوب يتابع قادة الأحزاب السياسية ونشطاء المجتمع المدني بالجزائر منذ سبع سنوات موجة الأحداث بحذر واتفاق ضمني وعفوي كبير قائم على أن الأحداث خطوة تهدد الوحدة الوطنية. فالسلطة من جهتها تتهم في الكثير من بيانات الرئاسة والجيش وندوات أحزاب الموالاة الأيادي الخارجية من دون تسميتها وترسم صورة سوداء ومثالًا قبيحًا عن دول الربيع العربي خاصة فترة الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من 2015، أما أحزاب المعارضة فتجندت في مسيرة وطنية تضامنا مع سكان عين صالح حول استخراج الغاز الصخري وبمختلف الولايات بمناسبة اليوم الوطني لتأميم المحروقات 24 أبريل 2015 وتحميل السلطة ما آلت إليه الأوضاع، حيث أوضح أحد زعماء المعارضة فيما يعرف الآن بتنسيقية الانتقال الديمقراطي والذي يقود حزبُه مسعى للصلح كذلك بين سكان غرداية “عبد الرزاق مقري” أن فشل السلطة في التنمية وفساد مؤسساتها والقائمين عليها في ملفات سوناطراك وبنك الخليفة والطريق السيّار شرق غرب، انعكاس طبيعي لحالة التذمر والانفلات الاجتماعي الذي تشهده البلاد خاصة بالجنوب، ويسانده في الطرح كل تشكيلات المعارضة من أحزاب وشخصيات وطنية معظمها كان مشاركًا بالحكم كرؤساء ووزراء قبل فترة بوتفليقة وأثناء عهدته الأولى والثانية.

ويشار إلى أن الجزائر أنفقت منذ وصول السيد “بوتفليقة” إلى سدة الحكم عام 1999 ما يفوق 850 مليار دولار، يقول المسؤولون عن الحكومة آنذاك أنها كانت موجهة لإعادة بناء وتشييد البنى التحتية المدمرة بعد الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر سنوات التسعينيات من القرن الماضي، وبعث الاقتصاد الوطني الجزائري وتنويع مدخلاته للخروج من المديونية والتبعية للخارج، وكذا تحسين صورة الجزائر على المستوى الإقليمي والمحلي من خلال استضافة مهرجانات وفعاليات دولية وعربية وإفريقية عديدة بداية الألفية الثالثة.

أزمة غرداية بين دعاية الانفصال وتجذر الوحدة

20140412184308

ظلت السلطة الجزائرية والساحة السياسية منذ العام الأول من القرن العشرين تنظر بعين الريبة والشك إلى التحركات السياسية لمنطقة القبائل (تيزي وزو وبجاية والبويرة) خاصة مع ظهور حركة الماك الانفصالية – والتي تجهر بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل – وانتشار تحركها بهذه الولايات الرئيسية بمنطقة القبائل، ثم توسعها بعدة ولايات أخرى، حيث ظهرت كذلك مقاطع لفيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي تصور اجتماعات وتنسيقًا بين حركة الماك في بلاد القبائل وغرداية خاصة مع انفلات الأوضاع سنة 2012 وتوجيه المدعو كمال الدين فخار (والذي كان عضوا بحزب القوى الاشتراكية المعارض المعروف بالافافاس) نداءً لمجلس الأمن وقوى ومنظمات غير حكومية للتدخل من أجل حماية الأقلية الإباضية بمدية غرداية، والذي أثار تحركه المشبوه استغراب الكثيرين من الحرية التي يتمتع بها في ظل رفض السلطة أي تدخل خارجي في الشأن الداخلي خاصة المؤامرات الخارجية وعمل المنظمات الحقوقية والإنسانية بالجزائر كما يسهل لها اتهام أي معارض وتشويه صورته بالرأي العام الوطني!

الصراع الذي أدى إلى مقتل العشرات في الكثير من المرات بين أبناء المدينة الواحدة أجبر قوات الأمن على التدخل وإنزال مكثف لقوات الدرك الوطني على مراحل عدة، ومنذ سنة 2008 إلى غاية تدخل الجيش آخر أيام شهر رمضان 2015 والتي تعتبر أثقل حصيلة، راح ضحيتها قرابة عشرين شابا من الطائفتين (المالكية) و(الإباضية) وهو ما حرك الراي العام الجزائري أكثر من ذي قبل، ودفع به إلى الخروج في مسيرات وإقامة وقفات وإطلاق نداءات والدخول في إضرابات خاصة في قطاع التجارة الذي يعرف به “بنو مزاب” في مختلف ولايات التراب الجزائري.

ويقول الكاتب الصحفي “إسماعيل طلاي” أن الأزمة في غرداية ليست فقط صراعا طائفيا ومذهبيا بين الأمازيغ المزابيين وبعض قبائل عرب غرداية، كما يعتقد السواد الأعظم من الجزائريين، إنها في العمق أزمة تجاهل الحكومات المتعاقبة لبؤر انفجار اجتماعية متفاقمة وإغراق الولاية بمختلف أنواع الفساد الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي.

ويرى آخرون أن سبب الأزمة المباشر هو سيلان الدم في ملعب كرة قدم محلية، أو نقاش فقهي ديني بين المالكية العرب والإباضية الأمازيغ خاصة وأن لكل طائفة مسجدها الخاص، كذلك يحلل أستاذ علم الاجتماع السياسي “ناصر جابي” الأزمة في مقاله الأخير “غرداية .. التاريخ والعقار” على أنها لا تتلخص في العقار الذي أشعل فتيل الأزمة ظرفيًا خاصة وأن بني مزاب معروف عنهم الانغلاق والتمدرس والتعايش فيما بينهم فقط، بينما للعرب مساحات واسعة خارج المدينة العتيقة. حيث يضيف الدكتور الجزائري “جابي” أن المشكل أعمق والأزمة تاريخية وتراكمية بالدرجة الأولى ويعود الأمر إلى مكونات التعايش ونمط الحياة المختلف بين الفئتين والمجموعتين، وهو ما تبرزه مثلا مدينة (بريان) الشمال والجنوب، ويضيف متابعون للشأن أن أزمة غرداية تتمثل في منطق وقيمة التعايش التي يروج لها بين السكان منذ قرون والتي لا أساس لها من الصحة، وإنما هناك تجاور وتساكن بين أهل المدينة الواحدة. إذ التعايش هو التزاوج والتمدرس والتبادل اليومي وتبادل الصلة بين الأرحام والجيران والسكان، وهو الذي لا يحدث في غرداية ومسكوت عنه منذ زمن طويل!

التآكل الداخلي يؤدي إلى الضعف الخارجي!

1627953528

 

كما صنعت الزيارة الأخيرة لوزير خارجية سلطنة عمان “يوسف بن علوي” يوليو 2015 الحدث، لاعتبارات يراها مراقبون استفزازا وتدخلا غير مقبول به مطلقًا في شؤون الجزائريين مع اشتداد الأزمة والحجم الكبير من الضحايا الذي سقط في هذه الآونة، ولتبني السلطنة المذهب الإباضي كمذهب أساسي ورسمي للشعب العماني. وكذلك العلاقة المميزة بين العديد من المسؤولين العمانيين بقيادة المذهب الإباضي في الجزائر وزياراتهم المتعددة إلى مدينة غرداية في وقت سابق علنا وسرًا.

وتعرف هذه الفترة – ما بعد عيد الفطر المبارك الأخير- تحكم الجيش الجزائري في الحياة اليومية لسكان ولاية غرداية، وإعطاء قائد الناحية العسكرية الرابعة كل الصلاحيات والسلطات والقرارات لإعادة السلم والهدوء للولاية وإيقاف النافخين في الفتنة حسبما أفاد به بيان رئاسة الجمهورية الذي ترأس اجتماعه رئيس البلاد “عبد العزيز بوتفليقة”. ويرى مراقبون أن هذه التكاليف الجديدة للجيش إنهاك وثقل جديد على المؤسسة العسكرية التي لا تزال حتى الآن في مواجهة الإرهاب بعد حوادث البويرة وعين الدفلى الأخيرة، وحراسة الحدود الملتهبة منذ سنوات خاصة بالجنوب (ساحل ليبيا والنيجر ومالي وموريتانيا)، وكذلك تهريب المخدرات على الجهة الغربية (المغرب والصحراء)، والجارة التونسية التي تعيش كذلك فترات عصيبة على مستوى الحدود وتهريب السلاح والجهاديين مع الحدود بليبيا.

وتخشى الجزائر من وراء هذه الإجراءات الضغط الدولي الذي قد يكون ابتزازًا من أجل التنازل عن المشاريع الاقتصادية الكبرى وهو ما يراه المحللون والمتابعون على أنه إنقاذ للاقتصاد الفرنسي من خلال مشاريع الغاز الصخري في الجنوب ومصانع السيارات لبيجو ورينو الفرنسيتين واللتان تعيشان أزمة مالية خانقة وعلى وشك الإفلاس، خاصة مع الانهيار القياسي لأسعار البترول التي وصل سعر البرميل الواحد 50 دولارا فقط وهو ما يهدد مصالح الجزائر داخليًا وخارجيًا.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد