يستحوذ الجنوب الجزائري على 80% من مساحة الجزائر الشاسعة؛ ويُعد المصدر الأساسي للثروة بالجزائر لما يحتويه باطنها من نفط وغاز، لكنه بات اليوم مضرب المثل للتهميش بعد أن فصلته الحكومات الجزائرية المتعاقبة عن كلِّ ما يمتُّ للتنمية بصلة؛ بل تعدى الأمر إلى إساءة المسؤولين إلى ساكنته.

كان آخر فصول الإساءات المتكررة من السلطات الجزائرية لساكنة الجنوب الجزائري، تصريحًا مقتضبًا لوزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية إبراهيم بومزار، الذي عاب تأخر مشروعات ربط الهاتف بولاية وهران الساحلية بالقول: «ماراناش في الصحراء.. رانا في وهران»، أي لسنا في الصحراء لتتأخر المشروعات دون أن يسأل أحد عنها نحن في وهران الباهية.

عربي

منذ 4 شهور
تاريخ الجنوب الجزائري.. من دعاوى الانفصال إلى محاولات التنمية

هذه الخرجة الاستفزازية لسكان الجنوب الجزائري تأتي في خضمِّ سلسلةٍ من الاستفزازات المتواصلة منذ سنين، كرَّست نظرة السلطات الجزائرية إلى سكان الصحراء الجزائرية  لتطرح الكثير من الأسئلة عن أسباب تعامل السلطات مع ساكنة الجنوب رغم سلميتهم.

منفى لعقاب المقصرين.. لماذا يخرج الجنوب من حسابات المسؤولين؟

يشتهر ساكنة الجنوب الجزائري بأنَّهم أهل كرمٍ وجود، ويضعون حبَّ الوطن فوق كلِّ شيء، حتى باتوا مضرب مثل بين الجزائريين في الوطنية؛ إذ تجد أنَّ ساكنة الجنوب من أكثر الجزائريين مشاركةً في المواعيد الانتخابية كونها – حسب اعتقادهم – مقياسًا للوطنية، وبرغم ذلك تصر السلطات الجزائرية على معاملة أهل الجنوب معاملةً خاصة، ينتابها  الانتقاص والتهميش.

كان آخر خرجات الحكومة الجزائرية التي تُظهر نظرة القصور التي تكنُّها الحكومة الجزائرية إلى المناطق الجنوبية، تصريحًا عنصريًّا لوزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، إبراهيم بومزار، قال فيه: «أنا لست في الصحراء، أنا في وهران عاصمة الغرب، حي بـ40 ألف مسكن بدون بريد، هذا أمر غير معقول».

أثار ذلك التصريح غضب الشباب والناشطين، على اعتبار أنه يتضمن تمييزًا على صعيد الحقوق وعدم المساواة في الحرص على تقديم الخدمات، وفي هذا الصدد يشير الناشط الحقوقي، عبد المالك آيبيك، في حديثه مع «ساسة بوست» بأنَّ «تصريح الوزير يعطينا لمحة على الصورة النمطية التي أخذها المسؤول عن الجنوب.

ويضيف: «صراحة لم أتفاجأ لمثل هذا التصريح، ما دام الجنوب بالنسبة للسلطة مكانًا لتنفيذ عقوبات المسؤولين المقصرين في تأدية مهامهم». مؤكدًا أن «استمرار إساءات الحكومة للجنوب دليل على أن لا شيء تغير، وأن الجنوب بعيدٌ عن مركز القرار وعبارة عن منجم ثروات لا غير».

أبراهيم بومزوار ، وزير البريد والموصلات الجزائري إبراهيم بومزوار ، وزير البريد والموصلات الجزائري

من جهتها ترى الباحثة هجيرة بنت زيطة في حديثها مع «ساسة بوست» أنَّه «منذ الاستقلال والنظرة إلى الجنوب والصحراء مجرد شعارات وخطابات جوفاء لا نجد لها مكانًا في ممارسات السلطة وسياستها تجاه هذه المنطقة المهمة من الجزائر؛ مما جعل أهل الجنوب يتذمرون من التفاوت في التنمية؛ ويعلنون سخطهم على السلطة التي تتجاهل سكان الصحراء في كل مناسبة».

وتضيف «لكن أن يصل الأمر إلى تصريحات مستفزة من المسؤولين تهمِّش وتحطُّ من قدر الصحراء في وقت يبشروننا به بجزائر جديدة؛ فالأمر لا يفهمه أي مواطن من الشمال إلى الجنوب، بل يزيد في زرع الفتنة في وقت نحتاج فيه إلى وحدة وطنية».

تصريح وزير البريد الذي يحمل تمييزًا واضحًا بين سكان الشمال والجنوب الجزائري دعَّمه تصريحٌ آخر في الأسبوع ذاته؛ كان بطله وزير الشباب والرياضة الجزائري سيد علي خالدي خلال لقائه بعدد من شباب ولاية بجاية (في منطقة القبائل)، وهو يخطب ودَّهم قائلًا: «أنا هنا لأعطيكم الأولوية… لم أخش المجيء والحديث إليكم، وجودي معكم اليوم يدل على الأولوية التي تعطيها لكم الدولة، جئت دون خوف فيما آخرون (وزراء ومسؤولون) يخافون من دخول هذه المناطق، لأني أحترم أولاد بلدي مثلي مثلهم»، وهي التصريحات التي أشعلت غضب سكان الجنوب الذين اعتبروا مخطط الحكومة الحالية هو التمييز بين منطقةٍ وأخرى.

وبعيدًا عن التصريحات تلك؛ وإذا ما قمت بجولةٍ بين محافظات الجنوب الجزائري، فستجد الفرق واضحًا بينها وبين المدن الشمالية. فبينما تقطع المدن الساحلية والولايات الكبرى الجزائرية أشواطًا نحو التمدن والتطور؛ تجد معظم الولايات الجنوبية نفسها تعيش في العصور الوسطى بعد أن  أوغل فيها التهميش وغابت التنمية.

الناشط الشبابي عبد الحميد زياني وأحد سكَّان ولاية أدرار بالجنوب الجزائري، يحصر المشكلات الأساسية التي يعاني منها الجنوب في مشكلات التنمية والتمييز، ويضيف خلال حديثه مع «ساسة بوست» أنَّه «في الجنوب الجزائري توجد ثلاثة من أغنى بلديات الجزائر: حاسي مسعود، وحاسي الرمل، وعين امناس؛ لكن تلك البلديات التي تدرُّ على الاقتصاد الجزائري مليارات الدولارات تعيش أوضاعًا اجتماعية صعبة، وتكاد تكون التنمية منعدمة. بالمقابل تضخُّ مليارات الدينارات في خزائن بلديات العاصمة وتيزي وزو ووهران، فأين العدالة الاجتماعية هنا؟».

تجدر الإشارة إلى أنَّ الجنوب الجزائري يتشكَّل بالأساس من مجموعة من القبائل التي تنتشر على طول الصحراء والهضاب، بينما تعيش قبائل الطوارق في أقصى الجنوب، وترتكز الأقلية الإباضية في وسط الصحراء وبالتحديد في  ولاية غارداية.

ليست المرة الأولى.. تصريحات عنصرية طالت الجنوب الجزائري

لم تكن تصريحات وزراء حكومة جرَّاد الأخيرة التي تحمل إساءةً لأهل الجنوب الوحيدة أو الأولى، فنظرة الحكومة السلبية إلى مناطق الجنوب الجزائري مستمرة منذ عقود حسب المراقبين.

فعندما تعرَّضت الأستاذة الجامعية عائشة عويسات إلى لسعة عقرب عام 2018م، ونُقلت إلى مستشفى مدينة ورقلة؛ فارقت الحياة بسبب الإهمال الطبِّي، الأمر الذي أثار غضب الجزائريين وهجومهم على وزارة الصِّحة، التي لم تستطع – بحسبهم – أن توفر خدمة صحية لائقة للمواطنين في أغنى محافظة جزائرية (تضم ورقلة أكبر حقول النِّفط في البلاد).

وعوضًا عن الغوص في أسباب وفاة الأستاذة الجامعية، خرج وزير الصحة حينها، مختار حزبلاوي، في ندوة صحفية قائلًا إن العقرب «مخلوق مسالم»، مضيفًا أنه «لا يؤذي إلا إذا تعرَّض إلى الخطر»، وهو ما فُهم حينها على أنَّه تبرئة للعقرب على حساب روح مواطنة.

الإعلامية حدَّة حزَّام المقربة من دوائر السلطة، دخلت هي الأخرى بوابة الإساءة إلى سكان الجنوب؛ وذلك بعد تهجمها على سكان مدينة ورقلة الجنوبية، ونعتها لهم «بالكلاب الضالة» على خلفية منع سكان المدينة حفلًا غنائيًّا سنة 2018م، كما وصلت الإساءة لساكنة الجنوب إلى المحطات الفضائية المحلية؛ وذلك بعد أن كتبت في إحدى المحطات المحلية في صيف العام ذاته، خبرًا مفاده أن «أهل الصحراء يزحفون على الشواطئ»، وسط غضب وسخطٍ شعبي من استعمال لفظ «الزحف» من القناة.

«صحراوي وأفتخر»: سكان الجنوب الجزائري يردُّون على استفزازات الحكومة

ما تزال مواقع التواصل الاجتماعي بالجزائر منذ ليلة الأربعاء الماضي، ومباشرة عقب تصريحات وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية من ولاية وهران؛ تعج بمنشورات التضامن مع سكان الجنوب، ردًّا على التصريحات التي وصفت بـ«المستفزة».

وأطلق نشطاء هاشتاج «صحراوي وأفتخر» للردِّ على تصريحات الوزير غير المسؤولة، والتي تحمل في مضمونها خطابًا جهويًّا وعنصريًّا، مطالبين بإقالة الوزير لرد الاعتبار لسكان مناطق الجنوب؛ إذ يرون أن تصريح الوزير يعني ضمنيًّا أنَّ ضعف مستوى الخدمات في الجنوب الكبير بات أمرًا عاديًّا جدًّا مقارنة بولايات أخرى.

وشدَّد روَّاد مواقع التواصل الاجتماعي، على أن ما قاله الوزير لا ينسجم مع تعليمات رئيس الجمهورية الداعية إلى نبذ الفتنة والتفرقة بين أبناء الوطن، مشيرين إلى أن ما تفوه به الوزير يتعارض مع تطلعات الشعب الرامية إلى بناء الجزائر الجديدة.

وكتب رئيس «حركة البناء الوطني»، عبد القادر بن قرينة، على صفحته الرسمية على «فيسبوك»، ردًّا على تصريحات بومزار، أن: «الجزائريين لهم الحقوق نفسها وعليهم الواجبات نفسها، ولا اعتبار لمقرِّ سكناهم في الصحراء أو في التل». مضيفًا أنَّ «المواطنة الحقَّة تلزم الوزراء بالعدل بين كل سكان الجزائر وجهاتها».

بينما علَّق الدكتور عبد الرزاق مقري على التصريحات تلك بالقول: «أفضال الجنوب علينا كبيرة، وثورتنا استمرت سنتين أخريين لإفساد المشروع الاستعماري لفصل الصحراء… مكانتكم عالية ونحن جسم واحد وسواسية كأسنان المشط».

ورغم أن وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، قدَّم اعتذارًا رسميًّا في فيديو بثَّ عبر الصفحة الرسمية للوزارة، واستدعى ممثلين عن الجنوب حسب ما علمه «ساسة بوست» من مصادر مقرَّبة من وزارة البريد؛ فإن هذا لم يكن كافيًا حسب النشطاء الذي طالبوا بإقالة الوزير، واستمرَّ التنديد بالتصريحات تلك حتى وقت كتابة هذا التقرير.

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الجزائري قد أمر الحكومة مطلع السنة الجارية، بإعداد قانون لتجريم «كل مظاهر العنصرية» و«خطاب الكراهية»، بعد انتشار منشورات وصور تتضمن خطابات عنصرية متطرفة متبادلة بين الجزائريين، غير أنَّ مظاهر العنصرية انتقلت من حسابات الجزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تصريحات المسؤولين الحكوميين.

ولم يصدر عن الحكومة أي ردٍّ حتى اللحظة عن تصريح الوزير إبراهيم بومزار؛ غير أنَّ مصادر قريبة من الرئاسة الجزائرية أشارت إلى «ساسة بوست» عن قرب إجراء الرئيس الجزائري «تعديلًا حكوميًّا» يطيح وزراء لم يكونوا «في المستوى» حسب المصادر ذاتها.

عربي

منذ شهر
أزمة سيولة وحرائق وانقطاع مياه.. هل يواجه الرئيس الجزائري حقًّا مؤامرة داخلية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد