استيقظ الجنوب الجزائري الأسبوع الماضي على احتجاجات ومظاهراتٍ ضخمة؛ للمطالبة بالتنمية والتغيير، وإنهاء عقودٍ من التهميش؛ والذي ما يزال سكان الجنوب يعانون منه، رغم وعود الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، بإعطاء الجنوب حقَّه. 

من ورقلة عاصمة البترول، إلى مدينة الأغواط عاصمة الغاز، مرورًا بمدينة البيض مسقط رأس الرئيس؛ خرج عشرات الآلاف من الجزائريين في مسيراتٍ ضخمة نهاية الأسبوع الماضي، تنذر حسب المراقبين باحتمالية اندلاع انتفاضةٍ ثانية للجزائريين بعد تلك التي حملها حراك 2019، والذي أطاح بوتفليقة ونظامه؛ خصوصًا أنَّ احتجاجات الجنوب كانت بذرة الحراك السابق؛ وأنَّ هذه الاحتجاجات تأتي بالموازاة مع دعواتٍ بإحياء الحراك الشعبي في 22 فبراير (شباط) القادم. 

في هذا التقرير نسلط الضوء على حراك الجزائريين القادم من الجنوب، ونرى كيف سيؤثر في الوضع السياسي بالجزائر؟ 

الجنوب الجزائري.. شمعة أحرقت نظام بوتفليقة وتهدد نظام تبون 

في سنة 2015؛ خرجت مسيراتٌ ضخمة في كلٍّ من مدينة عين صالح وورقلة بالجنوب الجزائري ضد النظام السابق، الذي كان يخطِّط حينها للشروع في استغلال الغاز الصخري الذي كان يرفضه سكان الجنوب؛ قبل أن تتبعها مناطق واسعةٌ من الجنوب، بسبب تحدي النظام لتلك المظاهرات وعزمه على تنفيذ مشروعه، قبل أن يضطر بضغط تلك المسيرات والاعتصامات إلى توقيف المشروع وتنفيذه في مرحلة لاحقة. وجدير بالذكر أن تلك الحركة كانت أوسع حركةٍ احتجاجية موحدة يقوم بها سكان الجنوب في الجزائر.

مع نهاية سنة 2018؛ عاد الجنوب لتصدر الأحداث بالجزائر من خلال سلسلةٍ من المسيرات الضخمة السلمية التي حملت مطالب التنمية هذه المرة، وقد وُوجِهَت بقمعٍ ولامبالاة من النظام الجزائري؛ واتهاماتٍ بوقوف جهات أجنبية وراءها، الأمر الذي استفزَّ كامل الجزائريين.

كان الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، يرى في تلك الاحتجاجات والمسيرات أمرًا ثانويًّا لا يمكن أن يتحوَّل إلى ثورةٍ تطيح بنظامه؛ فلم تكترث السلطات لمطالب الجنوب وعتمت على مسيراته الاحتجاجية. غير أنَّ كرة الغضب التي تشكَّلت في الجنوب بدأت تكبر رويدًا وتتسع إلى المدن الشمالية حتى تحوَّلت إلى حراكٍ سلمي في فبراير 2019 بعد إعلان بوتفليقة الترشُّح لعهدةٍ رئاسية خامسة، ليطيح هذا الحراك في ظرف خمسة أسابيع ببوتفليقة. 

اليوم وبعد ثلاث سنوات من تحرك كرة النار في الجنوب؛ ما يزال الجنوب مشتعلًا بالاحتجاجات التي تخرج بين الفينة والأخرى لتحمل المطالب نفسها التي كانت ترفعها قبل بداية حراك 2019؛ وهو الأمر الذي يعده المراقبون مؤشرًا مهمًّا على أنَّ الجنوب ربما سيحمل الجزائريين من جديد في اتجاه انتفاضةٍ ثانية.

ورقلة والأغواط والبيض.. مدن الجنوب تنتفض

حمل الأسبوع الماضي مؤشرًا آخر على قرب انتفاضة الجزائريين الجديدة، وذلك علاوة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي حملتها تأثيرات جائحة كوفيد-19 والدعوات المتواصلة بعودة الحراك في 22 فبراير القادم، من خلال المسيرات التي شهدتها مدنٌ كبرى بالجنوب الجزائري.

فقد انتفض سكان ولاية ورقلة عاصمة البترول الجزائري، يوم الخميس الماضي، تنديدًا بالتهميش والبطالة التي يعاني منها سكان الجنوب؛ وفي بيانٍ للمحتجين وصل «ساسة بوست» إلى نسخة منه، طالب المحتجون بفتح تحقيق حول عمليات التوظيف بالمنطقة، معتبرين أنَّ عدم الاكتراث باحتجاجاتهم ما هو إلا وقود لمواصلة حراكهم، متوعدين المسؤولين بتنظيم مليونية احتجاجية كل سبت.

الصفحة الأولى من بيان محتجي ولاية ورقلة أمس السبت 30 يناير 2021

الصفحة الأولى من بيان محتجي ولاية ورقلة أمس السبت 30 يناير (كانون الثاني) 2021

وفي حديثه مع «ساسة بوست» يرى الناشط محمد السعيد.م، أحد سكان ولاية ورقلة أنَّ «التاريخ يعيد نفسه في مسألة الحراك، لكن الحكومة باقية تتفرج في المشهد. فدائمًا ما كان ظلم الجنوب وبالخصوص ظلم واحتقار سكان ورقلة – على حد تعبيره – هو الضريبة التي سيدفعها النظام بأكمله، وما نراه اليوم من احتجاجات في ورقلة وغيرها من مدن الجزائر، هو مقدمة لعودة الحراك الشعبي المبارك».

وفي مدينة البيض التي تبعد عن جنوب العاصمة الجزائر بنحو 500 كم؛ خرج مئات المواطنين أول أمس الجمعة في مسيرات حاشدة للمطالبة بالتنمية والتغيير؛ وعبَّر المحتجون عن غضبهم من حنث الحكومة بوعودها المتمثلة في القضاء على أزمتي البطالة والتنمية بالولاية.

جدير بالذكر أن أهمية احتجاجات ولاية البيض، تكمن في أنها مسقط رأس الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، ومن الولايات الداعمة له.

متظاهرون يرفعون العلم الجزائري في مسيرة بولاية الأغواط؛ السبت 30 يناير 2021

متظاهرون يرفعون العلم الجزائري في مسيرة بولاية الأغواط؛ السبت 30 يناير 2021

وليس ببعيد من ولاية البيض؛ انتفض أمس السبت الآلاف من سكان ولاية الأغواط (400 كم جنوب الجزائر) للمطالبة بالتغيير، ورفع المحتجون عدَّة لافتات تحمل شعارات تطالب بإقالة والي الولاية ومحاسبة المنتخبين المحليين، وحلِّ مشكلة السيولة في مكاتب البريد؛ كما ندَّد المحتجون بالاحتقار والتهميش والوضع الكارثي الذي باتت تعيشه الولاية على حد تعبيرهم.

وصلت مدن الشمال.. كيف ستؤثر احتجاجات الجنوب الجزائري في الحراك المنتظر؟

شهدت ولاية جيجل ليلة أمس هي الأخرى حركةً احتجاجية واسعة؛ مباشرةً بعد إعلان الحكومة عن قرارها تمديد الحجر الصحي بالولاية، وخرج العشرات من سكان الولاية في مسيرات ليلية كسرت الحجر المفروض على الولاية حسب مصادر تواصل معها «ساسة بوست»، ورفع المحتجون شعارات مناوئة للحكومة والنظام الحالي؛ متوعدين بعودة الحراك في 22 فبراير المقبل من خلال شعار «22 فبراير خارجين» . 

وتعدُّ هذه الحركة الاحتجاجية هي الأولى بالمدن الشمالية بعد انتفاضة المدن الجنوبية الحالية، وتأتي في سياق دعواتٍ متواصلة للعودة إلى الحراك الشعبي.

لافتة من مسيرة الأغواط؛ السبت 30 يناير 2021

لافتة من مسيرة الأغواط؛ السبت 30 يناير 2021

ويرى الكثير من المتابعين أن الاحتجاجات المتصاعدة بالجنوب من شأنها أن تشجِّع المدن الأخرى للحاق بركب الحراك؛ فيرى الأستاذ في العلوم السياسية والقانون الدولي، د. ياسين مقبض في حديثه مع «ساسة بوست» أنَّ «الحركة الاحتجاجية التي يشهدها الجنوب الآن هي بمثابة الدافع لعودة الحراك بقوة، وهذا ما يتوقعه الجميع بما في ذلك السلطة؛ فالجنوب كان دومًا صادقًا في  انتفاضته ومحركًا للجزائريين نحو الثورة على الفساد؛ وبالتالي مسألة عودة الحراك بالأوضاع الحالية هي مسألة حتمية» .

ويضيف محدثنا بأن «التأثير الإيجابي للحركة الاحتجاجية التي شهدها الجنوب في دعوات العودة إلى الحراك إيجابية جدًّا، وبدأت معالمها تتضح بانتفاضة مناطق عديدة في  الشمال؛ ناهيك عن تصاعد الدعوات للتظاهر في  الذكرى الثالثة للحراك». 

ومنذ بداية السنة الجارية؛ ما يزال هاشتاج #خارجين_22_فيفري متصدرًا للترند الجزائري على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو هاشتاج أنشأه ناشطون للتعبئة للحراك الشعبي المزمع انطلاقه مع الذكرى الثالثة للحراك 2019، فهل تشهد الجزائر عودة حراكها الشعبي مرة أخرى؟

عربي

منذ 9 شهور
تاريخ الجنوب الجزائري.. من دعاوى الانفصال إلى محاولات التنمية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد