أعاد التدخل العسكري الروسي في سوريا للأذهان صورة الاتحاد السوفيتي وهو يغزو أفغانستان عام 1979، شبه الكثير من المتتبعين التدخل في سوريا بما فعله الاتحاد السوفيتي في أفغانستان متوقعين حدوث نفس النتائج.

عودة إلى الوراء: كيف تدخلت روسيا في أفغانستان؟

عام 1933، ورث محمد ظاهر شاه عرش البلاد. في عام 1953 قام شاه بتولية ابن عمه محمد داوود خان منصب رئيس الوزراء.

في هذه الفترة كانت شعبية حزب الشعب الديموقراطي الأفغاني، وهو حزب ماركسي، تزداد تزايدًا ملحوظًا. عام 1967 انشق الحزب لقسمين متنافسين الأول “خلق” بقيادة نور محمد تراقي وحفيظ الله أمين، والثاني “برشم” بقيادة بابراك كارمل. وفي عام 1973 قام محمد داوود خان بانقلاب عسكري دون سفك دماء تقريبًا على محمد ظاهر شاه بعد اتهامات للأخير بالفساد السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية، لينتهي الحكم الملكي.

خان فشل في محاولاته الإصلاحية خصوصًا مع سياسة القمع التي اتبعها ضد حزب الشعب الديموقراطي الأفغاني الذي أعاد توحيد صفوفه من جديد بهدف الإطاحة بخان، وهو ما تم بالفعل عام 1978م ليتولى نور محمد تراقي رئاسة المجلس الثوري، ورئاسة الوزراء لجمهورية أفغانستان الديموقراطية.

طوال عام ونصف تقريبًا قامت الحكومة الجديدة بتطبيق نظام إصلاحي ماركسي في البلاد تضمن تعديلات في عادات الزواج وإصلاح الأراضي، والتي لم تلق إعجاب الشعب المنغمس في عاداته وتقاليده وارتباطه الشديد بالإسلام وتعاليمه. نتيجة لذلك وقعت حالات اضطهاد من قبل النظام الحاكم وصلت لحد النفي والإعدام.

في صيف عام 1978 بدأت ثورة في منطقة نورستان شرق أفغانستان، ثم أخذت في الاتساع تدريجيًّا لتتحول إلى حرب أهلية في أفغانستان. وسط هذه الحرب وتحديدًا في سبتمبر 1979م، حدث إطلاق نار في القصر الرئاسي قتل على أثره رئيس الوزراء ليتولى نائبه حفظ الله أمين الحكم.

قبل التدخل السوفيتي بحوالي ستة أشهر أي في شهر يونيو 1979م بدأت الولايات المتحدة تدعم حركات المعارضة وتقوم بحملات دعائية ضد الحكومة الأفغانية. في ذلك الوقت كان هناك 400 مستشار عسكري سوفيتي في أفغانستان بالإضافة لوجود كتيبة سوفيتية كاملة في استجابة لطلب الحكومة الأفغانية.

في ديسمبر 1979 وطبقًا لمعاهدة الصداقة والتعاون الموقعة بين الاتحاد السوفيتي والحكومة الأفغانية عام 1978، دخلت القوات السوفيتية إلى أفغانستان في أعقاب تحرشات من المقاتلين الإسلاميين في المناطق الجبلية بالجيش الأفغاني، وفي أعقاب تدهور الأوضاع الميدانية خصوصًا بعد انقطاع الاتصالات بين العاصمة كابول وخارجها؛ مما تسبب في عزل العاصمة.

التدخل السوفيتي

البداية الرسمية للغزو السوفيتي كانت يوم 27 ديسمبر 1979 عندما قام 700 عنصر عسكري سوفيتي بينهم 54 من عملاء جهاز الاستخبارات والقوات الخاصة مرتدين اللباس العسكري الأفغاني باحتلال الأبنية الحكومية والعسكرية والإذاعة الرسمية بالعاصمة كابول، بالإضافة للهدف الرئيسي المتمثل في قصر تاجبك الرئاسي ليقوموا بالتخلص من الرئيس الأفغاني حفظ الله أمين ولتنتهي عملية السيطرة صباح يوم 28 ديسمبر.

هذا الأمر تم بعد معارك قصيرة خاضتها القوات السوفيتية ضد عناصر الحراسة الأفغانية، وبعد أن قامت الأولى بتفجير موزع الاتصالات الرئيسي لتشل حركة قوات الجيش الأفغاني.

في يوم 27 ديسمبر، أيضًا دخلت القوات البرية السوفيتية داخل أفغانستان من الشمال وهبطت إحدى الكتائب المظلية في مطار باغرام.

جدير بالذكر أن الرئيس السوفيتي آنذاك كان قد رفض 18 طلبًا سابقًا من الحكومة الأفغانية بالتدخل العسكري طبقًا لمعاهدة الصداقة والتعاون مما يجعل البعض يقول إن هذه العملية السوفيتية كانت قانونية وليست احتلالًا، وأن موضوع التخلص من الرئيس الأفغاني جاء نتيجة تقارير تقول بأن اثنين من حراس حفظ الله أمين هما من قاما بقتل الرئيس السابق تاراقي.

السيطرة والجهاد

بعد التدخل السوفيتي لم تتمكن القوات الغازية من بسط سيطرتها خارج العاصمة كابول، وظل حوالي 80% من مناطق البلاد خارج السيطرة.

من هنا بدأ السوفييت في القيام بالكثير من العمليات العسكرية بحجة حماية المدن والمنشآت وسط صعوبات كبيرة واجهتهم نتيجة وعورة التضاريس الجبلية، والطبيعة الجغرافية القاسية للبلاد. هذا الأمر تسبب في استخدام سياسة الأرض المحروقة من قبل السوفييت، حيث كانوا يقومون بتدمير البيوت والقرى والمحاصيل والماشية وإحراقها.

من هنا لم يتمكن السوفييت من الحصول على دعم قطاع كبير من الأفغان لتزداد معاداتهم للثوار الأفغان واضطرارهم لمقاتلة المدنيين الذين كانوا يدعمون الثوار.

وسط هذا الأمر بدأ الدعم المباشر للثوار الأفغان من قبل الولايات المتحدة والسعودية وباكستان والمملكة المتحدة والصين. وصل الأمر إلى إرسال سعوديين وخليجيين بشكل مستمر إلى أفغانستان ليشاركوا مع المقاومة في صورة جهاديين وسط رضا أمريكي تام.

الخسائر

ظلت القوات السوفيتية تحارب لقرابة العشر سنوات وسط خسائر فادحة في صفوفها حتى اضطرت للانسحاب عام 1989، حيث وصل إجمالي الخسائر في صفوف القوات السوفيتية 14453 قتيلًا وأكثر من 53 ألف جريح و265 مفقودًا.

سقطت 451 طائرة عسكرية سوفيتية بينها 333 طائرة هليكوبتر.

تم تدمير 147 دبابة و1314 مركبة وناقلة جند و433 مدفع من مختلف الأنواع.

كما سقط 18 ألف قتيل أفغاني من الموالين للقوات السوفيتية.

على المستوى العام فقد تسببت هذه الحرب في سقوط 1,5 مليون قتيل في صفوف المدنيين تقريبًا، وتشريد 5 مليون شخص خارج البلاد، وتشريد 2 مليون شخص داخل البلاد، بالإضافة إلى سقوط 3 مليون أفغاني جرحى بإصابات متفاوتة.

تشابهات واختلافات

هناك بعض الأمور التي يتشابه فيها التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان مع التدخل العسكري الروسي في سوريا، أولها أن التدخل السوفيتي تم بناء على طلب من الحكومة الأفغانية، والتدخل الروسي تم بناء على طلب من الحكومة السورية.

يبدو أن الهدف (الخصم) لروسيا متشابه أيضًا في كلتا الحالتين، حيث كان العدو الرئيسي للسوفييت في أفغانستان الجهاديين والمقاومين الإسلاميين، وحاليًا فإن العدو الرئيسي للروس في سوريا الجهاديون الإسلاميون أيضًا.

أحد أوجه التشابه بين المشهدين أيضًا هو تلقي المقاومة الأفغانية دعمًا من الولايات المتحدة وبعض دول الجوار مثل السعودية وباكستان، وفي سوريا تتلقى المعارضة “المعتدلة” دعمًا من الولايات المتحدة وبعض الدول المجاورة مثل تركيا والسعودية.

المفارقة الأخيرة هنا أن غالبية أفغانستان كانت بعيدة عن السيطرة السوفيتية عدا العاصمة كابول وبعض المناطق المجاورة، وحاليًا فإن غالبية سوريا خارج سيطرة روسيا وحليفها بشار الأسد عدا العاصمة دمشق وبعض المناطق المجاورة.

ولكن الأمور لا تبدو متطابقة تمامًا كما قد يظهر، ففي أفغانستان كان هناك كيان واحد للمقاومين/ المعارضين للتدخل الروسي، بينما تتفتت المعارضة السورية المسلحة بين كيانات وأيديولوجيات تتحارب فيما بينها، بينما تسيطر كل مجموعة منها على جزء من الأرض، كما أن التدخل الروسي في سوريا ما يزال محدودًا مقارنة بنظيره في أفغانستان.

عرض التعليقات
تحميل المزيد