كلمة «فضاء» في حد ذاتها  – ككلمة في اللغة العربية – تعرفها معظم المعاجم العربية بأنها «مكان متسع»، أي مكان به مساحة واسعة وفارغة، ولذلك فعندما تطور واكتشف أن هناك عالمًا آخر خارج هذا الكوكب الذي نعيش فيه، عالم مساحته أوسع وأضخم للدرجة التي تجعل كوكب الأرض يبدو وكأنه نقطة صغيرة في لوحة، وما يميز معظمها هو الفراغ؛ أطلق البشر على هذا المكان «الفضاء الخارجي».

ولكن مع مرور الزمن كان للبشر لمسة على هذا الفضاء، بدأت تجرده من المعنى الذي أضفيناه عليه، فلم يعد الفضاء الخارجي «مكانًا متسعًا»، بل أصبح مزدحمًا لدرجة تسبب حوادث التصادم، كما أن فوق رؤوسنا الآن «قنبلة موقوتة» وضعها البشر تراكميًا بزيارتهم للفضاء، تلك القنبلة يطلق عليها علماء ناسا «القمامة الفضائية»، أو «النفايات الفضائية»، أو «المخلفات الفضائية».

ما هي النفايات الفضائية؟ 

تُطلق تلك المسميات السابق ذكرها على النفايات التي تخلفها الصواريخ والأقمار الصناعية التي يطلقها البشر إلى الفضاء الخارجي، وتتنوع تلك النفايات الفضائية ما بين الطبيعي الذي يأتي من إطلاق الصواريخ والأقمار الصناعية، مثل بقايا النيازك، وبين الصناعي الذي يعد من صنع البشر، وهذا الأخير يطلق عليه علماء ناسا «الحطام المداري».

فالحطام المداري هو مخلفات من صنع الإنسان، ولم يعد لها وظيفة مفيدة، ولكنها لم تزل تدور في المدار الذي يغلف كوكب الأرض، وتندرج تحت بنده المركبات الفضائية غير المأهولة، وبحسب وكالة الفضاء الأوروبية فهناك ما يقرب من 34 ألف قطعة يزيد حجمها عن 10 سنتيمترات، وما يزيد عن 130 مليون قطعة أصغر من هذا تدور في الفضاء، ويبلغ وزن النفايات العالقة في الفضاء ما يقرب من 8800 طن.

 صورة توضح تزايد كمية النفايات حول الأرض على مر السنين

وقد تظن أن القطع الصغيرة ليس خطيرة، ولكن تلك القطع الصغيرة تتحرك في الفضاء بسرعة 18 ألف ميل في الساعة، بمعنى أنها تتحول إلى رصاصات مدمرة لكل ما قد يقف في طريقها، ووفقًا لناسا فإن تلك النفايات في عام 2019 كانت 20 ألف قطعة، بينما القطع الصغيرة كان عددها نصف مليون فقط، بما يثبت أن تزايد نفايات الفضاء أصبح مؤشرًا خطرًا على الفضاء الخارجي، وقادرًا على تدميره، وقد تظن أن الأمر لا يعنينا في شيء ونحن نجلس بأمان الآن في منازلنا، ولكن حوادث التصادم في الفضاء، وقمامة الفضاء، إذا لم يُسيطَر عليها سيكون لها أثار سلبية على كوكب الأرض أيضًا.

ومن أهم الأسباب التي تزيد من النفايات، هي ازدحام الفضاء بالأقمار الصناعية، ففي السنوات الأخيرة باتت الأقمار الصناعية أصغر حجمًا، وأقل تكلفة، وأكثر سهولة في التصنيع؛ ما منح الفرصة للكثير من البلاد في أنحاء كوكب الأرض أن تطلق الكثير منها في المدار حول الأرض، وقد بدأ مشغلو الأقمار الصناعية في اختيار إطلاق مجموعات كبيرة من الأقمار الصناعية تتكون من مئات أو آلاف من الأقمار الصناعية الصغيرة التي تعمل بشكل جماعي، لأن تلك المجموعات توفر تغطية كاملة لكوكب الأرض عكس القمر الصناعي الواحد الكبير، وعادة ما يكون من شأن تلك المجموعات للأقمار الصناعية، سواء كانت تابعة لعسكريين أو مدنيين، مراقبة المناخ، وإدارة الكوارث، والربط الإلكتروني للشبكات فوق كوكب الأرض، ونظام تحديد المواقع العالمية والاتصالات السلكية واللاسلكية.

خطر الإشعاعات النووية

خلال الشهر الماضي مايو (أيار) وحتى أوائل الشهر الحالي يونيو (حزيران) شغل الرأي العام أمر الصاروخ الصيني التائه، وقد وصلت تلك الأخبار إلى عالمنا العربي عندما مر حطام الصاروخ الصيني فوق مدينة تونس خلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري، و خلال مؤتمر صحافي يرد على تساؤلات العالم عن مصير هذا الصاروخ الذي يجوب الفضاء أكد الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية وانج وينبين أن ذلك حدث بسبب التصميم التقني لهذا الصاروخ، وأن أكثر مكوناته ستحترق وتُدمر خلال العودة للغلاف الجوي، وأشار إلى احتمالية التسبب بأضرار للنشاطات الجوية أو الأشخاص والمنشآت والنشاطات على الأرض ضئيلة جدًا، بما يعني أن هذا الصاروخ سينضم إلى نفايات الفضاء.

للأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض عمر افتراضي يعلمه جيدًا من يصنع القمر، ولذلك يُصمم هذا القمر على أنه بعد إنجاز مهمته التي أطلق في الفضاء من أجلها يصعد إلى مدارات أعلى في طبقات الغلاف الجوي العليا ويحترق، بينما تصطدم أجزاء صغيرة منه بكوكب الارض، ولكن – مثل الصاروخ الصيني – هناك هناك أقمار صناعية قد تتعطل وتسقط على سطح كوكب الأرض وتهدد حياة البشر والحيوانات وتسبب تلوث البيئة خاصة لو كان داخل هذا القمر الصناعي نفايات نووية على سبيل المثال.

وجود نفايات فضائية نووية يشكل خطرًا كبيرًا على كوكب الأرض سواء ظلت في الفضاء وتعرضت إلى تصادم، أو إذا سقطت فوق سطح الأرض، والفضاء بالفعل مليء بالنفايات الفضائية النووية والتي تعتبر إرثًا للحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي في وقتها، حين أطلقت كل من أمريكا والاتحاد عشرات الأقمار الصناعية التي تعمل بالطاقة النووية في الفضاء من عام 1959 وحتى عام 1988 وتلك النفايات النووية، يكفي أن تسقط على كوكب الأرض، أو تصطدم بها واحدة من ملايين النفايات الفضائية ليحدث انفجار نووي في الفضاء، قد يدمر في طريقه عشرات المحطات الفضائية وآلاف الأقمار الصناعية.

وسقوط واحد من تلك النفايات النووية على كوكب الأرض ليس مجرد احتمالية نخشاها، بل هو واقع عاشه كوكب الأرض في نهاية الثمانينات عندما سقط «كوزموس 954» وهو واحد من الأقمار الصناعية الخاصة بالاتحاد السوفيتي التي تحوي مفاعلات نووية في كندا وتناثرت مخلفاته في أكثر من مكان، وأكدت عمليات بحث وجمع هذا النفايات النووية القادمة من الفضاء العثور على 65 كليوجرامًا من قطع القمر الصناعي، جميعها تقريبًا تندرج تحت بند النفايات المشعة.

الخطر الذي تمثله الأقمار الصناعية النووية الروسية والأميركية، يكمن في أن اصطدامها مع نفايات فضائية أخرى مما قد يؤدي إلى تلوث مشع لمناطق واسعة من الفضاء حول الأرض، كما يمكن لبعض الشظايا أن تترك مدارها وتتسبب في تلويث مساحات من كوكب الأرض تلوثًا اشعاعيًا، وبذلك يكون من المحتمل أن يحدث تلوث إشعاعي ضخم في الغلاف الجوي للأرض.

قد لا تستطيع إجراء مكالمات الطوارئ!

حتى الآن تعد مشكلة ازدحام الفضاء، وتراكم النفايات الفضائية أزمة خارجية تخص علماء الفضاء، وبغض النظر أنها تهدد بسقوط بعض النفايات مثلما ذكرنا سلفًا، أو أن بعض الخبراء الاقتصاديين يشيرون أن تلك الحوادث قد تهدد الاقتصاد العالمي لأنها تهدد ما يقرب من 700 مليار دولار قيمة الأقمار الصناعية في الفضاء؛ إذا تعددت الحوادث وتحطمت تلك الأقمار، إلا أن تلك القمامة الفضائية تشكل خطرًا أيضًا على الحياة اليومية للمواطن العادي في أي بلد في أنحاء كوكب الأرض.

فعندما صعد البشر في الفضاء حاولوا تسخيره لتسهيل حياتنا اليومية على كوكب الأرض، فتجد في الفضاء أقمار الاتصالات ونقل المعطيات، وهي تمثل ما يقرب من ثلثي الأقمار الصناعية الناشطة في الفضاء والتي تستخدم في الاتصالات، وهي مهددة بالحوادث في أي لحظة، وخسارتها أو حتى خسارة واحدًا مها قد يؤدي إلى تعطيل الاتصالات العادية خاصة اتصالات الطوارئ وهي الأهم.

هناك أيضًا أقمار المراقبة والاتصالات العسكرية، وتدور تلك الأقمار للاستطلاع حول الأرض، وتلك الاقمار التي تعتمد عليها القوات الأمريكية بنسبة 83% في اتصالاتها ببعض البعض، فالاتصالات التي تتم من خلال الأقمار الصناعية تعد واحدة من أهم الوسائل التي تعتمد عليها الجيوش في أنحاء العالم الآن، وتدميرها قد يعيد الجيوش أو الجيش الذي تحطم له قمر صناعي، إلى زمن ما قبل التكنولوجيا الحديثة ما يصعب من صموده أمام الجيوش الأخرى.

كما أن الحوادث الناتجة عن اصطدام النفايات الفضائية يهدد إمكانية استخدام الانترنت عبر الأقمار الصناعية، ويتميز هذا النوع من الاتصال بالشبكة العنكبوتية بسرعة إتصال فائقة دون الحاجة للتيار الكهربائي، وهو ما يجعلها بديلًا مهمًا للإنترنت عبر المودم أو غيرها من الطرق التقليدية الأرضية في حالة الطوارئ.

وهذه الطريقة في الحصول على خدمة الإنترنت ليست مهمة فقط للبشر في المناطق النائية من العالم، ولكنها أيضًا مهمة للشركات التي تقدم خدمات يجب أن تكون دائمة ومستمرة في البلدان التي تريد الحد من خطر انقطاع التيار الكهربائي.

لن يصبح العالم قرية صغيرة

كانت الأقمار الصناعية حلًا مثاليًا لمشاكل البث التلفزيوني العادي منذ أن أطلقت في الفضاء، وتلك الأقمار الصناعية الخاصة بكل مسلسل تنتظره في المساء، أو برنامج طهي تشاهده في الصباح، يبث لك من خلال أقمار صناعية مثبتة على سرعة دوران الأرض، أي أنها تدور في مدار حول الأرض بنفس معدلات دوران الأرض نفسها، تلك الأقمار الصناعية تتعرض حاليًا لخطر التصادم في بعضها البعض بسبب الازدحام في الفضاء، أو من خلال اصطدام النفايات الفضائية بها ما يكلف أصحاب الأقمار الصناعية ملايين الدولارات.

إذا انقطع البث الفضائي عن البشر فلن تكون هناك إمكانية لبث البرامج عبر البلدان المجاورة، فالبث الأرضي يغطي منطقة واحدة فقط، على سبيل المثال، فالقناة الثالثة المصرية قبل ظهور البث الفضائي كانت تغطي كل من القاهرة والجيزة والقليوبية فقط، بينما يصعب على باقي المحافظات أن تلتقط على التلفاز صورة وصوت صالحين للمشاهدة، ما يعني أن تلك القنبلة الموقوتة في الفضاء من نفايات، قادرة على إنهاء ميزة أن العالم «قرية صغيرة»، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الاتصالات والإنترنت قد يتعرضون أيضًا إلى نفس المشكلة، فربما لا تكون في بلدك تستخدم الإنترنت الفضائي، ولكن قد تكون الشركة التي تقدم لك الخدمات عبر القارات تستخدم هذا النوع من الإنترنت حتى تصل إليك.

«نهاية العالم»؟

توقف الاتصالات والبث الفضائي عن العمل، لا تكمن خطورته في أنك لن تستطيع الاتصال بأقاربك، أو تفتقد مشاهدة برنامجك المفضل فقط، فالأمر أخطر من ذلك بكثير، وفي مؤتمر دولي عُقد عام 2013 تحت عنوان «مخاطر الفضاء»؛ عرض المتحدثون في المؤتمر سيناريوهات محتملة لنهاية العالم كما نعرفه الآن أو كما أطلقت عليه شبكة البي بي سي «يوم القيامة» وشملت تلك السيناريوهات احتمالية تعطل الأقمار الصناعية. 

هناك أشياء حيوية على كوكب الأرض ستتوقف مباشرة إذا حدث تصادم بين نفايات الفضاء والأقمار الصناعية، فكل الطائرات التي تحلق في السماء بدون طيار ستسقط فوق رؤوس البشر في نفس اللحظة، كما أن كل السفن والغواصات التي يقودها البشر ستصبح معزولة عن العالم بعد أن تفقد الاتصالات فقدان نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وتلك السفن قد تكون في أعالي البحار أو أماكن بعيدة في المحيطات لا يمكنها الرجوع، وبالتالي لن يكون لديها رادار أيضًا، وفي هذه اللحظة قد تصطدم الغواصات والسفن ببعضها البعض، إن لم تتوه وتفقد وقودها قبل أن يستطيع الطاقم والركاب العودة إلى البر.

في تجربة أجريت لما قد يحدث إذا توقفت الأقمار الصناعية، توقفت إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) بدأت أنظمة النسخ الاحتياطي التي تستخدم ساعات دقيقة على الأرض بالعمل، ولكن بعد ساعات قليلة، بدأ الوقت في التراجع، وهذا لأن كوكب الأرض يعتمد في تحديد الوقت بدقة عالية على الأقمار الصناعية.

 وبناءً عليه تأخر الوقت جزء من الثانية في أوروبا، مقارنة بالولايات المتحدة ؛ وحدث فرق بسيط آخر في التوقيت بين الهند واستراليا، وتعطلت جميع الفضاءات التي تحوي معلومات عبر الانترنت والتي يطلق عليها «سُحب» كما في «Icloud» بأجهزة الآبل، بمعنى أن توقف الأقمار الصناعية يعني ضياع أي بيانات خاصة بك على اي كلاود أو «جوجل درايف»، كما أصبحت عمليات البحث على الأنترنت أبطأ، وبعدها توقف الانترنت تمامًا، وحدث انقطاع للتيار الكهربائي في وقت لاحق من المساء في يوم التجربة، وفي المدن الكبرى توقفت حركة النقل وتعطلت شبكات المحمول، كل هذا في يوم واحد فقط من تعطل الأقمار الصناعية، ما يخبرنا بحقيقة أن «قنبلة موقوتة» تترصد لنا في الفضاء وهي القمامة الفضائية والتي من الممكن في أي لحظة أن تشن اصطدام واحد يليه مجموعة من الصدامات تعزل كوكب الأرض ليس عن الفضاء فقط، بل عن نفسه.

والحل؟

بعد أن أدرك البشر المخاطر التي قد تنتج عن تراكم النفايات الفضائية، والتزايد المتسارع لها، تحدد وكالة الفضاء الأوروبية الآن لأول مهمة فضائية لإزالة تلك المخلفات من مدار الأرض بحلول عام 2025، وتلك المهمة تواجهها الكثير من المصاعب والتحديات مالية وتقنية.

صورة لعملية جمع القمامة من الفضاء

بناءً على تلك الخطة أطلقت في بداية هذا العام 2021 شركة أستروسكيل مهمة تجريبية باسم «خدمات نهاية الحياة» «ELSA-d»، وهي مهمة يُستخدم فيها قمران صناعيان طورتهما شركة أستروسكيل، وهي شركة يابانية لخدمات الأقمار الصناعية، واحد منها صُمم ليزيل النفايات الفضائية من المدار بأمان، وقمر آخر يعمل كجسم و تهدف تلك المهمة إلى عرض نظام مغناطيسي يمكنه التقاط الأجسام المستقرة وحتى المتدحرجة، إما للتخلص منها أو لصيانتها في المدار، وبعد تنفيذ مهمة تنظيف القمامة، سيخرج القمران بعد ذلك عن المدار معًا ويتفككان في أثناء سقوطهما الناري في الغلاف الجوي لكوكب الأرض حتى لا يتحولان لقمامة بدورهما.

ورغم أن مهمة «ELSA-d» وغيرها من التجارب التكنولوجية المماثلة هي بمنزلة تطورات تتسم بالإيجابية في مجال تنظيف المدار الأرضي من النفايات، ألا أنها غير قادرة على حل كل المشكلات؛ إذ رغم ما حققته مثل تلك المهمات من نجاحات متواضعة، لم يزل انتشار الحطام الفضائي مستمرًّا بتسارع.

المصادر

تحميل المزيد