هل فكرت يوما أن تأخذ نزهة، ليس في الحديقة أو في المدينة، وإنما في الفضاء؟! بالتأكيد شاهدت في العديد من أفلام الخيال العلمي ركّابًا على متن سفينة فضائية وهم يتجولون بين الكواكب والنجوم يمخرون عباب الكون الفسيح، ماذا إن قلت لك أننا على أبواب حقبة سياحة الفضاء!

حسنا لنكتشف ما وصلنا إليه في هذا الصدد.

أولا ماذا نعني بسياحة الفضاء

لطالما ارتبطت الرحلات المكوكية خارج الأرض برواد الفضاء من أجل مساع علمية بحتة، غير أنه في السنوات الأخيرة تغير هذا الأمر وأصبح بإمكان المواطنين الأثرياء القيام برحلات ترفيهية خارج مدار الكوكب.

تصميم المركبة الفضائية الخاصة بالسياحة

لقد سهل عمل الشركات التجارية الناشئة التي انبرت لتحقيق حلم الكثيرين في ظهور نشاط اقتصادي جديد على الحياة البشرية، وهو “صناعة السياحة الفضائية”، فبفضلها ستتاح فرصة لمعظم المواطنين متوسطي الثراء الإبحار في الفضاء ومعايشة الحياة الفريدة بعيدا عن جاذبية الأرض وأنت تشاهد بيتك من الفضاء.

يطلق على هذا الأمر أيضا “رحلات الفضاء الشخصية” وكذا “الاكتشاف الفضائي المدني”، وأيا كانت التسمية فالأمر يرتبط بقيام مواطنين برحلات خارج الكوكب عبر المركبة الفضائية لغرض ترفيهي مقابل رسوم مالية.

تختلف الرحلات الفضائية السياحية من حيث توغلها في الكون، فهناك رحلات مدارية وأخرى تحت مدارية وثالثة بعد مدارية، إلا أن أي جسم طائر لا يبلغ الفضاء إلا إذا ارتفع بمائة كيلومتر عن سطح الأرض.

نبذة عن تاريخ سياحة الفضاء

بدأت سياحة الفضاء فعليا منذ سنة 2001، حيث دفع المليونير الأمريكي دينيس تيتو مبلغًا هائلًا قدره 20 مليون دولار من أجل قضاء إجازة مدتها ثمانية أيام على متن محطة الفضاء الدولية، ثم لحقه الجنوب إفريقي مارك شاتلورث عام 2002، ثم بعد ذلك الأمريكي غريغوري أولسن سنة 2005، والإيرانية أنوشة أنصاري في 2006، بعدها الأمريكي تشارلز سيموني في 2007 و2009، ثم ريتشارد جاريوت سنة 2008، وأخيرا الكندي غاي لاليبيرتيه في سبتمر 2009، ومنذ تلك الفترة لم تتجدد الرحلات الفضائية الخاصة بالمواطنين.

سائح الفضاء مارك شاتلورث في المركبة سيوز

كانت الحاجة للموارد المالية هو الأمر الذي دفع وكالة الفضاء الروسية، على الرغم من استياء ناسا، إلى القيام بتلك الرحلات الفضائية عبر مركبتها سويوز. وتؤكد روسيا أنها ستستأنف الرحلات الفضائية عام 2018.

وحاليا تعمل مجموعة من الشركات التجارية الأمريكية خصوصا على توفير خدمة السياحة خارج الكوكب الأزرق لقاء مبالغ مالية يتحملها متوسطو الدخل وليس فقط فاحشي الثراء.

لكن تجدر الإشارة إلى أن التفكير في مشروع السياحة الفضائية ظهر منذ الستينات من القرن الماضي، غير أن ناسا لم تكن مهتمة كثيرا بهذا الأمر مقتصرة على رحلات رواد الفضاء فقط للأغراض العلمية، وإن كانت ناسا نقلت بعض أعضاء الكونغرس في الثمانينات دون أداء رسوم إلى الفضاء في محاولة منها لإقناع الكونغرس بجدوى مشاريعها.

أهم الشركات العاملة في سياحة الفضاء

تعمل حاليًا العديد من الشركات التجارية الأمريكية على تحويل “صناعة السياحة الفضائية” إلى خدمة عامة، نجد أبرزها شركة فيرجين جالاكتيك التي قامت نهاية العام الماضي بتجربة فاشلة، تحطم فيها الصاروخ أنتاريس الذي يحمل المركبة سبيس شيب تو بعد 15 ثانية من انطلاقه، وقد كان من المتوقع أن تبدأ في هذا العام خدماتها في السياحة الفضائية، إلا أن الحادث جعل الشركة تعمل على المشروع وقتا أطول لحين توفير أكبر قدر من السلامة لتسفير أكثر من 1000 سائح مسجل حتى الآن في رحلة تحت مدارية، حيث دفع مسبقا كل واحد منهم 200 ألف دولار.

خطة مراحل رحلة سبيس شيب تو الفضائية

لكنها ليست الشركة الوحيدة، فهناك أيضا شركة إكسكور إيروسبيس، التي يقع مقرها في موهافي في نيومكسيكو، وهي تقدم أرخص رحلة بنحو 95 ألف دولار، حيث ستكون أنت والطيار فحسب لا غير، أما شركة سبيس أدفينتشرز وإكسكاليبور ألماز، التي يوجد مقرها في جزيرة مان في المملكة المتحدة، فهي تقدم تجارب فضائية أكثر عمقًا، تشتمل على رحلات إلى محطة الفضاء الدولية والقمر وحتى الكويكبات الموجودة بالقرب من الأرض، باستخدام تكنولوجيا صاروخية روسية.

بالإضافة إلى ذلك لدى كل من الوكالة الفضائية الأوروبية والروسية مشاريع مستقبلية لخدمات سياحة الفضاء.

كيف أحصل على رحلة فضاء؟

لا تقلق لم تعد رحلات خارج الأرض حكرا على رواد الفضاء، إن كان عمرك لا يقل عن 18 سنة وتتمتع بصحة جيدة ولديك حس المغامرة وطبعا تملك المال، فسارع إذن إلى مكتب فيرجن جالاكتين بلندن أو لإحدى مكاتب فروع الشركة ببلدان العالم، ستكلفك الرحلة 200 ألف دولار.

كما يمكنك أيضا حجز تذكرة نحو الفضاء سواء عبر الإنترنت أو في مكاتب شركتي سبيس أدفنشرز وإكسكاليبور، فقط اختر مع الشركة التي تأمنها، وانتظر دورك حتى يحين وقت تحقق حلمك.

لكن في انتظار مجيء اللحظة الحاسمة بعد شهور أو سنوات ستقدم لك شركات سياحة الفضاء الواردة فرصة حضور أحداث حصرية، مثل مشاهدة رحلات تجريبية والسفر في عروض جوية.

يخضع المسافرون في الأيام الأخيرة لانطلاقة رحلتهم الفضائية إلى فحوصات طبية وتدريبات تحاكي البيئة في العالم الخارجي.

مستقبل السياحة في الفضاء

لا زالت سياحة الفضاء في خطواتها الأولى، إلا أنه بالنظر لحجم المشاريع المرتقبة يبدو أنها ستحقق تقدمًا سريعًا في السنوات المقبلة، وما يعني ذلك من توفير بنية تحتية ملائمة وتقنية آمنة وأطر مدربة.

ويظهر فعلًا أن بعضها قد تحقق، فقد حصلت شركة كندية مؤخرا على براءات اختراع في بريطانيا والولايات المتحدة لتصميمها مصعدًا فضائيًّا يفوق طوله برج خليفة بعشرين مرة، الأمر الذي سيسهل كثيرًا الرحلات الفضائية ويقلل تكلفتها بحوالي 25 في المائة.

مثلما هناك موانئ فضائية قيد التشييد في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، علاوة على التقدم التقني المتسارع في مجال الفضاء نتيجة دخول الشركات الناشئة والتجارية على الخط.

بيد أن أحلام الإنسان لا تنتهي، فلا تزال هناك مشاريع قائمة تنتظر إنجازها ارتباطا بصناعة السياحة الفضائية، مثل تشييد الفنادق الفضائية التي تقع في المدار وتقدم خدمات لا تقل شأنًا عما تقدمه الفنادق الأرضية من طعام وغرف نوم وغير ذلك.

ربما نحن بعيدون كل البعد عن الرحلات الاقتصادية التي تتيح لسائر المواطنين معايشة تجربة فريدة مثل التجول في الفضاء بسبب ارتفاع التكلفة المهول، لكن من يعلم ربما في يومٍ ما تصير الرحلات الفضائية كركوب القطار!


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد