في نهاية شهر يونيو (حزيران) المنصرم، شهدت أوروبا انتصارًا جديدًا لليمين لم يأخذ الاهتمام الكافي.

في نهاية شهر يونيو (حزيران) المنصرم، شهدت أوروبا انتصارًا جديدًا لليمين لم يأخذ الاهتمام الكافي. فقد استطاع الحزب الشعبي الأقرب إلى اليمين المحافظ، أن يفوز بالأكثرية في الانتخابات البرلمانية الإسبانية وهو الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء المؤقت في البلاد ماريانو راجوي.

واستطاع الحزب أن يحصد، بحسب النتائج الرسمية، 137 مقعد، من أصل 350، وحل بعده حزب العمال الاشتراكي بـ 85 مقعدًا، يليه تحالف «يونيدوس بوديموس» اليساري المعارض بشدة لسياسات التقشف الاقتصادية، بـ71 مقعدًا، وتبعه تحالف مواطنون، الذي يشغل أيديولوجيًا حيز يمين الوسط، بـ32 مقعدًا.

بذلك، على الأرجح، سيستمر ماريانو راجوي، الذي يصفه حتى بعض أنصاره بالافتقار للجاذبية والأفكار البراقة، في تقلد منصبه، الذي تولاه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إذ سيحتاج الحزب الشعبي فقط إلى دعم من طرف حزب اليمين الآخر، الذي حل في المركز الرابع، وأحزاب أخرى صغيرة لتشكيل الحكومة المقبلة.

وقد خاطب راجوي أنصاره بوضوح في مدريد بعد الانتصار، قائلًا: «فزنا بالانتخابات، ونطالب بحقنا في الحكم».

انتصار جديد لليمين

في الواقع، جاء فوز اليمين الإسباني بأكثرية في البرلمان، بعد أيام من الحدث الذي هز العالم، وشغل كل وسائل الإعلام العالمية، وهو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إثر استفتاء شعبي، فيما ينظر إليه باعتباره انتصارًا كبيرًا للجناح اليميني في أوروبا، الصاعد بقوة، وهو ما شجع بعض أحزاب اليمين في القارة، على الإعلان عن رغبتها بحدوث استفتاءات مماثلة في بلدانها، مثل حزب الجبهة الوطنية في فرنسا، الذي أطلق على الاستفتاء في بريطانيا لقب استفتاء الحرية.

واستغل الحزب الشعبي في إسبانيا، التي تعتبر القوة الاقتصادية الرابعة في منطقة اليورو، أصداء ما حدث في بريطانيا جيدًا أيضًا.

وبعد الانفصال البريطاني الكبير، وما أثاره من اضطراب وعواقب اقتصادية آنية مربكة، اعتمد الحزب الشعبي في دعايته، على القول بأن مؤشر أسهم الشركات الكبرى في بورصة مدريد، قد سجل تراجعًا ملحوظًا وكبيرًا بعد الخروج البريطاني من الاتحاد الاوروبي، وقد أسس الحزب انطلاقًا من هذه النقطة لفكرة مفادها أن هذا ليس الوقت المناسب لإجراء تجارب جديدة في الحكم، وأن اختيار الحزب اليميني يعني الاستقرار في المقام الأول، ويعني استكمال التدابير الاقتصادية التي دشنها الحزب منذ توليه الحكم.

ماريانو راخوي، رئيس الحكومة الإسبانية، أثناء التحضير للانتخابات البرلمانية التي فاز بالأكثرية فيها حزبه

ليس هذا فحسب، فقد كانت تصريحات ماريانو راخوي، مؤكدة للغاية على فكرة الاستقرار هذه، فقد قال بوضوح أنه يدعو الناخبين المعتدلين من الوسط لتأييد حزبه، من أجل صد ما اعتبره خطر «المتطرفين» والراديكاليين والشعبويين، وقد كان يقصد بكل هذه الأوصاف تيار اليسار الإسباني، وبالأخص حزب بوديموس.

صراع الاقتصاد

ولم تكن المنافسة في الانتخابات الإسبانية بالأساس، بين جناح اليمين وجناح اليسار، مثل نظيراتها في القارة العجوز، حول قضايا المهاجرين واللاجئين، او الحفاظ على الهوية الأوروبية في مواجهة النزوح الإسلامي، أو من ثم على موقع القوة الاقتصادية الرابعة في القارة من الاتحاد الأوروبي، وشروطه فيما يخص ما سبق.

وإنما كانت ساحة التنافس الرئيسية هي ميدان السياسات الاقتصادية.

وطبق اليمينيون المحافظون، منذ أن تولوا الحكم في عام 2011، سياسات نيوليبرالية جادة، وإصلاحات ليبرالية، متعلقة بسياسات تقشف وصفها المراقبون بالقاسية، تحت إملاءات المفوضية الأوروبية، والاتحاد الأوروبي، حيث طبقوا تغييرات ليبرالية في قانون العمل، ينظر إليها من قبل بعض المراقبين، على أنها لم تصب إطلاقًا في صالح العمال. كما اعتمدوا سياسات تقليص الدعم للمعوزين والفقراء بحدة.

وتشير الأرقام إلى أن تلك السياسات، قد تكون ساهمت في بلوغ النمو بحلول عام 2015، بنسبة 3.2%، لكنها على الجانب الآخر قد ساهمت بشدة، في إبراز حدة الفوارق الاجتماعية، وتوسيع حجم الفقر النسبي في البلاد، بالإضافة إلى ارتفاع معدل البطالة، الذي تخطت نسبته 5%، فقد بات الفقر مهددًا لـ22% من أفراد المجتمع الإسباني، الذي جاءت السياسات الليبرالية في عكس صالح غالبية أفراده، بالأخص المنتمين للشرائح الوسطى، لكنها اعتمدت في دعايتها على مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية، والخروج من الكبوة سريعًا.

وركز الحزب الشعبي في دعايته بالانتخابات الأخيرة، على القول بضرورة الحفاظ على استقرار الخطوات الاقتصادية، التي يقولون إنها ضرورية ولازمة، ومن متابعة ما سموه بالإصلاحات اللازمة التي ستحافظ على النمو المستعاد، وهو ما قد يتمثل في خفض الإنفاق بشدة لتطمين الأسواق العالمية، على أن إسبانيا جادة في خطواتها لتسديد ديونها، حتى ولو أن الأرقام تثبت كون ذلك النمو لا يذهب في النهاية، بقسمه الأكبر في صالح معظم الشعب.

فشل اليسار

لم يستطع اليسار الإسباني ممثلًا في الحزبين، اللذين باتا يطلق عليهما الشقيقين العدوين، وهما الاشتراكيون وبوديموس، أن يحققا التحالف منذ وقت طويل، وهو التحالف الذي لو حدث منذ وقت طويل كان سيمكنهما من تشكيل الحكومة.

 صورة لمواطنين داعمين لليسار في اسبانيا بالانتخابات البرلمانية، يحملون صورة لتشي جيفارا

وأثناء هذه الانتخابات قرر عديد من الناخبين، الابتعاد عن ممارسة حقهم في التصويت، علمًا بأن مؤسسات استطلاع الرأي، غالبًا ما تؤكد أن الممتنعين عن التصويت في البلاد، دائمًا ما يكونون مسجلين على اليسار، وبالتالي يكون امتناعهم خسارة كبيرة لهذا الجناح.

وآثر هؤلاء إهمال الانتخابات، بسبب ما لحقهم من خيبة أمل بشأن الخلافات والانقسامات القوية بين اليسار، فقد تراجعت نسبة المشاركة التي بلغت قرابة 74% في انتخابات 20 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إلى 69% فقط في الانتخابات الحالية.

وكان اليسار وبالأخص بوديموس، يطرح نفسه دائمًا بوصفه، المعارض لطبقات الفساد السياسي، المرتبط بمصالح مالية، لا تمت لمصالح غالبية الشعب الإسباني بصلة على حد رأيهم، حيث يرون أنها تمارس مصالحها المعادية للشعب في بروكسل ومدريد.

ومن ثم فإن مشروع اليسار في اسبانيا هو بالأساس مشروع ضد التقشف، علمًا بأنه كما سبق وذكرنا، فإن اليمين الإسباني هو أكثر المؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي، في مواجهة اليسار الذي يرفض إملاءات هذا الاتحاد الاقتصادية الليبرالية.

واختار المواطن الإسباني في النهاية، الحزب الأكثر حرصًا على الوحدة الأوروبية، رغم كل ما أثير حوله من تلاعبات مالية، واختاره على حساب أحزاب اليسار، التي لم تستطع عبور خلافاتها، وبالأخص الحزب الواعد بوديموس، الساعي للخروج بالبلاد من عملة اليورو، والذي كانت هناك توقعات كبيرة بشأنه في الانتخابات آنفة الذكر.

وشنت وسائل إعلام إسبانية عديدة قبل الانتخابات حملة قوية للغاية ضد تيار وجناح اليسار، بالأخص من يظهر عليه الميل أكثر للراديكالية، وكانت في واجهة هذه الحملة مجوعة «بريسا»، بقيادة جريدة «الباييس»، حيث كانت مقولة الحملة الرئيسية هي أن اليسار هو الخطر الأكبر على البلاد في تلك المرحلة، التي تعصف فيها الاضطرابات بأوروبا بعد الخروج الكبير لبريطانيا.

مع العلم بأن إسبانيا ستكون من أكثر الدول المتضررة من الخروج البريطاني، بالأرقام، نظرًا لأهمية السياح البريطانيين الذين يزورون البلاد بالنسبة لاقتصادها، وما يقتنونه من عقارات، وهو ما يُتوقع أن يقل للغاية في الفترة القادمة.

المصادر

تحميل المزيد