608

تعد الموسيقى الأندلسية، باعتبار مميزاتها الخاصة، جانبًا ثقافيًّا مهمًا لفهم الحضارة الإسلامية في جانبها الإسباني- العربي. وكما لعبت الموسيقى دورًا في بلاط الأمويين في دمشق، والعباسيين في بغداد، فقد انتقلت بعض ملامح موسيقى المشرق إلى الأندلس لتُضيف نكهة مميزة لموسيقى شبه الجزيرة الأوروبية.

حظيت الموسيقى، حسب ابن رشد، باهتمام كبير خاصة في إشبيلية، كما كان للتصوف الإسلامي، خاصةً الذِكر، دور في الربط بين إنشاد القصائد، وتحقيق انسجام الذات مع الكون بغية تأمل الواقع الغيبي، وتحقيق السمو الروحاني.

وما يزال الإسبان يرددون إلى يومنا هذا أغاني أندلسية شعبية تعود إلى فترة الحكم الإسلامي للأندلس، سيعمل هذا التقرير على استعراض أهمها.

«ألا عَلِمَ العالِمُون»

تُعتبر أغنية «ألا عَلِمَ العالِمُون» من الأغاني التراثية الأندلسية الشعبية التي لا زال الإسبان ينشدونها إلى يومنا هذا، يردد كل المغنيين الإسبان -الذين يتداولون هذه الأغنية الأندلسية اليوم- بين مفرداتها الإسبانية تعبير «alima laalimoun- ألا عَلِمَ العَالِمُون» العربي الأندلسي.

يتداول الإسبان تعبير «ألا عَلِمَ العَالِمُون» في هذه المقطوعة الغنائية الشعبية تمامًا كما ينطق باللغة العربية دون فهم معنى التعبير وإدراك أصله الأندلسي العربي. العبارة تحيل إلى لعبة تراثية شعبية لا زال أطفال إسبانيا يلعبونها اليوم وتسمى «alalimón» المعروفة شعبيًّا بصيغة «a la limón». والتي تعود في الأصل إلى عبارة «ألا علم العالمون».

ويُعرِّف معجم أكاديمية اللغة الإسبانية مصطلح «alalimón» بوصفه لعبة يتداولها الأطفال في إسبانيا، إذ يتوزع الأطفال على مجموعتين، ويمسكون بأيدي بعضهم البعض ويقفون بشكل مقابل وجهًا لوجه، ثم يتنقلون ذهابًا وإيابًا مؤدين مقطوعة تبدأ بعبارة «alalimón»، وهو تمامًا الشيء نفسه الذي يقوم به الأطفال الذين تذكرهم الأغنية، يرقصون ويصفون بحسرة حال الجارة العانس مع ترديد عبارة «alalimón» مع بداية كل شطر غنائي.

ولكن لماذا يتم تقديم الأغنية عن طريق الربط بين كلمات إسبانية غريبة عن السياق؟ فتُقدم أحيانا بصيغة «A la lima y al limón»، وأحيانًا أخرى بصيغة «A la lima y alimón»؟ وما علاقة «lima» والتي تعني في المعاجم «أداة» وتحيل أيضًا إلى «فاكهة»، بمصطلح «alimón» والذي يعني فعل شيء معًا أو بتعاون بين شخصين؟

الأمر ليس سوى محاولة من ناطق القشتالية إيجاد صيغة إسبانية قريبة في النطق للعبارة العربية المبهمة. وحسب دراسة للدكتور فدريكو كورينتي، فإن الأمر يتعلق بتعبير «ألا عَلِمَ العالمُون» الذي كان متداولًا من طرف المنادي والدلال بشكل رسمي داخل المجتمع الأندلسي.

وفي دراسة أخرى توضح الدكتورة يولاندا كونغوسطو مارتين أن أقدم توثيق للمصطلح بوصفه لعبة منتشرة في إسبانيا يعود إلى سنة 1872. ثم ظهر بعد ذلك موثقًا بصيغ صوتية وخطية مختلفة (A la limón, alalimó, alalimón, alimón, ala limón). واللعبة ذائعة الصيت أيضًا في أمريكا اللاتينية؛ حيث تُعرَف بأسماء تقريبية محرفة عن التعبير العربي الأصلي فهي «Al animó» في كوبا، و«Alé limón» بتشيلي.

أنشودة «أتى إليه بوم»

يردد أطفال الإسبان عبارة «أتى إليه بوم- até iléh búm» العربية الأندلسية في هذا النشيد تمامًا كما تنطق باللغة العربية، دون أن يدركوا مغزاها، أو ماذا تعني، أو من أي اللغات هي. إذ يعتبر نشيد «السيد القط» الذي ترد فيه العبارة من أناشيد الأطفال الأكثر شعبية في إسبانيا.

تستعمل عبارة «أتى إليه بوم» لازمةً تتردد مرات كثيرة في النشيد لتوحي بأن رؤية القط للبوم كانت سببًا غير مباشر لكل مصائبه. نعلم أن للبوم رمزية خاصة في الثقافة العربية والمتعلقة بخرافة ارتباط البوم بالشؤم وقبح الصورة والصوت. معنى النشيد واللازمة العربية الأندلسية دفعا المستعرب الإسباني فدريكو كورينتي إلى الإقرار بأن السياق الفلكلوري للنشيد هو بالتأكيد سياق عربي.

«فتيات جيان المسلمات»

ثلاث فتيات مسلمات رائعات

كُنّ يذهبن لجمع الزيتون

فيجدنه قد جُمِع في جيان.

عائشة وفاطمة ومريم.

يرى الباحث المغربي هشام زليم أن أغنية «Las morillas de Jaén فتيات جيان المسلمات»، المعروفة أيضًا بأغنية «عائشة وفاطمة ومريم»، هي من أغاني التراث الأندلسي القديم في إسبانيا. وقد أعاد الأديب الأندلسي الشهير فدريكو غارثيا لوركا توضيبها ونشرها. وهي أغنية متجذرة في وجدان أندلسيي إسبانيا، تصف الحالة النفسية المزرية للمورسكيين (الأندلسيين الذين أجبروا على اعتناق المسيحية، لكنهم لم ينسوا أبدًا ماضيهم المسلم).

«بحّارٌ أنا في الحب»

بَحَّارٌ أنا في الحب.

أُبْحِرُ في خضمه العميق،

دون أمل الوصول

إلى ميناء ما.

بَحَّارٌ أنا في الحب.

وما زال الإسبان يتدولون أغاني من أصل يهودي أندلسي، والمسمى سفردي، نذكر من بينها أغنية «بحّارٌ أنا في الحب»:

عندما تغنى كارلوس كانو بآخر ملوك غرناطة

يا صِبْيَة القرية!

يا سنابل ناعمة طرية!

انطلقوا!

أخبروا الأرض أن المسكين أبا عبد الله

يحن إليها كل صباح.

يحن إليها مع إشراقة كل صباح!

يحن لترابها مع إشراقة كل صباح!

*مقطع من قصيدة «الملك الصغير»

أدى المغني الإسباني كارلوس كانو قصائد مترجمة إلى الإسبانية للملك الأندلسي الشاعر المعتمد بن عباد، وللشاعر الغرناطي فدريكو غارسيا لوركا، وقصائد أخرى نظمها بنفسه للتغني بغرناطة الإسلامية. يؤكد الكاتب صبيح صادق في مقال «غرناطة تعلن الحداد على كانو الذي غنى لأندلس العرب» مدى حنين كارلوس كانو للأندلس الإسلامية.

هذا الأمر قد انعكس في الكثير من أغانيه. ففي «على ضفاف النهر» يشير إلى اعتماد الرميكية زوجة المعتمد ملك إشبيلية: «مَن زهرة الدفلى البيضاء هذه التي تغني على ضفاف النهر؟ شفتاها سمراوان شمس تختفي خلف الخمار يا رميكية يا مليكتي، هلا تحبيني، انظري فها أنا أعيش حياتي كي أكون عبدًا لحبكِ، عربية، عربية، عربية، آه يا ملكتي العربية».

وقال في أخرى تحمل عنوان «في غرناطة»: جاءوا ثائرين فحرقوا الغابات، وظل ميتًا في الحجرات ابن أمية الله أكبر، حي على الصلاة. وكتب كانو مرة «إذا كانت كلمة (الحزن) لم تأخذ شكل حروفها هذه، فإنها بلا شك كانت ستأخذ شكل الكلمات التي تُعبر عن الحزن وهي كلمة (عبد الله)». اُعجب كانو أيضًا بشخصية المعتمد ملك إشبيلية، وقد علق عام 1986 على أغنيته «الملك المعتمد يقول وداعًا لإشبيلية»: «إن الأغنية تتحدث عن حب المعتمد العظيم، ففي تلك الفترة اكتشفت هذا الملك باعتباره شاعرًا فذًّا حكم إشبيلية في القرن التاسع».

وفي إحدى جولاته في المغرب طلب الجمهور منه أن يغني باللغة العربية، وهو لا يتكلم العربية، لكنه يشعر بأن غرناطة عربية، وأنه من هذه المدينة فقال لهم: «عفوًا، لم أتكلم بهذه اللغة (العربية) منذ 500 سنة، لقد نسيت لغتي». تأثر كارلوس كانو كثيرًا بشخصية عبد الله الصغير، آخر ملوك غرناطة، فأنشد هذه الكلمات للتعبير عن مدى حبه وتعاطفه مع الشخصية، التي نُبِذت دون وجه حق في الثقافة العربية:

النكهة الأندلسية في أغاني باكو إبانييث

ألهمته صورة فتاة أندلسية ترتدي السواد إلى طرح أولى أغانيه سنة 1956، إذ تغنى بقصيدة «الطفلة الأجمل»، للشاعر والكاتب المسرحي الإسباني القرطبي لويس دي جونجورا. وقد أدى سنة 1964 مجموعة قصائد لجونجورا وفدريكو غارسيا لوركا. وسرعان ما تحولت أغنية «الطفلة الأجمل» إلى مادة تعليمية مُعتَمَدة أكاديميًّا من طرف أساتذة اللغة والأدب الإسباني ودعاة التحرير والتعايش الثقافي.

إنه فرانسيسكو إبانييث غوروستيدي الملقب: باكو إبانييث، وهو فنان إسباني، وَهَبَ جل مسيرته الفنية للتغني بقصائد كلاسيكية وأخرى معاصرة لأدباء من إسبانيا ومن أمريكا اللاتينية. من خلال تأدية قصائد من الشعر الكلاسيكي، نَقَلَ للعالمية أفكارًا، واهتمامات، وهمومًا شَغَلَت الإنسانية. حوَّل القصائد إلى رموز فكرية موسيقية مشخصة بأنغام بسيطة، ليزود الإنسانية بدراما وجدانية مُتَخَيَّلة ومتحررة من كل ما هو مادي، ومرئي، وملموس.

تأثر باكو إبانييث بمؤلف الأغاني الفرنسي جورج براسانس، وبموسيقى المغني والشاعر والكاتب الأرجنتيني أتاهوالبا يوبانكوي، اللذين شكلا مرجعية رئيسية لتكوينه الفني والأيديولوجي. كما تأثر بحركة الوجودية، تيارًا فلسفيًّا وجملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة، التي تعد الفرد صاحب الفكر، والحرية، والإرادة، والاختيار.

بما أن الطابع الصوتي هو بالنسبة للموسيقى كاللون في التصوير، فلقد تمتع باكو إبانييث بصوت شجي. التقى في باريس سنة 1970 بالشاعر بابلو نيرودا. طلب منه تأدية قصائده قائلًا: «عليك أن تُغنِّي قصائدي، صوتك مخلوق لتأدية أشعاري».

تأثر المجتمع الإسباني بأغاني باكو؛ إذ لُقِّب بـ«صوت إسبانيا الحر» وأخد طلاب الجامعات الفرنسية بالتشبه به، واتخاذه رمزًا نضاليًا. تعرض باكو بدوره للقمع الفكري الذي تميزت به فترة حكم فرانكو، فمنعت الحكومة الإسبانية أغانيه سنة 1971، وراقبت تحركاته. الأمر الذي دفعه للسفر في تلك الفترة إلى بلدان بأمريكا اللاتينية. ومع وفاة فرانكو سنة 1975 رُفع الحظر عن أغانيه التي ظلت ممنوعة في باريس لفترة أطول.

رشح لجائزة الفنون والآداب سنة 1983 و1987. رفض تسلم الجائزة في المرتين وقال عبارته الشهيرة: «يجب على الفنان أن يكون حرًّا في الأفكار التي يدّعي أنه يدافع عنها. مع أول تنازل تفقد جزءًا من حريتك». كما رشح سنة 1998 لجائزة جرالد برنان اعترافًا بمساره في الدفاع عن الحرية وتخليد الشعر، وبدوره في التوعية بضرورة استقلال السياسة عن الاقتصاد والثقافة. إلا أنه، نهجًا لتقليده ولقناعاته المُعرضة عن تسلم أي جائزة، رفضها هي الأخرى.

نستعرض فيما يلي بعض أغانيه المعروفة بنكهتها الأندلسية مترجمة للغة العربية:

غنائية «للذي لم يذهب يومًا» إلى غرناطة للشاعر رافائيل ألبرتي، ويقول في مطلعها:

يا لبُعدِها عبر البحار، عبر القرى وعبر الجبال!

شموس أخرى تُعاين شيب رأسي.

لم أذهب أبدًا إلى غرناطة.

شعر أبيض، سنوات مفقودة.

أريد العثور على الطرقات العتيقة الممحوة.

فأنا لم أر أبدًا غرناطة.

أنشودة «الفارس» للشاعر الغرناطي فدريكو غارسيا لوركا:

فرسٌ أسود، قمرٌ كامل،

وحبات زيتون بالزَّاد.

وإن كنتُ أعْرفُ الممرات،

لن أصِلَ أبدًا لقرطبة.

بعيدًا عن الأندلس، أدى باكو إبانييث قصائد في فلسفة الحياة، نذكر من بينها قصيدة «مثلك أنت». القصيدة للشاعر الإسباني فيليبي كامينو غاليسيا دي لاروسا المعروف بليون فيليبي. تختزل في بضع كلمات بسيطة وسهلة مفهوم الحياة. كما تدعو المتلقي إلى التفكير في حياته الخاصة، وإلى تقدير الأشياء الصغيرة، وإن بدت هينة وتافهة. كما أنشد ضد الديكتاتورية التي عرفتها إسبانيا في قصيدة «سينادونني» للشاعر بلاس دي أوطيرو: سينادونني، سينادوننا جميعًا/ أنت، وأنت، وأنا/ سنتناوب على آلات سحق من زجاج/ أمام الموت/ وسيُعرِّضونك، سيُعرِّضُوننا جميعًا/ للإبادة، ولطلقة رصاصة.

اغترب المكون الأندلسي زجلًا، وعزفًا، وموضوعًا، ونغمةً، ونمطًا في الموسيقى الأوروبية تمامًا كما تغتربُ المقطوعة الشعرية عن نفسها غربة تامة عندما يغنيها العامة، فيُجهل المؤلف جهلًا تامًّا. نستحضر ختامًا هذه الأبيات المعبرة للشاعر الإشبيلي مانويل ماتشادو:

إلى أن يغنيها العامة،

تغتربُ المقطوعة الشعرية عن نفسها

غربة تامة.

وعندما يغنيها العامة،

يُجهل المؤلف

جهلًا تامًّا.