بعد شهور من الترقب والجدل السياسي الحاد، شهدت إسبانيا يوم الأحد انتخابات عامة من أجل اختيار برلمان جديد تنبثق منه حكومة للسنوات الأربع المقبلة، ويعود هذا الترقب لظهور قوى سياسية جديدة في الساحة الإسبانية فرضت نفسها بقوة على المشهد السياسي الواقع تحت قطبية ثنائية بين الحزب الشعبي اليميني والحزب العمالي الاشتراكي وذلك منذ بداية الديمقراطية في إسبانيا.

وقد ترجمت القوى الجديدة المنبثقة من حركة الغاضبين (النسخة الإسبانية من الحركات الاحتجاجية في العالم سنة 2011)، خصوصا حزبي بوديموس اليساري وحزب سيودادنوس الوسطي، حضورها القوي في انتخابات ماي البلدية والتي شهدت سقوط مدن كبيرة كمدريد وبرشلونة في قبضة اليسار الجديد والذي يمثله خصوصا بوديموس.

(يمكنك التعرف على اليسار الجديد في إسبانيا وإنجازه في انتخابات ماي 2015 البلدية من هنا.)

غير أن النتائج النهائية والتي ظهرت صباح الإثنين لم تساهم في توضيح موازين القوى الحقيقية في إسبانيا، بقدر ما زادت من ضبابية الوضع بحيث لم تعطِ أغلبية واضحة لقوة سياسية، وهو ما اعتبر نجاحا وفشلا في نفس الآن للقوى الجديدة كبوديموس.

من قطبين إلى أربعة أقطاب

شهدت إسبانيا طوال الأسابيع الماضية حملة حامية الوطيس لا سيما بين الحزبين الرئيسيين في البلاد، الحزب الشعبي اليميني الحاكم وحزب العمال الاشتراكي، وهما الحزبين المتناوبين على السلطة طيلة أربعين سنة منذ بدء التحول الديمقراطي في إسبانيا سنة 1975، يضاف إلى ذلك الأحزاب المنبثقة من الاحتجاجات الإسبانية والتي تخوض الانتخابات العامة لأول مرة بعد تجربة أروبيات مارس 2015 وبلديات مايو الماضي، وهما حزب سيودادنوس الوسطي المكون أساسا من رجال الأعمال وحزب بوديموس اليساري المتشدد وهو حزب مشابه لحزب سيريزا اليوناني الشهير.

من اليمين: ماريانو راخوي رئيس الحكومة وزعيم الحزب الشعبي اليميني، بيدرو سانشيز رئيس الحزب العمالي الإشتراكي، ألبير ريفيرا رئيس سيودادنوس، بابلو إغليسياس رئيس بوديموس

 

هذا وقد شهدت الحملة الانتخابية في مناخ متوتر عززته سجالات قوية واتهامات متبادلة بين مختلف الأحزاب، وصل بها الأمر إلى حد الاعتداء بالضرب على رئيس الحكومة الحالي وأمين عام الحزب الشعبي اليميني ماريانو راخوي، إضافة إلى دعوات الانفصال الآخذة بالارتفاع في مقاطعات ككاتالونيا، دون أن ننسى صعوبة الظروف الاقتصادية في إسبانيا حاليا نتيجة لسنوات التقشف المتعاقبة ولارتفاع معدل البطالة الذي وصل ل25% لدى الشباب وهي نسبة قياسية في بلد من غرب أوروبا.

وهكذا بعد يوم انتخابي طويل، شهدت خلالها إسبانيا إعلانات متكررة لنتائج جزئية ولاستطلاعات الرأي، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية النتائج النهائية بفوز الحزب الشعبي اليميني (PP) بالرتبة الأولى دون الحصول على الأغلبية المطلقة اللازمة لتشكيل الحكومة وهي التي كان يتمتع بها منذ سنة 2011 ، متبوعا بحزب العمال الاشتراكي (PSOE) ثم القوتين الجديدتين حزبي بوديموس (Podemos) وسيودادنس (Ciudadanos) تواليا.

النتائج النهائية: 123 مقعدا للحزب الشعبي، 90 للحزب الاشتراكي، 69 لبوديموس، 40 لسيودادنس، و28 للأحزاب الانفصالية والجهوية القومية

 

ومع هاته النتائج، انتهى رسميا عهد أربعين سنة من القطبية الثنائية في السياسة الإسبانية، وصار لزاما على من يرغب في قيادة الحكومة تشكيل تآلفات واسعة ليس فقط مع الحزبين الجديدين لكن مع الأحزاب الصغيرة أيضا والتي تتوفر على أعداد صغيرة من النواب لكن لازمة لإكمال نصاب الأغلبية البرلمانية، وهو ما يعتبر نجاحا كبيرا للأحزاب الجديدة، والتي فرضت بحكم هذه النتائج على الأحزاب التقليدية فتح قنوات التفاوض معها، وإشراكها في تسيير إسبانيا في المرحلة القادمة.

 

https://twitter.com/elmundoes/status/678858276877004801/photo/1?ref_src=twsrc%5Etfw

كاريكاتور جريدة إلموندو الإسبانية حول نهاية القطبية الثنائية في السياسة بإسبانيا

شبح سيريزا

رغم أن الفرح عم أنصار تجربة بوديموس ومناصري اليسار الأوروبي الجديد عموما، لكن الفرحة لم تكتمل لدى قيادة بوديموس خاصة أمينه العام الكاريزمي بابلو إغليسياس، والذي كان يمني النفس بنسخ تجربة سيريزا في اليونان وقيادة الحكومة الإسبانية المقبلة، لا سيما للتشابهات الكثيرة في الحالتين الإسبانية واليونانية، لا سيما صعوبة الظروف الاقتصادية، الغضب الشعبي من النخبة الحاكمة، الضغوط الأوروبية من أجل تبني سياسات تقشفية…

وكان حلم إغليسياس هو العمل مع القوى الجديدة كسيريزا لتشكيل جبهة موحدة داخل الاتحاد الأوروبي تعارض التقشف وطريقة تدبير القوى المحلية كألمانيا لمشكلة اليورو، وكان فوز كاسح لبوديموس هو أكثر ما يحتاجه أنصار هذا الطرح لأن من شأنه فتح الطريق لقوى أخرى داخل أوروبا لنسخ تجربة سيريزا.

الإسباني بابلو إغليسياس واليوناني ألكسيس تسيبراس زعيمي بوديموس وسيريزا

 

لكن يجب القول بأن تجربة سيريزا اليونانية لم تشكل فقط عاملا لنجاح اختراق بوديموس وسيودادنس للسياسة في إسبانيا، بل أيضا عامل فشل، ذلك أن سيريزا ورغم انطلاقه الصاروخي ونجاحه في رفع الضغوط عن اليونان في البداية لكنه عاد في النهاية وقبل شروط الدائنين الأوروبيين، مما تسبب ليس فقط في انخفاض كبير لشعبيته في اليونان بل أيضا في انشقاقات داخل سيريزا نفسه، فكان ذلك ضربة غير متوقعة لحلم سيطرة اليسار الاجتماعي على الحكم في أوروبا عزز من مواقع القوى السياسية التقليدية والتي تبنت خطابا تقول فيه أن اليسار الجديد لم يبدع حلولا جديدة كما وعد، وهو ما استفاد منه خصوصا الحزب الشعبي في إسبانيا.

لذلك يمكن اعتبار أن تجربة بوديموس خصوصا لم تصل بعد لمستوى النجاح التي توقعه أغلب المحللين والمتابعين للسياسة الأوروبية.

الإحباط ليس فقط أوروبيا، فقد راهن المحللون والمتابعون على أن الهدف الرئيسي لبوديموس يجب أن يكون تخطِّي حزب العمال الاشتراكي، وذلك حتى يضمن بوديموس قيادة ائتلاف يساري حاكم يمكنه من التحكم في اليسار على مستوى إسبانيا ثم إحتوائه في مرحلة ثانية، وهو ما لم يتحقق إذ حصل الحزب الإشتراكي على 90 مقعدا مقابل 69 للحزب الجديد، إذ أنه رغم وجود احتمال لتشكيل حكومة يسارية، فإنها رئاستها ستؤول للعماليين الاشتراكيين.

الإحباط يسيطر على أنصار بوديموس الذين كانوا يمنون النفس بمرتبة تمكنهم من قيادة ائتلاف يساري موسع ونسخ تجربة سيريزا في إسبانيا

 

كيف يمكن أن تشكل الحكومة؟

ببرلمان متكون من 350 مقعدا، تحتاج الحكومة إلى دعم 176 نائبا، وهو ما لا يتوافر لأي من الأحزاب حاليا في بلد اعتاد فيه حزبان التناوب على الحكم، لذلك فإسبانيا اليوم أمام أربعة احتمالات:

  • حكومة يمينية وسطية: الاحتمال الأقرب للتحقق، ائتلاف يقودها ماريانو راخوي رئيس الحكومة الحالي من الحزب الشعبي (123 مقعدا) بتحالف مع حزب سيودادنوس (40 مقعدا) مع الأحزاب اليمينية الجهوية الصغيرة المتوفرة على 19 مقعدا، وهو ما سيوفر للحكومة 182 مقعدا، غير أنه سيجعلها تحت رحمة الأحزاب الصغيرة التي ستعمل على ابتزاز الحكومة من أجل امتيازات اقتصادية ومالية للجهات التي تمثلها تلك الأحزاب.
    غير أن هذا الاحتمال قد يختفي في أية لحظة؛ ذلك أن رئيس سيودادنوس ألبير ريفيرا صرح بأنه ليس متحمسا للعمل مع الحزب الشعبي، لذلك فالأمر متوقف على مدى نجاح رئيس الحزب الشعبي في إقناع الحزب الوسطي في إئتلافه.
  • ائتلاف يساري موسع: تحالف بقيادة بيدرو سانشيز رئيس الحزب العمالي الاشتراكي مع كل من بوديموس وأحزاب اليسار المتشدد والانفصاليين الباسك والكتلان، يبقى غير وارد لسببين، أوله تصريح زعيم بوديموس بابلو إغليسياس بأن سبب وجود حزبه هو منع الحزبين التقليديين من مواصلة الحكم أي أنه لا يمكن لبوديموس التحالف مع الاشتراكيين أو الحزب الشعبي، وأيضا لأن دخول الأحزاب اليسارية الصغيرة رهين بوعد الحكومة بتنظيم استفتائين للانفصال بكل من إقليمي كاتالونيا والباسك، وهو ما قد يضع ائتلافا كهذا في مواجهة مفتوحة مع عموم الإسبان، لذلك يبقى هذا الخيار هو الأقل احتمالا.
  • ائتلاف الأحزاب التقليدية: أي حكومة مشكلة من الحزبين الشعبي والاشتراكي، وهو شيء كان سيبدو مستحيلا قبل أربعة سنوات! لكنه الآن وارد بقوة نظرا لتكرر الأمر في أوروبا في السنوات القليلة الماضية كحال ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا والتي تحكمها تحالفات مكونة من قوى يمينية ويسارية تقليدية وذلك لقطع الطريق على القوى الأوروبية الجديدة سواء اليسار الجديد أو اليمين المتطرف.
    لكن رغم احتماليته لكن يبقى صعبا، إذ أنه سيضع الحزب الشعبي تحت رحمة أعدائه/حلفائه الاشتراكيين، وهو ما يهدد هذه التجربة بالإنهاء في أي فترة من عمر الحكومة، كما أنه من الصعب جدا إيجاد برنامج مشترك بين قوتين اعتادتا معارضة بعضهما البعض لسنوات طويلة.
    جدير بالذكر أن هذا الخيار هو ما تفضله بوديموس لأنه سيمنحها الفرصة لمواجهة الحزبين التقليديين في آن واحد.
  • انتخابات مبكرة: وهو الخيار الذي يتيحه الدستور الإسباني في حال تعذر تشكيل الحكومة، لأن أغلب الأحزاب لن ترغب في قيادة حكومة أقلية في ظل التوتر السياسي الشديد بين أقطاب السياسة في أسبانيا، خاصة في ظل وجود بوديموس، وهو خيار مشابه جدا لما جرى في تركيا منذ أسابيع، غير أن الأحزاب الجديدة لا تحبذه نظرا لأنها ستضرر فيه كما حدث لحزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات التركية المبكرة المنعقدة من أسابيع. لذلك فقد صرح رئيس حزب سيودادنوس ألبير ريفيرا بأن حزبه سيصوت بالامتناع لحكومة أقلية يمينية لا يشارك فيها حتى لا تضطر البلاد لإعادة إجراء انتخابات قد تنتج عنها وضعية غامضة أكثر من الوضع القائم منذ إعلان النتائج صباح اليوم.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد