تشهد المنطقة مؤخرًا ما يشبه الثورة على التشريعات القديمة بحثًا عن المستثمرين، وذلك لإنعاش الاقتصاد الذي يعاني تقلبات حادة سواء بسبب التوترات الجيوسياسية أو العجز في الموازنات الخليجية الناتج عن هبوط أسعار النفط منذ منتصف 2014، هذه الثورة شملت الضرائب وقوانين الاستثمار وصولاً إلى أنظمة وقوانين الإقامة، وهو ما سنتحدث عنه خلال هذا التقرير، وبشكل خاص  نظام «الإقامة المميزة» للأجانب، الذي أقرته المملكة العربية السعودية مؤخرًا.

وبالرغم من أن الخطوة السعودية جاءت متأخرة عن جيرانها الخليجيين مثل قطر والإمارات، وبعض الدول بالشرق الأوسط كمصر وتركيا، إلا أن المسؤولين السعوديين يعقدون أمالًا كبيرة على هذه الخطوة في تنشيط الاقتصاد وإعادة النمو القوي مرة أخرى بعد الانكماش في 2017، للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية في 2008.

«الإقامة المميزة».. ما أهم ملامح نظام جذب الأجانب الأثرياء؟

تهدف السعودية من خلال نظام الإقامة المميزة لجذب الأجانب الأثرياء وأصحاب المهارات العالية، لدعم اقتصاد البلاد الذي عانى هجرة الأثرياء خلال العامين الماضيين، بعد موجة بيع أصول في المملكة لتفادي مخاطر التحفظ عليها وتجميدها، في إطار حملة مكافحة الفساد التي شنتها السلطات السعودية في عام 2017.

ووفق تقرير حديث حول هجرة الثروات العالمية، أعدته مؤسسة «نيو وورلد ويلث»، فقد احتلت السعودية المرتبة التاسعة بين الدول الطاردة للمليونيرات خلال العام الماضي، بخروج المئات من الأثرياء في 2018، إذ يعتمد التقرير على تتبع هجرة الأثرياء الذين تتخطى ثروتهم المليون دولار، من خلال إحصائيات برامج التأشيرة لرجال الأعمال في كل دولة.

قبل أن تنبهر بالموازنة «التريليونية» للسعودية.. يجب أن تعرف إجابة هذه الأسئلة

ويأتي إقرار المملكة للنظام الجديد على أمل إصلاح ما يمكن إصلاحه، من خلال 14 مادة تؤسس لقواعد نظام الإقامة الجديد الذي يمكن أن يكون غير محدد المدة، أو لسنة واحدة قابلة للتجديد وفق اللائحة. إذ سوف يحصل حامل الإقامة المميزة على حقوق منها الإقامة في السعودية مع أسرته؛ وتأشيرات زيارة للأقارب واستقدام عمالة منزلية، وامتلاك عقارات لأغراض سكنية وتجارية وصناعية.

واستثنت اللائحة المناطق الحدودية ومدينتي مكة والمدينة، إذ يمكن الحصول فيهما على حق انتفاع لمدة لا تتجاوز 99 سنة، فيما تتيح الإقامة المميزة لحاملها حرية الخروج من المملكة والعودة إليها ذاتيًا، بالإضافة إلى مزاولة الأعمال التجارية، وفقًا لنظام الاستثمار الأجنبي.

ووفق اللائحة التي نشرتها الجريدة الرسمية «أم القرى»، فإن المادة السادسة تنص أن على المتقدم سداد مقابل مالي، ذكرت مصادر لصحيفة «عكاظ» أن قيمته نحو 800 ألف ريال (قيمة رسوم الإقامة الدائمة)، بينما تصل رسوم الإقامة السنوية لنحو 100 ألف ريال تدفع سنويًا، وهي مبالغ ضخمة قد تقوض الاستفادة من النظام الجديد.

ما الذي ينتظره الاقتصاد السعودي من «الإقامة المميزة»؟

يرى وزير التجارة والاستثمار، ماجد بن عبد الله القصبي، أن النظام الجديد «سيعزز من التنافسية وسيمكن المملكة من استقطاب مستثمرين وكفاءات نوعية»، موضحًا خلال تصريحات لها نقلتها «وكالة الأنباء السعودية» أن «الإقامة المميزة» ستحد من ظاهرة «التستر» أو ما يطلق عليه الاقتصاد الخفي، مضيفًا أن هذا الأمر سيساعد بلاده على بناء اقتصاد حقيقي واقعي، على حد تعبيره.

تشير بيانات هيئة الإحصاء السعودية عن 2018، إلى أن عدد السكان غير السعوديين بلغ 12.2 مليون نسمة، وهو ما يمثل نحو 37% من إجمالي عدد السكان، ويعيشون حاليًا وفقًا لنظام الكفيل الذي يلزمهم بالعمل تحت كفالة صاحب عمل سعودي ويشترط أن تصدر لهم تأشيرات خروج أو دخول وعودة إذا أرادوا مغادرة المملكة، ومن المفترض أن يكون هؤلاء أساس قوي لجني ثمار النظام الجديد، إذ يسعى النظام إلى استقطاب الميسورين وأصحاب رؤوس الأموال منهم ليعامَلوا معاملة خاصة، وهذا الأمر غير متوفر في أغلب الوافدين.

ويرى بعض المراقبين أن عدد المستفيدين من النظام الجديد قد يتخطى نحو 3 مليون من المقيمين غير السعوديين، مما يعني تحقيق المملكة عوائد بأكثر من 10 مليار دولار سنويًا، سواء من خلال زيادة العوائد المالية المباشرة لتنمية الإيرادات الحكومية غير النفطية، أو من خلال تحريك عجلة الاقتصاد من خلال جذب مزيد من الاستثمارات، وتنشيط بعض القطاعات الاقتصادية.

لكن في المقابل، تتزايد وتيرة خروج الوافدين بسبب فرض ضرائب ورسوم مرتفعة، إذ يتوقع تقرير للبنك السعودي الفرنسي، أن يصل عدد المرافقين المغادرين للمملكة، إلى نحو 670 ألف مرافق، بمعدل 165 ألف شخص سنويًا، حتى عام 2020، وذلك في الوقت الذي قدر فيه التقرير حجم إنفاق 1.1 مليون أسرة، هم عدد المقيمين ومرافقيهم فرضًا، بـ88 مليار ريال، يمثلون 3.7 % من الناتج المحلي الإجمالي.

ويعد أهم أهداف السعودية من النظام الجديد، مكافحة التستر بالعمل الذي يلجأ إليه الوافدون الأجانب، وبالتالي تشجيعهم على العمل وفق القوانين ودفع الضرائب التي تعود للميزانية العامة وتوظيف السعوديين في مشروعاتهم، إذ يرى رئيس الأبحاث في «الراجحي كابيتال» مازن السديري، أن الأهداف تتفرع إلى أربعة أمور أساسية، هي: محاربة التستر التجاري، وتقليص اقتصاد الظل، وتشجيع الاستثمار، وتحرير الأصول المجمدة.

ويعتبر التستر، من أكبر المشاكل الاقتصادية التي تواجه المملكة، فبحسب وزير التجارة والاستثمار، ماجد القصبي، فإن نسبة التستر في المملكة زادت بنحو 46% خلال الربع الأول من العام الحالي، لكن يبقى السؤال هل تتمكن المملكة واقعيًا من تحقيق هذه الأهداف؟

الاستثمار والعقارات.. هل ينقذ النظام الجديد هذه القطاعات؟

تأمل الحكومة السعودية أن ينتشل النظام الجديد القطاع العقاري من حالة الركود التي يعيشها، وذلك على مدار الأشهر الماضية، إذ أن سوق العقارات في المملكة شهد انخفاضًا كبيرًا بأسعار الإيجار العقاري في عدة مدن سعودية، وذلك نتيجة الركود بعد زيادة الضريبة على الوافدين، بينما كشفت وزارة الإسكان في المملكة أن أسعار إيجار العقارات انخفضت خلال الربع الأول من 2018، بنسب 7.9% في جدة، و3.8% في مكة، و0.6% في العاصمة الرياض، وذلك استمرارًا للانخفاض المستمر خلال الأعوام القليلة الماضية.

ويؤكد متخصصون بالقطاع في السعودية أنه سيكون هناك تراجع حاد خلال السنوات القادمة في القيمة الإيجارية للوحدات السكنية، خاصة تلك المخصصة لمحدودي الدخل من العائلات الوافدة، إذ تشير التقديرات إلى أن عائلات الوافدين تمثل نحو 60% من حجم الوحدات السكنية في كامل المدن الرئيسية.

وفي أكتوبر (تشرين الثاني) 2016، توقعت تقارير اقتصادية أن يتعرض سوق العقار السعودي إلى انخفاض في الأسعار يصل إلى نسبة 50%، وذلك في إشارة إلى انفجار بالفقاعة العقارية، بينما سيعقب ذلك ركود قد يستمر لعدة سنوات، وأفادت التقارير بأن إجمالي عرض السوق العقارية تصل إلى 4.6 تريليون ريال، مقارنة مع القوى الشرائية للأفراد، والتي لم تتجاوز 1.1 تريليون ريال، مما يعني وجود عجز بقيمة 3.5 تريليون ريال.

على الجانب الآخر لا يختلف وضع الاستثمارات الأجنبية كثيرًا عن وضع العقارات، ففي يونيو (حزيران) 2018 كشفت بيانات صادرة عن «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية»، تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة في السعودية إلى أدنى مستوياتها في 14 عامًا، إذ انكمشت تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 1.4 مليار دولار في 2017 مقارنة بـ 7.5 مليار دولار في 2016. على عكس دول الخليج، إذ زاد الاستثمار الأجنبي المباشر في الإمارات، وقطر، وسلطنة عمان، التي لا يزيد حجم اقتصادها على عُشر حجم الاقتصاد السعودي.

والأرقام المذكورة تبتعد كثيرًا عن خطط السعودية التي تستهدف زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 18.7 مليار دولار بحلول 2020 للمساهمة في تنويع موارد الاقتصاد، لكن هل يمكن أن ينعش النظام الجديد القطاعين؟ في الواقع من المبكر الإجابة على هذا السؤال، فيما يمكن النظر مدى نجاح تجارب دول أخرى غيرت قوانين الإقامة لديها لنفس أهداف السعودية.

قطر وتركيا ومصر.. تجارب الآخرين لا تحقق طموح السعوديين

شرعت قطر منذ بداية العام الماضي في التغير في كثير من القوانين المتعلقة بالإقامة والمستثمرين، ففي يناير (كانون الثاني) 2018 أقر مجلس الوزراء القطري قانونًا يتيح للمستثمرين الأجانب التملك بنسبة 100% في معظم القطاعات الاقتصادية، بينما أعلنت عن الإجراءات التنفيذية الخاصة بالحصول على الإقامة الدائمة للأجانب في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه.

تركيا هي الأخرى كانت قد طبقت السياسة نفسها قبل الدوحة في 2017، إذ قررت منح الجنسية التركية، لمن يستثمر بأكثر من مليون دولار، أو منح الإقامة لمدة ثلاث سنوات للمستثمر الأجنبي، بصرف النظر عن القطاع ومبلغ الاستثمار، إلى جانب إلغاء قيمة الضريبة المضافة والبالغة نسبة 18% للمستثمرين الأجانب، بالإضافة إلى مبادرات للحصول على الجنسية التركية عبر شراء عقار، إلى جانب شروط الحصول على الجنسية، من خلال الإيداع المصرفي أو فتح منشآت تشغل عمالة تركية.

وفي مصر قررت الحكومة في يوليو (تموز) 2018 تيسير إجراءات منح الإقامة المؤقتة للأجانب في حال تملك العقار، إذ أصبح يجوز الترخيص للأجانب في الإقامة المؤقتة لغير السياحة مدة خمس سنوات، قابلة للتجديد، لمن يمتلك عقارًا أو أكثر، بمبلغ لا يقل عن 400 ألف دولار، كما يجوز الترخيص للأجانب في الإقامة المؤقتة لغير السياحة لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتجديد، لمن يمتلك عقارًا أو أكثر بمبلغ لا يقل عن 200 ألف دولار.

بالرغم من أن الدول الثلاث كانت قد وضعت أهدافًا ضخمة وتوقعت نتائج كبيرة -كما الحال الآن بالنسبة للسعودية- عن هذه الخطوات، لكن لم يتحقق منها شيء يذكر، وهذا ما قد يقوض من فرص نجاح خطوة السعودية بقوة، فالمنطقة بشكل عام باتت مفتوحة للمستثمرين، لكن المناخ السياسي والاستقرار بات المتحكم أكثر في اتجاه الأموال ليس فقط القوانين والتسهيلات.

أولى نتائج خروج الوافدين.. أزمة عقارية تهز دول الخليج

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد