«لماذا اختارت قوات الدعم هذا اليوم لعملية فض الاعتصام؟» يُجيب أحد المُشاركين في اعتصام القيادة العامة منذ أيامه الأولى، قائلاً :«كانت أعداد المعتصمين أقل ما يمكن مقارنة بالشهرين الفائتين؛ لظروف تتعلق بانصراف الكثير منهم للاستعداد للعيد، وتأدية بعض مصالحهم مع انتهاء شهر رمضان، والعودة من جديد للميدان؛ لذلك فالخسائر لن تكون كبيرة، والمقاومة أيضًا لن تكون كبيرة».

نهضت سمر يوسف، (33 عامًا)، في الساعات الأولى من صباح يوم التاسع والعشرين من رمضان الفائت، بمحيط ساحة القيادة العامة بالخرطوم، على وقع صوت همهمات أفراد قوات الدعم السريع داخل عربات مدون على لوحة السيارات (ق.د.س)، وآخرون بزي الشرطة السودانية في سيارات مدنية بدون لوحات.

انكشف لسمر يوسف ولغيرها لاحقًا أن هؤلاء الأفراد الذين يرتدون زي الشرطة يتبعون قوات الدعم السريع. رفعت سمر ومعها الآلاف أياديهم تحية لهم، بينما وقد علا صوتهم بالهتاف؛ اعتقادًا منهم أن هؤلاء الأفراد جاءوا لدعمهم في ميدان الاعتصام، كما فعل قائدهم محمد حمدان المشهور باسم حميدتي في بداية الثورة، ورحب بوصول المحتجين، ودعم مطالبهم بإسقاط البشير.

ظنون سمر ومن معها من المتظاهرين ذهبت نحو هذا الاحتمال أيضًا، بسبب وجود عربات وأفراد شرطة بشكل دائم داخل ميدان القيادة العامة طيلة أيام الاحتجاج دون أن يكون هناك رد فعل من جانبهم تجاه المعتصمين.

«واشنطن بوست»: ثورة السودان قد تنتهي مثلما حدث في تيانانمن.. أو أكثر مأساوية

غير أن اعتقاد يوسف ومعها المئات ذهب أدراج الرياح، بعدما انطلقت زخات الرصاص من فوهات أسلحة عناصر القوات من تجاه المحتجيين، وإشعالهم النيران في خيم المعتصمين، وهم نيام داخلها.

كانت سمر من بين المئات التي فرت ناجية تجاه بوابة القوات الجوية الواقعة داخل مقر القيادة العامة، مستغيثة بعناصر قوات الجيش التي ظلت «على الحياد» طيلة ساعتي الفض، ليبلغها المسؤول بورود تعليمات بعدم التدخل أو فتح البوابات لأي معتصم.

لجوء سمر لقوات الجيش كان من أجل الاحتماء فيهم أو الاختباء لديهم، بعدما استمرت أفراد الدعم السريع في مطاردة الناجين في الشوارع بحثًا عنهم بعد انتهاء فض الاعتصام «للبطش بهم»، وفقًا لتعبيرها. تصف سمر في اتصال هاتفي عبر أحد التطبيقات الحديثة لـ«ساسة بوست» هذا الموقف: «بالمتواطئ».

وتُضيف بصوت كان ينقطع بين الحين والآخر بسبب قطع شبكة الإنترنت في أغلب المناطق: «قوات الجيش تركتنا بلا أي دعم. تواطؤ واضح من قوات الجيش التي كان واجبها حماية المعتصمين، غير أنها تخلت عنهم، ورفضت الدفاع عنهم، خصوصًا من اتجهوا لبوابة القوات الجوية».

بررت عناصر الجيش هذا الموقف للمحتجين آنذاك بالالتزام بالتعليمات الواردة إليهم من المجلس العسكري الحاكم «بعدم التدخل سواء بالسلب أو الإيجاب».

ومع ذلك؛ كان مصير سمر ومعها المئات ممن فروا بعد ذلك في الشوارع الجانبية والمنازل اختباءً من أفراد الدعم السريع أفضل كثيرًا من غيرهم ممن انتهت حياتهم بإضرام النيران في أجسادهم وهم نيام داخل الخيام، أو بتصويب الرصاص تجاه رؤؤسهم أو صدورهم، وفقًا لثلاث شهادات متفرقة رووا لمُحرر «ساسة بوست» وقائع ما حدث في ذلك اليوم الدامي.

«نبتعد عن العاصمة فيزداد العنف».. حوادث الاغتصاب طالت الإناث والذكور!

أحد هؤلاء تخوف من الإفصاح عن اسمه كاملاً لأسباب تتعلق بمخاوفه على حياته الشخصية، بعدما فقد أحد أصدقائه عندما صوب تجاه رأسه أحد أفراد «الدعم السريع» رصاص سلاحه، ليسقط قتيلاً ضمن مئات القتلى.

يستعيد (م.س) بعضًا من وقائع فض الاعتصام قائلاً: «حالات اغتصاب مؤكدة ارتكبها الجنجويد، بعضها في منطقة الاعتصام (حالتين) وبعضها في أماكن أخرى من العاصمة الخرطوم، لإناث وذكور كذلك». يُضيف: «ما كان في أي استخدام للبمبان (الغاز المسيل للدموع، بالعكس الضرب كله كان قنابل صوتية ورصاصًا حيّا، حتى أنهم حاصروا العيادات الميدانية في ساحة «القيادة العامة»، ورأيت سيارة تتبع قوات الدعم تُطلق قذيفة على سيارة إسعاف داخل الاعتصام».

ولإزالة آثار جريمة فض الاعتصام، نقلت هذه القوات الجثث على سيارات تتبعهم، وألقتها في مياه نهر النيل، كما قاموا بعملية تنكيف لكافة الشوارع، وفقًا لهذه المشاهدة: «كان في حرق للعربيات ومطاردة للثوار والجرحى، وطبعا كان صوت إطلاق الرصاص والصراخ هو خلفية المشهد».

وكانت «لجنة أطباء السودان المركزية» قد أعلنت أنه تم توثيق انتشال 40 جثة من نهر النيل أمس نقلتها القوات الأمنية لجهة غير معلومة. وانتقل بعد ذلك هؤلاء الناجون لعدد من المستشفيات التي استقبلت الحالات مثل «رويال» و«يستبشرون» اللتين استقبلتا مئات الضحايا والجرحى.

عقب الانتهاء من فض الاعتصام، شرعت قوات الدعم السريع في نشر أفرادها داخل الشوارع، مع تعزيز حضورها على المناطق الحدودية بالعاصمة السودانية، التي ارتفعت فيها ضحايا التعذيب والقتلى، وهو ما يبرره عبد الجليل الفاتح، الصحافي السوداني بالقول: «كلما نبتعد عن وسط العاصمة يزداد العنف. لأسباب لها علاقة بإدراك أفراد الدعم السريع بعدم قدرة الإعلام على تغطية هذه المناطق، أو كشف جرائم مليشيا الجنجويد القبلية، فضلأ عن سبب آخر يتعلق بكونهم قبائل غير عربية».

سبب آخر يضيفه عبد الجليل هو أن توزيع عناصر الجنجويد قائم على ترك «أفضلهم» في الخرطوم، وكلما تزداد بعدًا من وسط العاصمة والميدان ترى «الصورة الميلشياوية» حاضرة في هؤلاء الأشخاص».

فض الاعتصام.. أمرٌ دُبِّر بليل واتفق عليه العسكر!

«لماذا اختارت قوات الدعم هذا اليوم لعملية فض الاعتصام؟» يُجيب عن هذا السؤال يوسف مدى، أحد المُشاركين في اعتصام القيادة العامة منذ أيامه الأولى، قائلاً :«كانت أعداد المعتصمين أقل ما يمكن مقارنة بالشهرين الفائتين؛ لظروف تتعلق بانصراف الكثير منهم للاستعداد للعيد، وتأدية بعض مصالحهم مع انتهاء شهر رمضان، والعودة من جديد للميدان؛ لذلك فالخسائر لن تكون كبيرة، والمقاومة أيضًا لن تكون كبيرة».

غير أن يوسف، العامل بإحدى المنظمات الدولية، لديه قرائن على أن وقوع عملية الفض في هذ اليوم، كان مُخططًا له قبل يومين، من واقع التعميم الذي أصدرته كافة السفارات الأجنبية لمواطنييها بعدم التواجد في ميدان الاعتصام، وأيضًا التعليمات المُشددة للقنوات الأجنبية بمُغادرة طواقمها الصحافية قبل الفض».

يكمل: «الأمر كان معروفًا للجميع؛ لماذا تعلو أصواتهم الآن بالشجب؟». يسكت برهة ثم يضيف: «أداءات استعراضية بهدف التظاهر بدعم السودانيين وحقوق الإنسان».

ووفقًا لمصدر عسكري برتبة متوسطة، تحدث لـ«ساسة بوست» شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن ثلاثة أشخاص داخل المجلس العسكري يقفون بشكل رئيسي وراء تنفيذ هذه «المذبحة»، وهم عبدالفتاح البرهاني، رئيس المجلس العسكري، وحميدتي، والناطق الرسمي باسم المجلس العسكري الانتقالي الفريق الركن شمس الدين كباشي.

ويُكمل المصدر العسكري لـ«ساسة لوست»: «حميدتي شق حالة الوفاق التي ظلت قائمة حتى اللحظات الأخيرة بكتابة وثيقة بعد تكلل المفاوضات بنجاح، قبل أن يتدخل في اللحظات الأخيرة مدعومًا بالاثنين الأخيرين لإعلانه التمسك بأن تكون الأغلبية في المجلس الذي سيُشكل لحكم السودان من أغلبية عسكرية، ورئاسة كاملة للعسكريين، وتمثيل محدود للمدنيين. وحدد ثلاثة أشخاص للمدنيين وسبعة للمجلس العسكري».

بينما برز جناح مواز داخل المجلس العسكري لنفوذ ورغبة هؤلاء الثلاثة في فض ميدان الاعتصام يقوده الفريق ياسر عبدالرحمن العطا، نائب رئيس القوات البرية، وقائد القوات البحرية إبراهيم جابر، وأخيرًا الفريق أول ركن عمر زين العابدين الذي أيدهم «على استحياء»، على حد تعبير المصدر العسكري الذي أكد أن هناك أخبارًا رائجة وسط الضباط متوسطي الرتبة حول وضع الأول والثاني «تحت الإقامة الجبرية».

أخيرًا، سعت السلطات السودانية عبر وكالة الأنباء الرسمية إلي التأكيد على أن عدد القتلى في فض الاعتصام أمام وزارة الدفاع لا يتجاوز 46 وذلك نقلا عن مسؤولين في وزارة الصحة. بينما قالت لجنة أطباء السودان المركزية إن عدد القتلى وصل إلى 108 من بينهم 40 انتشلت جثثهم من النيل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد