يجلس صامتًا منذ آلاف السنين، يراقب القاهرة والجيزة أو يحرسهما في ثبات يُضرب به المثل لدى المصريين، فيقولون صامتًا مثل «أبو الهول»، ولكن هذا التعبير لم يأت من ثباته فقط، فهو في النهاية مثله مثل أي تمثال آخر لن يتحرك، ولكن ربما هذا التشبيه يعود إلى سبب مهم، وهو عدم بوح أبو الهول عن أسراره، فكل بناء تقريبًا في مصر القديمة به نقوش تخبرنا عن قصته وقصة من بناه واسمه وعمره أيضًا، ولكن هذا الصرح الذي يبلغ طوله 73 مترًا؛ إذا قلنا إننا لا نعرف عنه الكثير بشكل مؤكد؛ فليس هناك أي مبالغة هُنا.

«أبو الهول» و«سفنكس» وأي تسميات أخرى حصل عليها هذا التمثال هي تسميات حديثة، ولكن اسمه الأصلي الذي أُطلق عليه وقت بنائه لا نعرفه حتى الآن، كما أن عمره، والذي ظن علماء الآثار لفترة طويلة أنه ما يقرب من 4500 عام؛ لم يعد معلومة أكيدة أيضًا، فما قصة هذا التمثال الغامض؟ ولماذا ما زال الغموض يحوم حوله؟

فرضية التعرية المائية لأبو الهول

إذا بحثت على محرك البحث «جوجل» عن عمر أبو الهول ستجد أن العمر المذكور في معظم المواقع الإلكترونية هو 4500 عام، ورجح علماء الآثار أن من أمر بنحته هو الملك خفرع أو خوفو، وهذا العمر الذي كان معترفًا به من قِبل علماء الآثار لفترة طويلة، ولكن حديثًا ومع تطور الأجهزة الحديثة التي أتاحت للباحثين إجراء دراسات وأبحاث على أبو الهول وأحجاره؛ بدأت الشكوك تحوم حول هذا الرقم، بل إن هناك بعض العلماء نفوا تمامًا صحة هذا العمر لأبو الهول.

جاء روبرت ميلتون إلى مصر في عام 1990 لهدف واحد فقط، وهو دراسة تمثال أبو الهول من منظور جيولوجي، وهو ما سمح به تخصصه، لأنه أستاذ في علوم الطبيعة بجامعة بوسطن، والنتائج التي وجدها روبرت تتعارض كثيرًا مع المعلومات التي اتفق عليها علماء الآثار في أنحاء العالم، وجرى نشرها عن أبو الهول.

صورة لأبو الهول مُهداة من السائحة الهولندية إيفون تاكين لـ«ساسة بوست» 

وتعد المعلومة الأهم هي الزمن الذي بني فيه هذا التمثال، فما أكده ميلتون من خلال دراسة الأحجار المكونة للجزء السفلي من جسد تمثال أبو الهول، أو قاعدة التمثال؛ أن هناك آثارًا جيولوجية واضحة لتآكل تلك الأحجار بسبب هطول أمطار كثيفة، أو جريان مستمر للمياه لفترات طويلة، وهو الأمر الذي يتعارض مع العمر المذكور لأبو الهول من قبل علماء الآثار، وهذا لأن الظروف المناخية في المكان الموجود به التمثال منذ 5 آلاف عام لا تتوافق مع وجود المياه، فقد كانت منطقة قاحلة تمامًا، وقد انتشرت تلك النظرية في أنحاء العالم تحت اسم «فرضية التعرية المائية لأبو الهول» والتي أطلقت عليها بعض وسائل الإعلام أنها معلومة قد تعيد كتابة التاريخ.

والغريب في الأمر أن باقي جسد أبو الهول – الجزء العلوي-  لا تظهر عليه عوامل التعرية المائية نفسها، بل عوامل تعرية ناتجة من الرياح والرمال، وهي التأثيرات المتوافقة مع مكان وجود أبو الهول حاليًا في منطقة الجيزة، ما الذي يعنيه هذا؟

«وبلغت في الأرض أقصى العمر» 

يوضح ميلتون أن تلك النتائج ليس لها سوى معنى واحد، وهو أن الجزء السفلي من تمثال أبو الهول يعود تاريخه لفترة تسبق ما ظنه علماء الآثار، ووفقًا للظروف المناخية في تلك المنطقة الصحراوية، فهي لم تتعرض لتلك الكمية من هطول الأمطار أو جريان المياه سوى من 12 ألف عام، تحديدًا في نهاية العصر الجليدي، وتعارضت آراء علماء الآثار موضحين أن من الصعب أن يكون عمر أبو الهول يعود للعصر الجليدي؛ لأن رأس التمثال تجسد بوضوح رأس ملك مصري كما عرفناها في جميع التماثيل الأخرى.

ولكن نظرية ميلتون تأخذ الأمر إلى بُعد آخر، وهو أن تلك الرأس التي نراها الآن ليست الرأس الأساسية لأبو الهول، موضحًا أن حجم الرأس بالنسبة للجسد يعد أصغر نسبيًّا، موضحًا أنه من الممكن أن يكون التمثال الأصلي كان لأسد كامل أو لبؤة، وبعد أن تهدم الرأس أعاد المصريون نحته مرة أخرى على شكل رأس بشري بحسب نظريته.

صورة لأبو الهول مُهداة من السائحة الهولندية إيفون تاكين لـ«ساسة بوست» 

يصف الشاعر المصري أحمد شوقي أبو الهول قائلًا: «وبلغت في الأرض أقصى العمر»، وهذا البيت الشعري ربما يكون الأكثر تعبيرًا عن نظرية أخرى أثيرت حول عمر بناء أبو الهول، ففي عام 2008، وخلال فعاليات المؤتمر الدولي لعلم الآثار الجيولوجية ببلغاريا، قدم العالمان الأوكرانيان مانشيف فاجيسلاف، وألكسندر بروخمونكو، ورقة بحثية ما زالت محلًّا للجدل حتى الآن، تحت عنوان: «الجانب الجيولوجي لمشكلة تأريخ تمثال سفنكس المصري الكبير»، وأكدوا أن نقطة الانطلاق في هذا البحث جاءت بعد انتشار نظرية ميلتون وفرضية التعرية المائية لأبو الهول.

ما يزيد على 75 ألف عامًا هو العمر الذي قدرته تلك الورقة البحثية له، واستندت تلك الدراسة إلى وجود تطابق تام لشكل تآكل الكهف العلوي الكبير على تمثال أبو الهول مع مستوى سطح الماء الذي وجد في أوائل العصر البليستوسيني، ما يعني أن أبو الهول كان مغمورًا جزئيًّا في ذاك الوقت، ثم جاءت نظريات أخرى غير مدعومة تقول إن عمر أبو الهول هو 36 ألف عام، وفي المقابل لم يقدم علماء الآثار أي نفي مؤكد، أو إثبات لكل تلك النظريات وهذا لأن العمر الفعلي لأبو الهول ما زال «لغزًا»، هذا بجانب اسمه الأصلي الذي بني به، وسبب بنائه من الأساس.

وهذا الغموض الذي يحيط بأبو الهول، والجدل الذي لم يحسمه العلم حتى الآن بشكل قاطع؛ كان له دور في بناء العديد من الأساطير حول هذا التمثال الكبير، ولكن بعض تلك الأساطير ما زال يعيش حتى وقتنا هذا، ويأتي السائحون إلى مصر لإيمانهم بتلك النظريات التي تخص الطاقة والروحانيات، وهو الانطباع الذي طالما جاء جنبًا إلى جنب مع معابد مصر القديمة وآثارها.

«بوابة الأسد.. بوابة النجوم» 

الإيمان بصفات الأبراج ليس إلا بداية بسيطة لسلسلة من المعتقدات التي تخص الفلك، والتي يؤمن بها البعض في أنحاء العالم، وهؤلاء يصدقون أن لتلك الأحداث الفلكية تأثيرًا روحيًّا وجسديًّا في الإنسان، وتعد بوابة الأسد أو «Lion Gate» واحدة من أهم الأحداث الفلكية التي يصدق الكثير بوجودها، وتقول الأسطورة إن تلك البوابة الفلكية بين الأرض والسماء تُفتح حينما يكون النجم Sirius (النجم الأكثر سطوعًا في السماء) في أقرب نقطة له من الأرض، حيث يكون ثابتًا فوق الهرم الأكبر بالضبط خلال شهر أغسطس (آب) من كل عام.

يمكنك أن ترى النجم ساطعًا بوضوح فوق أهرامات الجيزة في هذه الصورة

تلك البوابة – وفقًا للأسطورة- يحرسها أسد هو أبو الهول، وحتى يمر البشر نحو حياة أفضل وصحة أفضل عليهم أن يأتوا إلى الحارس – أبو الهول- ويطلبون الإذن بالعبور، وربما النص المذكور في نصوص الأهرام والذي يقول: «احذر من الأسد فهو المسؤول عمن سُمح لهم بالمرور أو أمروا بالمجيء.. احذر من الأسد»؛ قد ساعدهم في تصديق ذلك.  الهولندية إيفون تاكين واحدة من المهتمين بمصر القديمة وعلاقتها بالطاقة والعلاج بها، وهي مشاركة ومؤسسة في المنتجع العلاجي «بيت الحياة» في سوهاج.

إيفون من أمام أبو الهول

تقول إيفون لـ«ساسة بوست» الذي حاورها من أمام أبو الهول: «بالنسبة لي أبو الهول هو بوابة نجمية، وقد أدرك المصريون القدماء ذلك، والبوابات النجمية هي منفذ قوي وفعال بين عالم الأرواح أو السماء والأرض». عندما جاءت إيفون لمصر للمرة الأولى في عام 2007 – تخبر «ساسة بوست» – أنها قد سمعت رسالة في داخلها من أبو الهول: «لقد تحدث أبو الهول وقال لي: لقد جئت أخيرًا لقد انتظرناكِ وقتًا طويلًا.. وقد غيرت تلك الكلمات حياتي».

وأكدت أن تلك الكلمات وتلك اللحظة أمام أبو الهول هي ما دفعتها للمشاركة وتأسيس مركز للعلاج بالطاقة في مصر؛ إذ تأتي كل عام مع مجموعة من السائحين ليزوروا أبو الهول وينفذون من بوابته – على حد وصفها- إلى عالم الروح.

في منتصف العام الماضي 2020، نشرت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» تقريرًا يسلط الضوء على ظاهرة فلكية تميز مكان وجود تمثال أبو الهول، ووفقًا  لتصريحات وزارة الآثار المصرية لناسا: فإن تمثال أبو الهول حظي بلحظةٍ «فلكية مميزة» مع الشمس خلال فترة الاعتدال الربيعي، وهذا عندما ظهرت الشمس في لحظة سطوع قوية، على كتف التمثال في يوم 19 مارس (آذار)، وهذه الظاهرة تحدث مرتين فقط من كل عام، وذلك خلال الاعتدال الربيعي في مارس والاعتدال الخريفي في شهر سبتمبر (أيلول).

مزيد من الأسرار والغموض حول هذا التمثال الذي عجز العلم بكل ما وصل إليه من تطور وتقنيات حديثة، أن يحسم بشكل قاطع تاريخ هذا الصرح الضخم الجالس ثابتًا على قمة الجيزة يراقب البشر أجيالًا وراء أجيال تحاول معرفة أسراره، ولكنه صامت لا يخبرنا بشيء.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«كتاب الموتى».. ماذا يقول قدماء المصريين عن الحياة بعد الموت؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد