بماذا تشعر عندما تنظر إلى عنكبوت على الحائط أمامك؟ ربما بالخوف أو الاشمئزاز أو حتى الغضب من كيفية دخول هذه الكائن إلى منزلك وبنائه بيتًا رغم عمليات النظافة المستمرة التي تقوم بها. لكن العناكب ليست مجرد كائنات بسيطة تعيش بيننا، يغضبنا وجودها في بيتنا ونعمل سريعًا على قتلها والتخلص من شباكها. بل ربما عليك أن تفكر كثيرًا قبل أن تأتي بقطعة القماش وتزيل شباك العناكب، فهي ليست من مجرد خيوط حريرية بسيطة.

تمتلك العناكب نوعًا غير عادي من الوعي الذي لا يمكننا استيعابه بسهولة، بما في ذلك عقولها التي تتجاوز أجسادها والمتمثلة في بيوتها أو شباكها. وبسبب جهلنا وربما غرورنا ونظرتنا لأنفسنا أننا سادة الكوكب، فإننا نقوم بقتل هذا النوع غير العادي من الذكاء على الفور. هذه ليست مبالغة، ولكن هناك ذكاء غير عادي يعيش بيننا يستحق أن نتأمل فيه وفي قدراته المذهلة.

العناكب.. تنافس الثدييات والطيور في قدراتها الإدراكية

عندما ننظر إلى العديد من اللافقاريات، فنحن نفترض أننا ننظر إلى كائن حي في جسم آلي يفتقر إلى الحياة الداخلية، وهو ما يجعلنا نقتله بسهولة ودون شفقة. لكننا نكتشف الآن أن بعض العناكب تمتلك قدرات إدراكية خفية تنافس قدرات الثدييات والطيور، بما في ذلك التبصر والتخطيط والتعلم المعقد وحتى القدرة على أن تشعر بالمفاجأة.

Embed from Getty Images

(العناكب من أكثر الكائنات المخيفة للبشر)

من ضمن افتراضاتنا الخاطئة أيضًا؛ ما يتعلق بتلك الشباك التي تبنيها في كل مكان. نحن نعتقد أنها مجرد وسيلة للصيد والحصول على الطعام، مع اعتبارها «أهون البيوت» التي يمكن أن يبنيها كائن حي. الغريب، أن تلك الخيوط الحريرية الدقيقة التي تغزلها العناكب ويمكن أن ندمرها ببساطة باستخدام خرقة أو عصا من الريش، تساعدهم على الشعور وتذكر عالمهم. في الواقع، يعد حرير العنكبوت مهمًا جدًا لقدراتهم المعرفية حتى أن بعض العلماء يعتقدون أنه يجب اعتباره جزءًا من أذهانهم ذاتها.

يرجع تاريخ أول دليل أحفوري عن العناكب المنتجة للحرير إلى ما يقرب من 400 مليون عام، بعد فترة وجيزة من حصولنا على أول وأقدم دليل قاطع على وجود الحشرات. تعد الحشرات أكثر السلالات انتشارًا على الأرض، والعناكب تسير على خطاها إلى حد كبير. اليوم، هناك أكثر من 48 ألف نوع معروف من العناكب، كل متر مربع من الأرض يعد موطنًا لحوالي 130 فردًا في المتوسط. قد يرعب ذلك أولئك أصحاب الخوف من العناكب، ولكن بدونها، ستكون عملية الزراعة مستحيلة، إذ أنه لولا قضاء العناكب على الحشرات، لقامت الأخيرة بالتهام كل محاصيلنا.

شباك العناكب.. أكثر تعقيدًا مما تتخيل

تعرف العناكب من خلال أرجلها الثمانية وعضوها المسؤول عن غزل الحرير. يتكون الحرير الخاص بالعناكب من بروتين مكون من سلاسل من الأحماض الأمينية، في المقام الأول حمضي الجليكاين والألانين. تستخرج العناكب هذه الخيوط الحريرية وتمشطها باستخدام أرجلها الخلفية لتقويتها. ويمكن لبعض الأنواع من العناكب إنتاج ألياف بتركيبات كيميائية مختلفة حسب احتياجاتها الخاصة.

يعد حرير العنكبوت مصدر حسد للمهندسين البشريين، إذ يستعمل في مجموعة كبيرة من الاستخدامات، بما في ذلك بناء الشرانق، والطيران مثل التحليق الشراعي، وحبل للتسلق والهبوط من القمم. يستخدم كثير من العناكب أيضًا هذا الحرير في رحلة تُعرف باسم «الطيران بالبالون»، إذ يحمل عدد قليل من الخيوط الحريرية العنكبوت، وترفعها القوى الإلكتروستاتيكية في الغلاف الجوي، لتطير بها النسمات الرقيقة للهواء لمسافات بعيدة وعلى نطاق واسع. ويمكن لهذه الأنواع من العناكب رصد هذه القوى الإلكتروستاتيكية والتحكم فيها من خلال الشعر الموجود على أرجلها. ويمكن للعناكب أن تشعر بالتغير في حركة الهواء، وبالتالي التحكم في رفع الأشرعة البالونية أو إنزالها من أجل الهبوط.

يوضح الخبراء أن التنوع الكامل للحرير الخاص بالعناكب يساعد على تفسير النجاح التطوري الهائل لها. ليس هذا فحسب، لكن ذكاءهم سيكون أقوى وأبرز أيضًا بسبب هذا الحرير. الدليل الأفضل الذي يوضح ذكاء العناكب يمكن العثور عليه ومشاهدته في النشاط اليومي لبناء الشباك. ما يقرب من ثلث جميع الأنواع تصنع شبكات دائرية، وهو ما يدل على أن تلك الكائنات التي يراها البعض أقرب للوحوش الصغيرة، تمتلك قدرات هندسية جميلة تبرزها في منازلنا وحدائقنا.

شباك العناكب وسيلتها لوضع الخطط

هل فكرت سابقًا في كيفية بناء العنكبوت لشباكه في هذه الأماكن الصعبة؟ كل نوع من أنواع العنكبوت التي تبني الشباك الدائرية له حجم وشكل مفضل للشبكة لتناسب نوع جسمه وفريسته. لكن العنكبوت يصمم هيكل الشبكة لتناسب المساحات المقيدة أو للدوران حول العقبات التي تظهر أمامه. هذا يشير إلى أنه قبل بدء البناء، يقوم العنكبوت بإجراء نوع من التخطيط.

علوم

منذ 11 شهر
«الخفاش يمص الدم والبرص يبخ سمه في الملح».. 4 خرافات عن مملكة الحيوان

أحد التفسيرات في كيفية قيام العناكب لهذا التخطيط، هو استخدام حريرهم باعتباره نوعًا من الخط الوازن لاستكشاف موقع الشبكة المحتمل. في مرحلة الاستكشاف، تُلقي بعض العناكب أولاً خطًا حريريًا أفقيًا بين سطحين ثم تعبره وهي تهبط وتصعد في نقاط مختلفة على طول الطريق. هذا يمكن أن يسمح لهم بتقدير أبعاد الفضاء في منطقة البناء. يبدو أن بإمكانهم بطريقة أو بأخرى معرفة حجم الحرير ومقدار الوقت الذي يقضونه في الاستكشاف. وثقت هذه القدرة في العديد من الثدييات والطيور، ولكن لم يكن العلماء قد شاهدوها من قبل بين اللافقاريات.

قدرة العناكب على توليد تخطيط بيئي مسبق لبيئتهم من شأنه أن يساعد في شرح السلوكيات الأخرى التي يبدو أنها تتطلب مستوى معينًا من التبصر والتخطيط. على سبيل المثال، تغيّر العناكب حجم شبكاتها وبنيتها وفقًا لاحتياطيات الحرير المتبقية في الغدد لديها، مما يضمن عدم نفاذها بشكل مفاجئ خلال عملية البناء. كما أن العناكب حساسة للطقس، ففي درجات الحرارة المنخفضة، يصنعون هياكل أبسط ذات فجوات أكبر لتجنب إنفاق الكثير من الوقت وسط البرد.

التطور المعرفي للعناكب تكشفه الشّباك

يتضح التطور المعرفي في الطرق التي تحافظ بها العناكب على الشبكة وتكيفها بعد البناء أيضًا. تغير العناكب قوة شد الخيوط الحريرية في المناطق التي من المرجح أن تصطاد فيها الحشرات أكثر من المناطق المستبعدة، بناءً على كميات الصيد السابقة. يتضح هنا مقدار الذكاء الذي تتميز به هذه الحيوانات. إذ تزيد قدرة الشد من انتقال الاهتزازات من الحشرة التي تكافح للهرب بعد اصطيادها، مما يسمح للعنكبوت المنتظر الاستجابة بسرعة أكبر.

Embed from Getty Images

(شباك العناكب تحمل قدرات إدراكية)

تغير العناكب أيضًا أبعاد الشبكة وفقًا لحجم الفريسة الموجودة حاليًا. بل يمكن أن يتعلموا حتى من الأخطاء القريبة، فمثلًا إذا علقت الفرائس في الشبكة ثم هربت، ستضع العناكب حريرًا أكثر لزوجة لضمان عدم حدوث ذلك في المستقبل. يمكن أن تفكر تقريبًا في الشبكات باعتبارها أدوات عناكب «تُضبط» بعناية وفقًا لتجاربها السابقة. هذا يدل على أن العناكب أكثر مرونة مما اعتقدنا في السابق.

العناكب.. لديها القدرة على الإحساس بالأعداد

أحد أنواع العناكب تقوم بعملية الصيد مثل القطط الصغيرة. غالبًا ما ينتوي هذا على التخطيط المسبق وتحديد المسار. وأوضحت تجارب العلماء على هذه النقطة، إذ دائمًا ما تحفظ العناكب المسار الصحيح لطريقها، مما يشير إلى احتفاظهم بخريطة في ذاكرتهم العملية. ليس هذا فحسب، فإذا ما خيرتها بين طريقين للوصول إلى فريستها فإنها دائمًا ما تعرف الطريق الأقصر والأسرع للوصول، وهو ما يدل على وضع العناكب لخطط مسبقة حول طريقها. تستخدم العناكب هذا النوع من المعرفة والتخطيط لنصب كمين لفرائسها والانقضاض عليها من الخلف.

ويبدو أن بعض العناكب قادرة على أن تتفاجأ. فعندما غير الباحثون في بعض التجارب الفريسة دون أن يعرف العنكبوت، أدى ذلك إلى توقفه، وهو مؤشر على الارتباك. كذلك تتوقف هذه الأنواع من العناكب في حالة ارتباك إذا وجدوا فرائسهم أكثر أو أقل من العدد المفترض أن يكونوا قد شاهدوه في نقطة المراقبة التي اختاروها لأنفسهم. هذا يشير إلى أن هذه العناكب لديها القدرة على الإحساس بالأعداد.

العناكب تُغيِّر مفهوم الذكاء في الحيوانات

تشير هذه النتائج إلى وجود إدراك متقدم في العديد من أنواع العناكب. ومع ذلك، فإن أدمغة هذه المخلوقات غالبًا ما تكون دقيقة، تخيل أن بعض أنواع العناكب تزن ما بين 50 و80 ملليجرام، وأدمغتهم ليست سوى جزء بسيط من ذلك. تسببت هذه النتائج في إعادة النظر في تعريف «العقل» الحيواني.

Embed from Getty Images

(شباك العناكب أكبر من كونها وسيلة للصيد)

هناك مفهوم «الإدراك الموسع»، وهي فكرة كانت مثيرة لعلماء النفس في الآونة الأخيرة. صاغ الفلاسفة هذا المصطلح لوصف طريقة دمج أدواتنا في عملية تفكيرنا. ننتقل إلى الكمبيوتر المحمول أو الهاتف الذكي، على سبيل المثال، باعتباره مصدر ذاكرة خارجي يمكن الوصول إليه حسب الرغبة. في وجهة نظر مفهوم «الإدراك الموسع»، فإن عقولنا تمتد إلى ما وراء أدمغتنا لتشمل جميع الأشياء التي تسهم في إدراكنا وذاكرتنا وتفكيرنا.

هذا يعني أن استخدام العنكبوت للحرير يعتبر مثالًا طبيعيًا للإدراك الموسع. التجارب التي تجرى على شباك العناكب يمكن أن توضح طبيعة ما يشعرون به في بيئتهم، مما يؤثر بشكل مباشر على قراراتهم المستقبلية. نتيجة لذلك، يتم الاستعانة بمصادر خارجية خارج ذاكرة جسم العنكبوت لصنع القرار. قد تكون العناكب طورت إدراكًا موسعًا لمساعدتها على البقاء والنمو في بيئات متنوعة.

علوم

منذ 10 شهور
هل صادفت «زومبي» حقيقيًّا من قبل؟ 6 أنواع من «الزومبي» تغزو الطبيعة حولنا

الآن، وقد بدأنا في التعرف بشكل أعمق على القدرات الفكرية للعناكب، ربما يجب علينا بالتأكيد تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى أي عنكبوت يسير أمامنا، خصوصًا وأن العناكب تعد واحدة من أكثر مجموعات الحيوانات انتشارًا وأهمية في كل مكان. هذه المخلوقات المذهلة تتحدى أيضًا فهمنا لذكائنا وعقولنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد