يا لها من مفارقة، الغرب الذي ظل مدة طويلة يعيب على الشرق إيمانه بالغيبيات ويسخر منها؛ دون أن يدرى، أوجد تربة خصبة لتنمو عنده حركة غيبية، لفظها في قرون سابقة، وإذ به يغدو قائدًا لما أسماه سلفًا «الخزعبلات»، وأسماها لاحقًا «الروحية»، أو ما يُعرف في عالمنا العربي بـ«تحضير الأرواح».

فوكس.. عائلة فجرّت عالم الأرواح في أمريكا

في ديسمبر (كانون الأول) 1847 انتقلت عائلة فوكس إلى منزل جديد في قرية هيدزفيل القريبة من مدينة روتشستر في ولاية نيويورك الأمريكية، العائلة المكونة من الأب جون فوكس، والأم مارجريت، وابنتهما كيت ومارجريت؛ سمعوا أن هذا البيت «مسكون»، لم يعبأوا بهذه الخرافة، لكن منذ اللحظات الأولى لهم في البيت، وأشياء غريبة بدأت تحدث تدريجيًا، أصوات تأتي من أماكن مجهولة ولا مصدر لها، الأثاث يتحرك ويصدر أصواتًا، حاولت العائلة البحث عن هذا البشري الأحمق الذي يراوغهم، فلم يجدوا شيئًا وازداد الأمر سوءًا؛ أما الطفلتان فقد لازمتا والديهما النوم في نفس الغرفة.

كيت ومارجريت فوكس – مصدر الصورة: theparisreview

31 مارس (آذار) 1848، هذه هي الليلة التي بدأ عندها كل شيء، الطفلتان في غرفة نوم أبويهما، والأصوات بدأت في إزعاجهم مجددًا، أصوات دق عالية، حاولت الطفلتان تقليد الأصوات بطقطقة أصابعهن على سبيل اللعب، وكانت المفاجأة أن الأصوات استجابت للطفلتين، طلبت الطفلة كيت من مصدر الصوت أن يقلدها وصفقت، فجاء الصوت مماثلُا لها، فعلت مارجريت مثل أختها، فكان الردّ مماثلاً كذلك، خافت الطفلتان، فقررت الأم أن تختبر هذا الصوت بأن سألته أن يصفق بعدد سنوات أعمار أولادها، فجاء الرد مدهشًا، إذ أن الصوت أخبرها بعُمر طفلتيها الموجودتين، وعُمر ابنتها الكبرى المتزوجة، وابنها المتزوج، وأخبرها أيضًا بعمر طفل مات لها.

وفقًا لما كتبته الأم كشهادة خاصة لها؛ فإن مصدر الصوت كان روح بائع متجول قتل في البيت الذي سكنته عائلة فوكس، ودفن على عمق 10 أقدام تحت أرضية القبو، وكان المال الدافع الرئيسي للجريمة، هذا ما باح به الصوت للأم مارجريت فوكس عن طريق النقر، طالبت الأم الروح السماح لها بإحضار الجيران لمشاركتهم قصة القتل، فلن يصدق أحد ما ستخبرهم به، ووافقت الروح، وبالفعل جاء الجيران واحدًا تلو الآخر، وفي صباح اليوم التالي كان هناك أمام المنزل ما يقرب من 300 شخص أتوا ليتحدثوا مع الروح.

نزل جون فوكس ومعه بعض الجيران إلى القبو وحفروا أسفله، وعثروا على بعد خمسة أقدام تقريبًا على بقايا شعر وعظام، ولم يستطيعوا التقدم في الحفر بسبب المياه، حاول الأب أن يبعد طفلتيه عن هذه الأحداث فأرسل كيث لتعيش مع أخيها ديفيد، ومارجريت لتعيش مع أختها ليا، وكانت المفاجأة أن الروح تتبعت الطفلتين كل على حدة، ومن هذه اللحظة عُرف أن الأختين ولحقت بهما بعد ذلك الأخت الأكبر، هم وسطاء روحيون، أي أن من خلالهم فقط يمكن التواصل مع الأرواح.

مجتمع

منذ 3 سنوات
كما تتخلص من سموم الجسد.. هكذا تنقِّي روحك أيضًا من المشاعر السلبية
1633
إيثار جمال

الروحية تطير إلى أوروبا

انتشرت أخبار عائلة فوكس في كل الوسائط الإعلامية، وتدخلت الحكومة والجهات العلمية لتفسير تلك الحادثة، خاصة أن شهرة الأختين فوكس وشعبيتهما بدأت تزداد، فشكلت ثلاث لجان رسمية متوالية ساهم فيها عدد كبير من العلماء والباحثين الذين انتهوا متفرقين ومجتمعين إلى نسبة هذه الظواهر إلى كائنات غير منظورة هي أرواح الموتى ممن انتقلوا إلى العالم الآخر.

الوسيط الروحي دانيل دنجلاس هوم – مصدر الصورة: historicmysteries

ومن أبرز من بحثوا هذه الظواهر وفقًا لكتاب «تحضير الأرواح» لصاحبه أحمد حسن الشيخ؛ جون وورث إدموندز والذي كان رئيسًا للمحكمة العليا بنيويورك وعضو مجلس الشيوخ الأمريكي، والذي كتب بيانًا إلى الجمهور يؤكد فيه صدق التواصل الروحي، تلاه في التصديق جيمس مابس عالم الكيمياء وروبرت هير أستاذ الكيمياء بجامعة بنسلفانيا، وازداد اقتناع الثلاثة بعد تجارب أخرى مع الوسيط الروحي دانيل دنجلاس هوم.

أما بريطانيا فقد سارت على خطى الولايات المتحدة في تقليد الروحية الجديد، والذي صار أشبه بالمعتقد الديني، فأجرى السير ويليام كروكس رئيس الجمعية الملكية لتقدم العلوم، مقابلة مع كيت فوكس بنفسه للبحث، وخلصت أبحاثه العلمية إلى تقرير سنة 1874 بعنوان «بحوث في ظواهر الروحية»، وبعد هذا البحث اتسعت حركة البحث العلمي حول الروحية حتى شملت العشرات ثم المئات من أبرز مفكري القرنين التاسع عشر والعشرين في شتى البلاد، تزامنًا مع تشكيل الجمعيات الروحية المختلفة في العالم، وجابت الجلسات الروحية الأرض.

وسائل الإعلام ساهمت أيضًا في الترويج للروحية والأخوات فوكس، فرغم تصديق اللجان الرسمية لظاهرة عائلة فوكس، إلا أن هناك تحقيقات رسمية أخرى أثبتت أن الأختين قد قامتا بخداع الجمهور؛ لكن الإعلام لم يلتفت لذلك، فأصوات الطقطقة والنقر مثلاً كانت الأختان تزيفها عبر مفاصل أقدامهما، بل إن مارجريت فوكس اعترفت بذلك عام 1888، لكن هذا لم يوقف تيار الروحية أو يخلخلها من مكانها، فالتربة الغربية المتعطشة لما هو غير مادي، كانت قد ارتوت تمامًا على ما يبدو بتلك الادعاءات.

فنون

منذ سنة واحدة
«لعنة الكولونيل كنتاكي».. أغرب الخرافات المُصدّقة حول العالم!
988
فريق العمل

جمعيات وكنائس روحية.. معًا لمخاطبة الأرواح

صُنفت الروحية بأنها حركة دينية مستقلة إلا أن التصنيف الأغلب أنها وسيلة لتقديم الأدلة لدعم المعتقدات الدينية في الحياة بعد الموت ووجود الروح، وبالأخص أن أول كيان روحي أنشئ كان الكنيسة الروحية في مدينة كيلي بمقاطعة يوركشاير في بريطانيا، وفي عام 1855 في كيلي أيضًا صدرت أول صحيفة روحية بعنوان «The Yorkshire Spiritual Telegraph» ومن كيلي انتشرت الكيانات الروحية إلى جميع أرجاء بريطانيا وأوروبا.

إحدى الكنائس الروحية في ولاية نيويورك. بالولايات المتحدة الأمريكية. مصدر الصورة: wikipedia

في أواخر عشرينيات القرن العشرين كان هناك حوالي ربع مليون من ممارسي الروحانيات وألفين من المجتمعات الروحية في بريطانيا، بالإضافة إلى المزارات والمنازل الصغرى، ومن أبرز تلك الكيانات؛ «جمعية بريطانيا العظمى الروحية»، والتي دشنت في يوليو (تموز) من عام 1872 تحت اسم جمعية «ماريلبون الروحية»، وخلال سنواتها الأولى عُقدت اجتماعات في مواقع مختلفة في جميع أنحاء لندن، وشيئًا فشيئًا تمكّنت الجمعية من تأمين مكان خاص بها، ومقرها الحالي في لندن.

كانت الكيانات الروحية في بادئ الأمر تقتصر على جلسات تحضير الأرواح فقط، كانوا يدخلون غرفة مظلمة تمامًا أو بها إضاءة خافتة والروحانيون والوسيط الروحي، ولابد من وجود الوسيط والذي يعتبر أهم ما في الجلسة، فالروح لا يمكن أن تتواصل مع الأشخاص دون أشخاص لديهم ملكة الوساطة الروحية، بعد ذلك يحدث تواصل مع أحد الأرواح، طوّرت الكيانات الروحية أعمالها فصار لديها أنشطة علاجية للمرضى من السحر والمس والأمراض المستعصية وغير ذلك من أمراض.

الجراحات الروحية.. يوسف وهبي أجرى واحدة؟

الجراحة الروحية فكرة جديدة دخلت مضمار الكيانات الروحية، كانت في بادئ الأمر عبر تحضير الأرواح لمن هم من الأطباء -على حد زعمهم- ليجروا للمريض جراحة روحية لا يشعر بها، فقط يصيبه نوع من الإنهاك والإغماء أحيانًا، وتروي الدكتورة نادية رضوان أستاذة علم الاجتماع؛ في كتابها «رحلتي إلى عالم الجن والعلاج الروحاني» والصادر عام 2001 وهو أشبه بسيرة ذاتية في رحلة علاج طويلة من آلام الصداع، أنها لجأت إلى «جمعية بريطانيا العظمى الروحية» لعلاجها، وأجرت جلسات علاج روحية مع إحدى الوسيطات الروحية دون جدوى، وأن الوسيطة الروحية أخبرتها أن تلجأ إلى مسز ديفني وهي أشهر وسيطة روحية في لندن وإنجلترا بالكامل، وقبل أن تهم بالانصراف، سألتها الوسيطة هل تعرف يوسف وهبي، فأخبرتها الدكتورة نادية، إنه فنان مشهور، فأخبرتها الوسيطة أنه في مرحلة من مراحل حياته أجرت له -أي الوسيطة- عملية جراحة روحية عن طريق الأرواح في ركبته.

الفنان يوسف وهبي. مصدر الصورة: elcinema

تكمل الدكتورة نادية رحلتها في كتابها السابق؛ أنها لجأت إلى مسز ديفني الوسيطة الروحية الشهيرة والتي أخبرتها بدورها أنها تمكنت من شفاء أشخاص وأن الله اختارها لأداء هذه الرسالة السامية وأن لها «روح مرافقة» وأن هذه الروح تستدعي بعض الأرواح الأخرى الأكثر خبرة في مجالات الطب المختلفة للتعامل مع الحالات المرضية، بدأت مسز ديفني في الكشف على دكتورة نادية، وأخبرتها أن هناك ورمًا صغيرًا أسفل الغدة النخامية، واستنكرت الدكتورة نادية ما قالته نظرًا لأن كافة الأشعة والرنين المغناطيسي الأحدث وقتها لم تكتشف هذا الورم، تقول دكتور نادية معلقة: «اهتزت ثقتي فجأة بمسز ديفني».

فنون

منذ سنة واحدة
تصوير الأشباح.. خدع ماهرة أم لحظات تواصل نادرة بين عالمين؟
3147
أميرة حسن

رغم أن دكتورة نادية لم تثق في تشخيص مسز ديفني إلا إنها استسلمت لإجراء جراحة روحية، وفي الموعد المحدد ذهبت إليها، واستقبلتها مسز ديفني، ودخلت الدكتورة نادية وتمددت على السرير، وطلبت منها مسز ديفني الاسترخاء الكامل والاستسلام لأي أفكار روحية وذكريات، وكتبت تقول: «لم أشعر بشيء فقد جرفتني الذكريات السعيدة إلى أغوار سبات عميق أفقت منه بعد ساعتين عندما شعرت بيد مسز ديفني وهي تربت علي كتفي وتدعو لي بأن الله يحميني وأن يباركني، معلنة أن المرحلة الأولى من العملية قد انتهت».

لسوء حظ دكتورة نادية ماتت مسز ديفني قبل أن تجري المرحلة الثانية والأخيرة من العملية الجراحية الروحية لاستئصال الورم الصغير المذكور، الذي رأته الروح المرافقة لمسز ديفني ولم يراه الرنين المغناطيسي! وعادت الدكتورة نادية بالصداع إلى القاهرة، وبعد فترة ذهبت إلى أحد أطباء المخ والأعصاب المشهورين، والذي قرر إجراء عملية جراحية لها، واكتشف أثناء العملية وجود ورم صغير أسفل الغدة النخامية، لم يكشفه الرنين المغناطيسي، واستأصله.

العلاج الروحاني الآن

ما تزال إلى الآن الجمعيات الروحية في أمريكا وأوروبا وتحديدًا في إنجلترا تمارس أعمالها بشكل كبير، أشخاص كثيرون يلجأون إليهم أملًا في المساعدة، ووفقًا للرابطة الوطنية للكنائس الروحية في أمريكا فإن أنواع العلاج الروحي قسمان؛ أحدهما شفاء بتدخل الروح، وفي هذا النوع يمكن أن يعُالج الإنسان عن بُعد عبر إرسال قوة شافية للشخص، ويمكن أن يكون العلاج بشكل مباشر وجهًا لوجه، وهناك شفاء دون تدخل الروح؛ وهو عبارة عن علاج مغناطيسي عبر أشخاص روحانيون لديهم طاقة مغناطيسية هائلة ينقلها إلى المريض، وعلاج إيحائي عن طريق زرع الأفكار الإيجابية في عقل المريض.

علوم

منذ سنتين
نظريات علمية تشرح لك سبب رؤيتك لـ«الأشباح».. إن كنت تراها
768
علاء الدين السيد

أما في «جمعية بريطانيا العظمى الروحية»، فهناك جلسات علاج روحية خاصة إما وجهًا لوجه أو عبر «سكايب»، وتستمر الجلسة الخاصة 30 دقيقة وبسعر 35 يورو، وهناك علاج روحاني مجاني يوميًا في جلسات عامة وليست خاصة، تقدم أيضًا الجمعية ورش عمل في مجالات روحية ونفسية مختلفة، بالإضافة إلى مشورات نفسية وجلسات تأمل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد