ناقشت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية في عددها الأخير أسباب ما أسمته «انشقاق» السوريون عن تنظيم الدولة، بعد انضمامهم له، متسائلة عن أسباب هذه الظاهرة المنتشرة مؤخرًا.

جاء ذلك بمقال نشرته المجلة في عددها للنصف الأول من شهر أيار/ مايو، كتبه كل من طالبة الدكتوراه في جامعة ييل الأمريكية «مارا ريفكين»، والصحفي «أحمد مهيدي»، رئيس تحرير المجلة السورية نصف الأسبوعية «عين المدينة».

تهديد خطير

وقالت المجلة، الصادرة عن «معهد العلاقات الخارجية» والمعروفة بتأثيرها في السياسة الخارجية الأمريكية، إن زيادة الانشقاقات بين السوريين تمثل تهديدًا خطيرًا لحكم تنظيم الدولة والعمليات العسكرية في سوريا، كما نقلت عن ثمانية مقاتلين سابقين مع تنظيم الدولة في تركيا، دوافعهم للانضمام أولًا، ثم للانشقاق.

ورغم أن غالبية قيادات تنظيم الدولة في سوريا من الأجانب أو العراقيين، إلا أنه يعتمد بشدة على الأعضاء السوريين في سوريا للمهام الاستخباراتية وبناء العلاقات مع المدنيين وعقد الصفقات مع العشائر وإدارة المؤسسات المهمة، بما في ذلك الضرائب، مما يتطلب فهمًا داخليًا للجالية المحلية والجغرافيا.

وتكشف قصص المنشقين عن التنظيم عما أسمته المجلة «تنظيمًا يكافح للحفاظ على سيطرته على أعضائه».

لماذا ينضمون؟

وناقشت المجلة أسباب الانضمام أساسًا، نقلًا عن منشقين عن التنظيم، مشيرة إلى خمسة أسباب أساسية.

السبب الأول هو الاعتقاد الأيديولوجي الفعلي لبعض السوريين بهدف تأسيس خلافة إسلامية تقيم الشريعة، فبعد عقود من الحكم الاستبدادي؛ انضم هؤلاء للتنظيم بسبب وعوده بتقديم الأمن والازدهار والعدالة الإسلامية، فبحسب منشق عن التنظيم، فإن «الولايات المتحدة والغرب يقولون إنهم يقاتلون الإرهاب، لكنهم يستخدمونه كذريعة لقتل المسلمين»، معتبرًا أن «تنظيم الدولة هو المدافع والممثل الوحيد للمسلمين في هذه المعركة بين الإسلام والغرب».

أما السبب الثاني، فهو أن بعض السوريين ينضمون للتنظيم لأنهم إما مجرمون مطلوبون أو أعداء معتقلون للتنظيم، تلقوا عفوًا عن أحكامهم مقابل الولاء للتنظيم، مما يجعل الانضمام للتنظيم هو الحل الوحيد لتجنب الموت الفظيع على أيدي مسلحي التنظيم.

وفي بعض المناطق، أطلق تنظيم الدولة سراح مئات المجرمين الذين أدينوا من محاكم النظام، في حال انضمامهم كمقاتلين، كما انضم مقاتلان سابقان في الجيش السوري الحر للتنظيم بعد أن أجبرت ألويتهما على الاستسلام له، أحدهما قرب مطار دير الزور، والآخر في الحسكة، وتلقيا دورة «استتابة»، إذ قال أحدهما: «لم أعتقد يومًا بأفكار التنظيم، لكنني كنت عالقًا ولا أستطيع الهرب وعرفت أنني سأقتل لو لم أنضم، ولذلك فضلت الانضمام ولو مؤقتًا قبل الهرب».

اقتصاديًا

ثالثًا، بحسب المجلة الأمريكية، ينضم عدد كبير من السوريين للتنظيم لأسباب اقتصادية، ففي سوريا، التي تشهد أكبر نسبة بطالة في العالم العربي، يقدم تنظيم الدولة وظائف أفضل من أي بديل آخر.

وبحسب وثائق رسمية لتنظيم الدولة، فإن أول راتب للمقاتل هو 50 دولارًا شهريًا، بالإضافة لـ50 أخرى للزوجة، و50 لكل والد، و35 لكل طفل، مما يجعل الرواتب تتفاوت ما بين 400 – 1200 دولار شهريًا.

وبالإضافة للراتب الأساسي، فإن المقاتلين يتلقون فوائد مادية عينية، منها الطعام المجاني والغاز والسكن، كما أشار مقاتلون سابقون إلى أن المتمتعين بالخبرات أو المهارات الخاصة، وغالبًا ما يكونون أجانب، يتلقون رواتب أفضل.

وبالمقارنة، لا يستطيع الجيش السوري الحر أن يدفع لمقاتليه أكثر من 36 دولارًا شهريًا، بدون هذه الحوافز، كما أن جيش النظام السوري يدفع 63 دولارًا، وجبهة النصرة ما يقارب مئة دولار شهريًا. وأوضح أحد المنشقين عن تنظيم الدولة في دير الزور أنه انضم للتنظيم لأنه كان ملتزمًا ماليًا عن ستة أخوات ولم يكن قادرًا على تأمينهم بالغذاء والحماية.

وعندما توقف النظام عن دفع الرواتب في دير الزور، وأجبرت المنظمات الإنسانية على الانسحاب، انهار الاقتصاد الدولي، إذ قال المقاتل: «قضيت شهرين أبحث عن وظيفة، ثم وجدت واحدة بعمل 12 ساعة يوميًا براتب ضئيل جدًا لا يكفي للخبز لعائلتي»، موضحًا: «لم أكن سأترك عائلتي تجوع، ولذلك لم يكن لدي خيار سوى الانضمام للتنظيم».

«الأسد» هو العدو

السبب الرابع الذي يدفع بعض السوريين للانضمام هو نظرتهم إلى أن النظام السوري هو العدو الأكبر، وتنظيم الدولة هو أكبر التهديدات له، فكما قال أحد المنشقين: «العالم كله تخلى عن سوريا، وكان تنظيم الدولة هو الطرف الوحيد الذي وقف في وجه الأسد».

وقال منشق آخر قتل النظام السوري كل عائلته: «انضممت لتنظيم الدولة لأنتقم لهم»، مضيفًا أن معظم المنضمين للتنظيم من محافظة حمص، التي قمعها النظام وقصفها دون رحمة، انضموا للسبب نفسه.

وأخيرًا، فإن السبب الخامس لانضمام بعض السوريين هو أنهم «انتهازيون يسعون لتعظيم سلطتهم وأموالهم»، بحسب ما قال أحد المنشقين من محافظة إدلب، لمجلة «فورين أفيرز» الأمريكية.

وسعى تنظيم الدولة لتجنيد المسؤولين العسكريين السابقين الذين يملكون خبرات عسكرية واستخباراتية كبيرة، وهم الذين لم يشاركوا في الثورة ويعتبرون منبوذين في مناطق بعيدة عن سيطرة النظام.

ويذكر أحد المنشقين حوارًا بين زعيم عشائري في ريف دير الزور ومسؤول شرعي في تنظيم الدولة كان يحاول تجنيده، إذ سأل الزعيم: «كيف أنضم لتنظيم يعظم عصابات وسارقي المجتمع؟ وكيف تقبلهم وأنت تسمي نفسك دولة إسلامية؟»، فأجابه أن التنظيم يسعى لـ «إصلاح» هؤلاء المنشقين عبر الدعوة.

وقدر أحد المنشقين بأن ما نسبته 80% من أفراد تنظيم الدولة هم من «الأشرار»، الذين ينضمون للتنظيم من باب الانتهازية، ويسببون المشاكل.

لماذا انشقوا؟

وعلى النقيض، تظهر مقابلات مع أفراد سابقين في التنظيم أن دوافع الانشقاق والهرب من التنظيم مختلفة ومتنوعة، مثل أسباب الانضمام، بحسب «فورين أفيرز».

أحد الأسباب أن بعض الأفراد ينشقون لتنظيمات أخرى لأنهم يرون أن تنظيم الدولة يخسر، فبحسب أحد المنشقين فإن «التنظيم يضعف مع الأيام»، فهرب إلى تركيا لأنه كان خائفًا من الاعتقال على يد النظام أو فصيل معارض، في ظل عمليات انتقامية قد تحصل إذا اعتقل.

البعض الآخر ينسحب لأنه رأى أن تنظيم الدولة الذي يتعهد بتدمير نظام الأسد «الطغياني» والأنظمة الأخرى، مستبد وقمعي مثل الحكومات التي يسعى لإسقاطها، فمثل النظام السوري، يمنع تنظيم الدولة مؤسسات المجتمع المدني والإعلام المستقل.

بالإضافة لذلك، يستخدم التنظيم آليات النظام السوري نفسها في التعذيب، إذ قال أحد المنشقين إنه انضم للتنظيم لأنه «جُذب» من وعده بالعدالة الإسلامية، لكنه تشوش عندما رأى الواقع القاسي لحكم تنظيم الدولة، بما في ذلك إعدامه لأعضائه أنفسهم، قائلًا: «شعرت أنهم كذبوا علي، وتفسيرهم للإسلام كان خاطئًا»، واصفا إياهم بـ «المستبدين جدًا، مثل النظام السوري».

تفضيل المهاجرين

ومن بين العناصر الأساسية في دعاية تنظيم الدولة هي أن كل المدنيين «سواسية كأسنان المشط، دون فرق بين غني أو فقير أو قوي أو ضعيف»، بحسب وثيقة من «ولاية الرقة».

في حين ركز نص آخر على الحيادية في النظام القضائي، إذ أن الشرطة «يتم اختيارهم من الأتقياء دون تفضيل، وإن قام أحدهم بما يستحق الحد، سيتم تطبيقه عليه مباشرة بدون تأجيل»، وسط تركيز على أن الأحكام معممة على المدنيين والعناصر أنفسهم.

وبالرغم من ذلك، بحسب «فورين أفيرز»، يتلقى المقاتلون المرتبطون بالقيادات الكبيرة معاملة تفضيلية، ويسامحون عن ارتكابهم الأخطاء، مثل الدخان وتعاطي المخدرات. وعادة ما ترتبط هذه الميزات ذات المعايير المزدوجة بالمقاتلين الأجانب، فقد عبر خالد – المقاتل السابق من دير الزور – عن إحباطه من اكتشاف أن المقاتلين الخليجيين أو الأوروبيين أو القادمين من منتصف آسيا، يتلقون مقابلًا أكثر من السوريين، ويتلقون ميزات إضافية.

وقال خالد إن «وزارة حرب تنظيم الدولة فيها مكتب خاص للإشراف على المهاجرين»، موضحًا أنه «إذا طلب مهاجر هاتف آيفون، يستطيع الحصول عليه بشكل مجاني من المكتب، بدون أي سؤال».

وبينما يصعد المهاجرون لمواقع القيادة، ينقل السوريون لأخطر المواقع على الجبهات، خصوصًا أولئك الذين لا تثق بهم قياداتهم للاشتباه بالتخطيط للانشقاق أو لا يعتبرون ملتزمين بشكل كاف للقضية، إذ أن السوريين متهمون بـ«قربهم جدًا» من المدنيين.

ويروي المنشقون والهاربون من التنظيم مظلمة أخرى، هي قطع الرواتب، فالسوريون يتلقون رواتب بشكل أقل بكثير من المهاجرين، وفي الشهور الأخرى، خفض تنظيم الدولة رواتب كل أفراده بنسبة خمسين بالمائة، مما يفقد السوريين، الذين انضموا لأسباب اقتصادية، ميزات الانضمام للتنظيم مقابل المخاطر التي يرونها.

فرز خارج سوريا

وأخيرًا، ينشق السوريون من التنظيم لتجنب فرزهم إلى العراق وليبيا، في الجبهات التي تبعدهم عن السبب الأساسي لصراعهم مع نظام الأسد.

وقبل انضمامه لتنظيم الدولة، عام 2014، قاتل عمار مع الجيش السوري الحر، إذ كان عدوه دائمًا هو النظام السوري، لا الحكومة العراقية ولا التحالف ولا أية قوة «كافرة» أعلن تنظيم الدولة الحرب ضدها.

هذا المحتوى منقول عن عربي 21.

عرض التعليقات
تحميل المزيد