تجتهد الولايات المتحدة الأمريكية في إقناع الفلسطينيين والإسرائيليين بـ”تمديد المفاوضات”، هذا المطلب يُصرُّ الفلسطينيون لإتمامه على إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى وبينهم 20 أسيرًا فلسطينيًّا من عرب الـ48، بينما تشترط أيضًا إسرائيل لتنفيذه تحرير الجاسوس اليهودي المسجون في الولايات المتحدة ، جوناثان بولارد.

بولارد؛ الذي قاربت مدة سجنه داخل السجون الأمريكية ثلاثة عقود، يُقال إن الإدارة الأمريكية التي رفضت سابقًا محاولات عدة للإفراج عنه، قد تقبل تحريره الآن، وذلك مقابل تبنّي اتفاق الإطار الأمريكي وتحرير أسرى من عرب الداخل المحتل، فهل تقدم أمريكا بولارد “قربانًا” لاستمرار المفاوضات؟!


من هو بولارد

ولد جوناثان بولارد عام ١٩٥٤بولاية تكساس الأمريكية وتحديدًا في “غلفستون”، عائلته يهودية أمريكية، ووالده هو موريس بولارد الأخصائي في علم الأحياء المجهري (ميكروبيولوجي) أما أمه فهي “ربة منزل” لديها ثلاثة أبناء غيره.

في طفولته، كان بولارد يحلم بزيارة دولة الاحتلال الإسرائيلي، وحقق أمنيته تلك عام ١٩٧٠، عندما شارك وهو في المرحلة الثانوية بمعسكر للطلاب الموهوبين في معهد رخوبوت العلمي في دولة الاحتلال، وسُجِّل على بولارد خلال وجوده في هذا المعسكر الكثير من المشاغبات حتى وصفه “هاري ليبكين”، أحد علماء معهد وايزمن، بأنه غير متزن ومشاغب، وأنه الأسوأ في تاريخ المعسكر الصيفي.

ثم عاد بولارد من دولة الاحتلال وهو يؤمن بأن مصيره مرتبط بها، ولا يريد مغادرتها، ويرغب في الالتحاق بجيش الاحتلال ليصبح يهوديًّا مقاتلاً كما قال، وعندما التحق بجامعة “ستانفورد” الشهيرة، لاحظ أساتذة العلاقات الدولية أنه ذو خيالات واسعة، فمرة يزعم أنه “كولونيل” في جيش الاحتلال، ومرة أخرى يقول إنه برتبة “كابتن” في ذلك الجيش، وزعم بولارد أنه قتل فلسطينيًّا خلال نوبة حراسة كان يقوم بها في كيبوتس إسرائيلي.

وبعد تخرجه من جامعة ستانفورد، حصل عام ١٩٧٩ على وظيفة محلل أمني في القوات البحرية.

الجاسوس اليهودي بولارد

كيف جُند؟

يقضي بولارد حكمًا بالسجن مدى الحياة منذ عام 1987؛ حيث ثبت أنه قام بتسريب وثائق سرية أمريكية إلى إسرائيل.

ويعود تجنيده إلى عام 1981، عندما قصفت طائرات إسرائيلية مفاعل تموز النووي العراقي مستخدمة صور استطلاع أمريكية سرية للغاية، تم الحصول عليها من البنتاغون، من أجل تنفيذ الهجوم.

لكن دولة الاحتلال لم تبلغ الولايات المتحدة مسبقًا عن نيتها بقصف المفاعل العراقي، ونتيجة لذلك، حدت إدارة ريجان من قدرة الاحتلال على الوصول إلى بيانات استخباراتية حساسة محددة، بما في ذلك صور استطلاع حساسة من الأقمار الصناعية، لذا قررت دولة الاحتلال ردًّا على ذلك إطلاق برنامج تجسس، لتتمكن من الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية التي تم منعها عنها بشكل غير قانوني.

وتم تجنيد بولارد لبرنامج التجسس بهدف الحصول على أسرار تخص الأمن القومي الأمريكي لإسرائيل، وعلى مدى ثلاث سنوات على الأقل، أحضر بولارد آلاف الوثائق السرية إلى شقة في واشنطن؛ حيث كان يتم تصويرها من قبل سكرتير في السفارة الإسرائيلية وترسل إلى تل أبيب بالحقيبة الدبلوماسية.

وظلت دولة الاحتلال تنكر أن بولارد عميلاً معتمدًا من حكومتها، لكنها اضطرت للاعتذار رسميًّا للولايات المتحدة، وتعاونت مع وفد من الرسميين الأمريكيين زارها للتحقيق مع الإسرائيليين الذين كانوا متورطين في حلقة بولارد، وفي أوائل عام 1996, وفي أعقاب التماس قدمه بولارد لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية, منحته دولة الاحتلال جنسيتها, واعترفت عام 1998 رسميًّا بأنه كان عميلا إسرائيليًّا, وتعهدت بتحمل المسؤولية عن ذلك.


محاولات إطلاق سراحه

أدت مهمة بولارد التجسسية في النهاية إلى هز الثقة بيهود أمريكا، وكانت محاولات دولة الاحتلال لإصدار عفو عن بولارد من رؤساء أميركا بين الحين والآخر، تعمل على تذكير الرأي العام الأمريكي بفعلته مما يثير حرج يهود أمريكا من جديد.

وطيلة فترة اعتقاله، كانت دولة الاحتلال تعترض على المدة التي حكم بها بولارد, بزعم أن المعلومات الاستخبارية التي نقلها إلى دولة الاحتلال لم تعرض حياة أي من مواطني الولايات المتحدة للخطر, وكذلك بداعي أن العقوبة التي فرضت على بولارد خطيرة جدًّا, علمًا بأن أخطر عقوبة فرضت على عميل لصالح دولة ودية للولايات المتحدة, كانت السجن لمدة أربعة عشر عامًا.

وعكفت دولة الاحتلال خاصة في السنوات الأخيرة وبجهود من أعلى المستويات فيها من أجل الإفراج عن بولارد؛ حيث انتزعت من الرئيس الأمركي الأسبق, بيل كلينتون, وعدًا عام 1998 بإطلاق سراح بولارد, إلا أنه تعذر عليه الوفاء بذلك, بسبب ما وصفه كلينتون بضغوط داخلية.

وفي الآونة الأخيرة, وعقب تدهور حالة بولارد الصحية في ديسمبر الماضي, توجه رئيس دولة الاحتلال شمعون بيريس إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما, بطلب الإفراج عن بولارد لأسباب إنسانية، لكنه فشل وكان رد البيت الأبيض: لن تكون هناك إعادة نظر في قضية الجاسوس، سيبقى وراء القضبان في الولايات المتحدة الأمريكية.
ثم طرح نتنياهو على الولايات المتحدة مسألة الإفراج عن الجاسوس بولارد، كشرط لتحقيق تقدم في المفاوضات والإفراج عن الدفعة الثالثة من الأسرى الفلسطينيين، وتوقيع إسرائيل لاتفاق الإطار المرحلي الذي تنوي الولايات المتحدة عرضه على الجانبين.

وجاءت محاولة أخرى للإفراج عنه أيضًا عندما قيل إن وزير الخارجية جون كيرى وافق على بحث مطلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو, بشأن الإفراج عن بولارد نظير موافقته على إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

 لماذا ترفض أمريكا تحريره؟

رفضت أمريكا جميع الطلبات التي قدمتها دولة الاحتلال بالإفراج عن بولارد, على أساس اعتبارات أمنية, تقضي بأن بولارد ما زال يشكل خطرًا على أمن الولايات المتحدة.

ويرى المراقبون أن هناك أسبابًا أخرى أيضًا للرفض الأمريكي, أهمها أن بولارد خان وطنه حين قام بالتجسس لصالح دولة أجنبية, على الرغم من كونه مواطنًا أمريكيًّا, بل أقدم على التجسس لصالح دولة تقيم علاقات ودية مع الولايات المتحدة, وهذا ما أثار استياءً شديدًا ليس فقط لدى المحافل السياسية والأمنية الأمريكية, وإنما لدى شرائح واسعة من الجمهور الأمريكي, بما فيها الجالية اليهودية الأمريكية, التي وضعتها قضية بولارد في موقف حرج جدًّا.

ويشير بعض المسئولين الإسرائيليين إلى سبب آخر في الإصرار الأمريكي على عدم إطلاق سراح بولارد، وهو الشبهات التي ما زالت تحوم حول دور إسرائيل في قضية بولارد؛ حيث يشتبه بأن دولة الاحتلال لم تُعِد إلى الولايات المتحدة جميع الوثائق التي نقلها إليها بولارد, كذلك تشتبه تلك المحافل بضلوع شخص أو أشخاص آخرين بقضية بولارد, دون أن تبدي إسرائيل استعدادًا للإفصاح عن هويتهم.


قدم معلومات عن الدول العربية

بعد 27 عامًا من اعتقاله أعلن بولارد أنه كان يبحث عن معلومات تتعلق بالبلدان العربية، وبينت وثائق نشرتها ونزعت السرية عنها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA أن بولارد قال للمحققين إن مهمته كانت تقضي آنذاك بتقصي المعلومات المتعلقة بالبرامج النووية العربية أو الباكستانية.

ويُعتقد أن بولارد قدم أيضًا معلومات عن مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، ساعدت دولة الاحتلال في التخطيط للغارة الجوية في 1985، وأيضًا عن تقدير أمريكي قلل من حظوظ سوريا في استعادة هضبة الجولان إذا ما اندلعت حرب مع دولة الاحتلال.

ويقول الكاتب (وولف بليتسر) في كتاب له بعنوان “منطقة الأكاذيب – رواية جوناثان بولارد”, أن بولارد نقل إلى إسرائيل معلومات عن منظومات الأسلحة التي تلقتها الدول العربية من الاتحاد السوفيتي, وعن اعتداءات إرهابية مخططة ضد أهداف مدنية إسرائيلية.

ورقة رابحة

يقول الكاتب الفلسطيني، د. عادل الأسطل، إنه يمكن إخضاع الولايات المتحدة لإطلاق “بولارد”، فعلى الرغم من صعوبة ذلك، إلا أنه أصبح لا يضرّها كثيرًا إطلاق سراحه الآن، وإقدامها على فعل ذلك له مكاسب وأرباح متبادلة، وليس له أيّة أضرار جانبية.

ويضيف: “ليس جديدًا على الولايات المتحدة أن تُقدم على ذلك الفعل، فهناك سوابق كثيرة في أنها أطلقت سجناء كانوا أشد خطرًا من “بولارد”، بسبب أنهم كانوا يخدمون دولاً معادية كالاتحاد السوفييتي سابقًا، وليس دولاً صديقة ولها معها علاقات إستراتيجية وتعتبرها الحليف الأهم في المنطقة”.

ويؤكد الأسطل أن كون “بولارد” أمضى أكثر من 30 عامًا في السجن وانتهت صلاحياته بجملتها، وقد بلغ من العمر يمكّنه فقط فيه النوم الدائم على السرير، ويقول الأسطل إن هناك خفضًا واضحًا للرأس الأمريكية أمام المبتغى الإسرائيلي، ألمح إليه مؤخرًا وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري” حينما تعهد بالنظر في الإفراج عن “بولارد” مقابل تسهيل عملية تنفيذ إطلاق سراح الدفعة الثالثة والرابعة المنتظر الإفراج عنها أواخر الشهر القادم من الأسرى الفلسطينيين بهدف – إذا جاز التعبير- إنجاح المفاوضات.

ويقول الأسطل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” تعهد مؤخرًا لعددٍ من وزراء حكومته الذين ما فتئوا يضغطون عليه لتفعيل قضية “بولارد” لاستخدامها في العملية السياسية الجارية مع الفلسطينيين، وحثّه على بذل كل جهد ممكن لضمان الإفراج عنه، وهذا يشمل بالطبع قضية الأسرى الفلسطينيين، ومعتمدًا على أن نسبة كبيرة من الإسرائيليين يوافقونه على مثل هذا السلوك.

أرشيف أسرى محررين

عرض التعليقات
تحميل المزيد