يعد الصحفيون من أبرز المستهدفين للتجنيد كعملاء من قبل أجهزة المخابرات العالمية، ذلك بسبب الحرية التي يتمتع بها الصحفي في عمله ميدانيا، حيث تفترض تلك الأجهزة الاستخبارية أن لدى الصحفي قدرة على الوصول لمعلومات التي تحتاجها دون أن يكون هناك أي ملاحقة قانونية أو شك من قبل الأطراف المتجسس عليها.

وسواء أسقط الصحافي بالترغيب أو الترهيب في وحل العمالة فهو في المحصلة كنز كبير لهذه الأجهزة، “ساسة بوست” في التقرير التالي تستعرض أسباب تفضيل تجنيد الصحفيين كعملاء وأبرز الأسماء الصحافية في عالم الجاسوسية وأيضا أهم الدول التي تعني بتجنيد الصحافيين في الفترة الأخيرة.

لماذا يفضل الصحفيين كعملاء؟

GERMANY, BONN - JUNE 26: Cybercrime. Hands with black gloves on computer keyboard and mouse. (Photo by Ulrich Baumgarrten via Getty Images)

يجازف الصحفيون بالاقتراب من مصالح الاِستخبارات بدوافع الوطنية أو البحث عن المال والاقتراب من الأقوياء، لذا فإنه بين الصحافة والجاسوسية عامل مشترك وهو البحث عن المعلومات، ومن هنا تفترض الأجهزة الاستخبارية أن لدى الصحفي على وجه التحديد قدرة على الوصول لمعلومات هامة بسبب الحرية التي يتمتع بها الصحفي في عمله ميدانيا، ولكون مهنة الصحافة بالنسبة للمخابرات سهولة في الحصول على المعلومات والبحث والتدقيق دون أن يكون هناك أي ملاحقة قانونية أو شك من قبل الأطراف المتجسس عليها.

وتذكر الوثائق الاستخبارية التي نشرها موقع ويكيلكس أن العديد من شركات الاستخبارات والأجهزة الأمنية العالمية تستخدم عمل الصحفيين للتغطية على نشاطات عملائها, بالإضافة لتجنيد العديد من الصحفيين للعمل لصالحها، وتشير الوثائق المسربة إلى تجنيد شركات وأجهزة الاستخبارات للعديد من العملاء في العالم كالمراسلين والصحفيين وموظفي شركات وغيرها، وزرع شبكة من الجواسيس حول العالم في الشركات والحكومات والسفارات عن طريق المال والجنس والضغط النفسي مؤكدةً أن من بين أسماء المخبرين، صحافيين ومستشارين عرب.

وكشفت مصادر أمريكية عن شبكة استخباراتية  تدعى “ستراتفور” تهتم في مراقبة الناشطين في العالم والمدونات ومسؤولي الشركات وتتبع تحركاتهم وحتى ملفاتهم الصحية عبر تجنيد عشرات الصحفيين أو جواسيس على هيئة صحفيين، وتستعمل أساليب قذرة في التجنيد مثل الرشوة والفضائح الجنسية.

كيف يبيع الصحفيون المعلومات بطريقة التفافية؟

Side profile of a journalist typing on a typewriter

قد تعتمد أجهزة الاستخبارات العالمية على طريقة أخرى في التعامل مع الصحفيين ليصبحوا عملاء دون علمهم أو ارتباطهم المباشر، وذلك من خلال بيع المعلومات مقابل امتيازات أو مبالغ مالية كبيرة.

وبما أن الصحفيين الذين لديهم كمية كبيرة من المعلومات ويمكنهم البحث في خفايا الأمور وإعداد استطلاعات الرأي وتوجهات الشارع والأوضاع السياسية والأمنية تعرض عليهم المخابرات بيع ما لديهم من معلومات مقابل مبالغ مالية.

وقد كشف موقع ويكيلكس أن شركات التجسس العالمي تشتري المعلومات من الصحفيين عن الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية بالإضافة لمعلومات عن الموظفين والمسئولين الحكوميين بهدف إسقاطهم أو بيع تلك المعلومات لأجهزة مخابرات معادية.

تتساءل الكاتبة شريفة الشملان :” لماذا الجاسوس ممكن أن يكون صحفيًّا، والصحفي محتمل أن يكون جاسوسًا؟ وتجيب :”كلاهما يبحثان عن الحقيقة، وكلاهما يبحثان عن أسئلة تتوالد مع كل حدث، كلاهما يبحثان في الأروقة وفي المعلن والمخبأ، واحد يقدم المعلومات للملأ جميعًا وآخر يقدمها لمستأجريه”.

ماذا قال الجاسوس الفرنسي «باتريك دينو» عن تجربته في الجاسوسية؟

 

نشر الصحفي الفرنسي “باتريك دينو”  كتابه حول تجربته في الجاسوسية مقتصرا على ملاحقة الإسلاميين والتغلغل فيما بينهم، وذلك لأنه  طلب منه أن يذهبَ لتُنقِّبَ في الأوساط الإسلامية خاصة في المغرب العربي.

ويروي دينو الذي يعمل كمراسل حربي لقناتي “تي. أف 1″ الفرنسية و”سي.بي. أس” الأمريكية في كتابه كيف بدأ لقاءاته بقيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية التي حلتها السلطات الجزائرية، في 1992. فشرع في التردد على الأماكن التي يلتقي فيها مسؤولو وأنصار هذا التنظيم. والبداية كانت بـ “عبد الكريم عدَّة”، الناطق الرسمي للهيئة التنفيذية للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الخارج، بقصد “الاِقتراب من الأعضاء الآخرين في قيادة الهيئة التنفيذية المختفين في سرية شبه تامة”. وتحجج الصحفي الجاسوس بإعداد فيلم تسجيلي، ثم كتاب عن هذا الحزب الإسلامي، وقد صدر هذا الكتاب في سنة 1997، بعنوان: “قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ تتحدث”.

وتعقب عمل دينو في عدة مهام، فبعد أحداث 11 من سبتمبر 2001، في أمريكا، اِزدادت الحاجة إلى خدماته؛ فأرسِل إلى الباكستان. وبهذا الخصوص يقول بأنه حذَّر الاستخبارات الفرنسية من عمليات ينوي القيام بها إسلاميو باكستانيون وأفغان ومن بلدان إسلامية أخرى.

أشهر الدول التي تعمل على تجنيد الصحفيين كعملاء

أولًا: إيران

تعد إيران من أوائل الدول التي تعمل على تجنيد الإعلاميين لصالحها، ويروي الباحث والكاتب شين هاريس كيف حاولت إيران تجنيده للعمل في دراسات وأبحاث لصالحها ويقول هاريس :”تحاول مجموعة ناشطة إيرانية، مدعومة من جهاز المخابرات في البلاد، تجنيد الصحفيين والأكاديميين الأمريكان في حملة دعائية تهدف إلى التنديد بالولايات المتحدة وإسرائيل”، ويضيف هاريس في مقاله ” جواسيس إيران حاولوا تجنيد صحفيين وأكاديميين أمريكان” :”حاولت المنظمة – مجاهدي خلق – التأثير على الصحفيين وقادة الرأي، والمراقبين في إيران من خلال إتباع نظم ثابتة من المعلومات الخاطئة التي تنشرها فروعها المدفوعة وغير المدفوعة خارج إيران”.

وتعد محاولات إيران لتجنيد مدير مكتب قناة العربية في طهران “حسن فحص”، و”مازن حايك”، مدير التسويق في إذاعة الشرق الأوسط، واحدة من أبرز محاولات إيران لتجنيد الإعلاميين، فقد نشر موقع ويكيليكس، وثيقة سرية بتاريخ 16 سبتمبر عام 2011 كشفت أن الصحفيان رفضا مرارًا وتكرارًا التعاون مع وزارة الأمن والمعلومات الإيرانية، وبحسب الوثيقة، فإنه بعدما رفض فحص العمل بدأ بعدها يلاحظ أن منزله وتحركاته أصبحت مراقبة عن كثب، وبدأ يتلقى مكالمات تهديد، ثم في حفل استقبال ضم العاملين في الحكومة الإيرانية، نصحه أحد كبار مساعدي الرئيس الإيراني “لو كنت مكانك لحزمت حقائبي وغادرت إيران”، فاستمع له فحص وغادر إيران في اليوم التالي.

ثانيا: دولة الاحتلال الإسرائيلي

تعتبر دولة الاحتلال الإسرائيلي الصحافة غطاء من أسهل الطرق لجلب المعلومات والدخول للأماكن المحصنة، من أجل ذلك استغلت دولة الاحتلال الإسرائيلي الحاجة المادية لبعض الصحفيين في الدول العربية لتجنيدهم وجلب معلومات مقابل مبالغ مادية أو عبر ابتزازهم بصور أو مقاطع تخصهم، وقد حكمت إحدى المحاكم الجزائرية قبل عدة سنوات على صحفي ب10 سنوات بتهمة التجسس لدولة الاحتلال.

وقد اشتهر في الفترة الأخيرة أن من يقف وراء محاولة اغتيال القائد العسكري في كتائب القسام محمد الضيف هو صحافي، كما اعتقلت الأجهزة الأمنية في قطاع غزة قبل عامين صحفي بريطاني يدعى  “بول مارتل” عمل على تجنيد عدد من الشبان الفلسطينيين كعملاء للمخابرات وقد أكد عدد من الصحفيين الفلسطينيين لموقع “المجد الأمني” أن المخابرات الصهيونية تحاول تجنيدهم لكي يصبحوا عملاء لها ضد شعبهم.

ثالثا: سوريا

في ديسمبر الماضي، كشفت وثيقة مسرّبة نشرها موقع “الخليج أونلاين” أن  مندوب مخابرات بشار الأسد قام  في إطار رحلته في لبنان ودول عربية وأوروبية بحشد الإعلاميين والصحافيين والمثقفين والحقوقيين للدفاع عن نظام الأسد لمواجهة ما سمّتها الوثيقة بـ”المؤامرة الكونية على القطر وقيادته”.

وتناولت الوثيقة حكاية الصحافي الجزائري يحيى أبو زكريا، الذي يقدم حاليًا برنامج “أ ل م” على قناة الميادين الفضائية وقد جرى توظيفه فيها بناء على توصيات من مكتب مرشد الثورة علي خامنئي، وأضافت الوثيقة أن الإعلامي الجزائري أخبرهم “أنه بإمكانه العمل على استمالة فيصل القاسم لصالح النظام السوري، ولكن ذلك لن يستطيع الشروع فيه إلا في حال تمويل قناة فضائية يرغب في تأسيسها وقد سمّاها قناة الشعوب الفضائية”.

الصحافي الجزائري أخبر مخابرات الأسد “أنه يستطيع أن يدك خيشوم قطر وجزيرتها، أو السعودية ووهابيتها، على المستوى الإعلامي في حال فتحت له القنوات الفضائية الموالية أبوابها، أو عملت القيادة السورية على تمويل قناة الشعوب التي لا تزال مجرد أفكار على ورق فقط، بسبب عدم قدرة الصحافي الجزائري المادية”، كما جاء في الوثيقة المسرّبة.

ومن أشهر الجواسيس الصحافيين 

 

فرزاد بازوفت :  وهو صحفي إيراني استقر في بريطانيا خلال عقد السبعينات، وعمل كصحفي مستقل لجريدة الأوبزرفر، اعتقلته السلطات العراقية وأعدمته عام 1990 بتهمة التجسس لصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي خلال عمله في العراق.

ألبير لوندر : وهو الأب الروحي للروبورتاج والتحقيق الصحفي، تطوع بنفسه ليتجسس ضد الاتحاد السوفياتي، في الربع الأول من القرن العشرين، وقال إن الوطنية هي ما دفعته للتجسس.

كيم فيلبي: يعتبر الصحافي كيم فيلبي واسمه الحقيقي هارولد أدريان راسل فيلبي من أشهر الجواسيس الذين كانوا عملاء مزدوجين، وبات نجاحه بمثابة أسطورة في عالم الجاسوسية، وسمي كيم تيمنًا ببطل رواية روديارد كيبلينغ الذي ولد مثله في الهند وعمل كجاسوس لصالح البريطانيين

غراهام غرين: عمل الروائي والصحافي غرين مع المخابرات البريطانية مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وكان رئيسه المباشر الجاسوس والعميل المزدوج كيم فيلبي. وقد ساعده حبه للسفر والمغامرة والمخاطر على القيام بمهامه في العديد من البلدان ليستقيل من دوره التجسسي عام 1944. ويعزو البعض سبب استقالة غرين، لتفادي الشهادة ضد صديقه كيم فيلبي الذي تبين بأنه عميل مزدوج لصالح الاتحاد السوفييتي.

Portrait of the English writer Graham Greene. 1930s (Photo by Mondadori Portfolio via Getty Images)

باتريك دينو: هذا الصحفي الفرنسي كان مراسلًا حربيا لقناتي “تي. أف 1″ الفرنسية و”سي.بي. أس” الأمريكية في حروب أفغانستان، إيران والعراق، وليبيا والتشاد ولبنان وأمريكا الجنوبية. وكان مدفوعًا هو الآخر بالوطنية مثلما يقول.

 

مصطفي أمين 

اتهم الصحفي المصري مصطفي أمين بأنه كان مكلفا من جمال عبد الناصر باستمرار الاتصال بالولايات المتحدة، وعندما ساءت العلاقات بين مصطفى أمين وعبد الناصر وغيره من القيادات اتهم بالتجسس وصدر عليه الحكم بالسجن 9 سنوات، وقد أكد صلاح نصر رئيس المخابرات المصرية في كتابه «عملاء الخيانة وحديث الإفك» وهو كتاب صدر في عام 1975 أن مصطفى أمين جاسوس فعلًا وشرح بالتفصيل علاقة الصحفي الشهير مصطفى أمين بالمخابرات الأمريكية.

جيسون رضايان

آخر الجواسيس الصحافيين، الأميركي الإيراني جيسون رضايان الذي يحاكم الآن بإيران بتهمة التجسس، وألقت السلطات الإيرانية القبض على رضايان في يوليو الماضي، ولم تعلن إيران تفاصيل بشأن التهم الموجهة إليه لكن صحيفة “واشنطن بوست” التي يعمل بها الصحافي قالت إنه متهم بالتجسس.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد