انتهى العام الماضي 2013 بأزمة حادة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين بعد أن كشفت عدة تقارير صحفية تورط وِحدَة من «وكالة الأمن القومي» و«وكالة المخابرات المركزية» (سي آي ايه) الأمريكيتين في أعمال تجسس على سياسيين وأفراد أوروبيين، أبرزهم المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» شخصيًّا.

1.jpg (1751×1238)

كشفت التقارير التي اعتمدت بشكل كبير على وثائق كشف عنها «إدوارد سنودن» – الضابط السابق بوكالة الأمن القومي والذي تلاحقه أمريكا حاليًّا – أن السفارة الأمريكية في ألمانيا تعمل كواجهة لأنشطة تجسس ربما وصلت إلى الهاتف الذي تستخدمه المستشارة الألمانية.

وأنكر الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» بعض هذه الاتهامات، ودافع عن البعض الآخر قائلًا إن الولايات المتحدة «لن تعتذر عن أنشطة وكالة الأمن القومي … وإنها ستواصل جمع المعلومات عن نوايا الحكومات الأجنبية، لا الشعوب»، لكن المأزق الذي وقعت فيه الوكالة هو أن أعمال التجسس قد طالت مواطنين أمريكيين داخل الولايات المتحدة مما أثار انتقادات واسعة لأعمال وكالتي التجسس الرئيسيتين في أمريكا: وكالة المخابرات المركزية، ووكالة الأمن القومي.

جذور الأزمة

تجددت التساؤلات حول أنشطة الـ (سي آي ايه) خلال شهري فبراير الماضي ومارس الحالي بعد أن أنهت لجنة من المحققين الأعضاء في الحزب الديمقراطي ومجلس الشيوخ الأمريكي تقريرًا استغرق إعداده 4 أعوام عن برنامج «التسليم، والاحتجاز، والتحقيق» الذي اعتمدته الوكالة تحت إدارة الرئيس «جورج بوش» بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2003 حتى عام 2009 الذي أنهى فيه «أوباما» العمل بهذا البرنامج.

وخلُص التحقيق – الذي راجع أكثر من 6 ملايين ورقة من أوراق الـ (سي آي ايه) واحتوى في نسخته النهائية على أكثر من 6 آلاف ورقة – إلى أن وكالة المخابرات المركزية قد انتهكت القانون الفيدرالي الأمريكي، وتورطت في أعمال تعذيب أفضت إلى موت واحتجاز غير قانوني.

2.jpg (770×542)

التجسس على من يراقبون التجسس

«لقد قامت الوكالة باختراق أجهزة اللجنة الموكل إليها مراقبة أعمالها»

هذا هو ما قالته «ديان فينيستين» – رئيسة لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ الأمريكي – ردًّا على اتهامات الـ (سي آي ايه) نفسها في ردها على تقرير اللجنة بأن أعضاء اللجنة قد تجسسوا على أجهزة الكمبيوتر التابعة للوكالة حتى يصلوا إلى المعلومات الواردة في التقرير، وقاموا بحذف ملفات لم يكن مسموحًا لهم الاطلاع عليها.

يبدو أن حديث الوكالة عن تجسس أعضاء من مجلس الشيوخ أمضوا 4 أعوام تحت نظر الـ (سي آي ايه) وداخل مقرّها واستخدموا فيها أجهزة كمبيوتر وفرتها الوكالة نفسها لمنحهم حق الوصول إلى مستنداتها وتقاريرها كان يهدف إلى صرف الأنظار عن محتويات التقرير الذي أعدته اللجنة، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

واتهامات السيناتور «ديان فينيستين» – إن صحت – تضع الوكالة في موقف حرج لأنها تعني انتهاكًا صريحًا للدستور الأمريكي الذي نص في تعديله الرابع وللقرار الجمهوري الذي يمنع الـ(سي آي ايه) من القيام بأي أعمال مراقبة أو بحث داخل الولايات المتحدة.

3.jpg (1536×935)

جون برينان لا يحمل أملاً

وسط هذه الأزمة، أقرّ مجلس الشيوخ الأمريكي تعيين «جون برينان» مديرًا لوكالة المخابرات المركزية (سي آي ايه) في الخامس من مارس الجاري.

«برينان» – الذي شغل منصب مستشار أوباما لمكافحة الإرهاب منذ عام 2008 – لديه تراث من التصريحات المتضاربة بشأن أنشطة الـ(سي آي ايه) وبرامج مكافحة الإرهاب بشكل عام.

فقد دافع «برينان» في عامي 2008 و2009 عن برامج مكافحة الإرهاب التي تقوم بها الوكالة؛ مما أدى إلى طلبه سحب اسمه من الترشح لإدارة الـ(سي آي ايه) خلال فترة أوباما الرئاسية الأولى بعد اعتراضات على تعليقاته السابقة بشأن الدفاع عن أعمال التعذيب والاحتجاز غير القانوني، لكنه ما لبث أن هاجم إدارة «بوش» في أغسطس 2009 لقيامها بتعذيب المتهمين والمحتجزين، لأن ذلك «يؤدي إلى زيادة أعداد الإرهابيين»، حسب قوله.

وفي سابقة هي الأولى لإقرار مسئول أمريكي بهجمات الطائرات دون طيار، دافع «برينان» مرة أخرى في مايو 2012 عن الهجمات التي تنفذها الولايات المتحدة باستخدام طائرات دون طيار لاستهداف «الإرهابيين» في باكستان وأفغانستان واليمن وليبيا والصومال.

الهجمات التي دافع عنها «برينان» أدت إلى قتل أكثر من 3000 آلاف مواطن خارج الحدود الأمريكية، بعضهم من المدنيين و200 منهم تقريبًا من الأطفال حتى عام 2012.

لحظة مصيرية، لكن في صالح من؟

بالعودة إلى الجدل الدائر حاليًا في الولايات المتحدة حول أنشطة أجهزة المخابرات والتجسس، وما لا يعرفه الأمريكيون عنها؛ فقد وصفت السيناتور «ديان فينيستين» الأمر بأنه «لحظة مصيرية» باتجاه ممارسات أكثر شفافية وديمقراطية والتزامًا بالقانون الدولي والدستور الأمريكي، أو باتجاه مزيد من الأنشطة السرية التي تطال مواطنين أمريكيين وغير أمريكيين حول العالم.

وجود «برينان» على رأس الوكالة، وإنكاره الشديد لأي اتهامات باختراق القانون، قد يدفع إلى الاتجاه الثاني بمزيد من السرعة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد