الزمان منتصف القرن الرابع الميلادي، المكان مدينة هيبون أو ما تسمى حاليًا «مدينة عِنّابة الجزائرية»، هناك حيث عاش سكان نوميديا واحدةً من أكبر المآسي المتعلقة بالدين، بعد أن قاد الآب الأمازيغي دوناتوس حركةً دينيةً مسيحية مطلع القرن الرابع تدعو إلى التوحيد، وتحمل أفكارًا ثوريةً ضدّ الرومان المحتلين للشمال الأفريقي، أينّ اعتنق غالبية سكان نوميديا المذهب التوحيدي للأب دوناتوس، أزعج هذا السلطات الرومانية التي كانت للتوِ تعترف بالمسيحية دينًا رسميًا للدولة في عهد الإمبراطور قسطنطين سنة 313م بعد قرونٍ من محاربته، غير أنّها كانت تدين على مذهب التثليث؛ ما أقام صراعًا قويًّا بين الجهتين، سقط في فصوله الآب دوناتوس قتيلًا في سجون روما سنة 355م.

قبل ذلك بسنةٍ ولد القديس والفيلسوف أوغسطين أوّ (الملك الصغير) ذو الأصول الرومانية، وبالضبط في 23 نوفمبر (تشرين الثاني)  سنة 354م في مدينة تاغست البلدة النوميدية – تسمى حاليًا مدينة «سوق أهراس» – والذي سيكون الممثّل للمسيحية الكاثوليكية الرومانية في مواجهتها للحركة التوحيدية الدوناتية، في الأسطر التالية نعود بالزمن إلى عهد الفيلسوف والقديس أوغسطين فقيه. محارب البدع والهرطقات في نوميديا.

تلمسان الجزائرية.. «قرطبة أفريقيا» التي كان يخشاها العثمانيون

أوغستين من شابٍ منحرفٍ إلى أسقف هيبون

إني اليوم في الثلاثين من عمري لا أزال أتخبط في الحمأة عينها وأميل بقوة إلى الاستمتاع بالحاضر الذي يهرب دومًا من وجهي ويشتتني وأنا أقول مرددًا: سوف أجد مطلبي وسوف يتضح لي الأمر فاحتفظ به* القديس سانت أوغسطين

كانت نوميديا أو الجزائر حاليًا تعيش تحت وطأة الاحتلال الروماني منذ القرن الثاني قبل الميلاد، وأمام تضاعف الممارسات القمعية للسلطات الروماني وقتها، وتحوّل سكان نوميديا إلى عبيدٍ لدى الرومان، خصوصًا بعد تشكل طبقة الأستقراطيين الذين ملكوا جُلَّ الأراضي الزراعية في مملكة نوميديا وعمدوا إلى إهانة واستغلال سكانها، وجد النوميديون في المسيحية التي بدأت تتسرّب إلى المنطقة النافذة التي تشعّ منها أنوار الأمل نحو الحرية، فبدأ النوميديون يلجون المسيحية زرافاتٍ ووِحدانَا، ويصف المؤرخ الجزائري أحمد توفيق مدني البدايات الأولى للمسيحية في الشمال الأفريقي في كتابه «قرطاجنة في أربعة عصور» إذ يقول: «ظهرت بالشرق أنوار الديانة المسيحية في أول عهد القياصرة، فاعتنقه جمٌ غفيرٌ من الرومان، وتسربت بواسطتهم إلى المغرب، وقدم مبشروها إليه؛ فأعجب البربر بهذا الدين الآمر بالأخوة والمساواة ومكارم الأخلاق، وتسارعوا إلى الدخول في دين الله أفواجًا، وأصبحت له بيع صغيرة في كافة أنحاء البلاد المغاربية» .

بيد أنّ العداء الروماني للمسيحية زاد من معاناة الأمازيغ بعد اعتناقهم لها، فتحوّل الشمال الأفريقي إلى ساحةٍ يُحاكم فيها معتنقوها ويُعاقبون بوحشية وقسوة وصرامة شديدة، علاوةً على ذلك فقد كانوا حسب توفيق المدني «يبثون العراقيل في الديانة المسيحية؛ فما أغنت عنهم تلك العراقيل شيئًا، واستفحل أمرها، فأخذوا ينكلون المعتنقين تنكيلًا شديدًا، ولم يقفوا أمام أية فظاعة أو قوة. فكانوا يسجنون المسيحيين، سواء بإيطاليا أو بالمغرب، ثم يجمعون الناس في يوم مشهور بإحدى الملاعب الكبيرة، ويخرجون أولئك التعساء رجالًا ونساءً في وسط الملعب، ويطلقون عليهم الأسود الكاسرة الجائعة، فتمزقهم إربًا إربًا، وتأكلهم على مرأى ومسمع من الجموع المتفرجة، كان أولئك الشهداء، شهداء وحشية الإنسان، يموتون بكل جلدٍ وثبات»، كان هذا تعامل روما مع الديانة  المسيحية إجمالًا، غير أنّ تعاملها مع المذهب الذي ظهر في نوميديا كان خاصًا، خُصوصًا بعدما أسس الآب دوناتوس مذهبه القائم على التوحيد تأسيًا بالأريسيين، وبثّه لروح الثورة لدى سكان نوميديا ضدّ الرومان؛ ما جعل روما تنتفض ضد معتنقي الدوناتية وتستفحل في قمعهم واضطهادهم.

إحياء مئوية القديس أوغستين

وفي الوقت الذي كان يستمتع فيه الرومان بمشاهدة مصارعة الدوناتيين و الأريسيين لمصيرهم في الملاعب الرومانية العريقة، كانت السيدة مونيكا تصارع آلام المخاض في مدينة تاغست لتضع وليدها أوغسطين، والذي كانت لها دورٌ في توجهاته الدينية بعد أن كانت مونيكا تعتنق المسيحية؛ إذ كانت تحرص على نشأته نشأةً دينية، غير أنّ أوغسطين تاه بين ملذات الدنيا بعد أن ولدت له إحدى السيدات ولدًا سماه ابن الخطيئة؛ إذ يقول أوغسطين في كتابه «اعترافات أوغسطين» الذي يؤرّخ فيه لنفسه: « تصاعد دخان رغبات جسدي الدينية التي عضت كالسحاب قلبي وآلمته حتى لم أعد أميز بين الصفاء الواضح للحب، وغشاوة الهوى والشهوة، فانغمست وضللت وتناثرت أشلائي، هويت في بئر الدعارة».

اهتمّ أوغسطين طيلة فترة شبابه بتكوينه الفكري، فتبحّر في المذاهب الفلسفية، متنقلًا من مذهب المانوية الذي اعتنقه في سنّ 19 سنة، إلى الأفلاطونية المحدثة بعد أن قرأ كتب أفلاطون ورفضها، وأمام هذا التجاذب الفكري الذي  عاشه سان أوغسطين، بدأ الشكّ يتسرّب إلى تفكيره؛ ما أحدث في نفسه صراعًا للبحث عن الحقيقة.

حقيقةٌ وجدها أوغسطين حسب جيرارد براي  في كتابه «AUGUSTINE TRANSFORMED BY THE POWER OF GOD» (أي تحول أوغسطين بقوة الإله) عند أمبروسيوس أسقف مدينة ميلانو، بدأت أفكاره المناقضة للكتاب المقدس، والتي غذتها فيه المانوية تتلاشى بحكم تأثير أمبروسيوس فيه؛ ما فتح قلبه أخيرًا على الكثلكة وانهمر في نشرها، ليحقق بعد 30 سنةٍ آمال أمّه مونيكا برؤيته يعتنق المسيحية، وصديقًا سمبلشيانوس الراهب الأكثر شهرةً في روما.

وفي وقتٍ دبّ في عصر الظلام أوروبا، شكلت الفلسفة المسيحية المؤسسة الرسمية في حياة العصور الوسطى وفكرها، ومن هذا المنطلق يرى الدكتور حسن حنفي في كتابه «نصوص من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط (أوغسطين – أنسليم – توما الأكويني)» انّ القديس سانت أوغسطين تصدى لمهمة تنوير المجتمع بأطروحاته ونظرياته لكونه مطلعًا على إرث الحضارة اليونانية فعمد على إسقاط لاهوته المسيحي على أبرز المسائل الفلسفية، وقد زودتهم الفلسفة اليونانية بما يكفي لرفد فلسفته السكولائية.

فنان «دموي» ضل طريقه للسلطة.. هل أحرق نيرون روما على أنغام القيثارة؟ 

أوغسطين ينحاز لروما ضد الأمازيغ الدوناتيين

تعرضت الكنيسة الرومانية مع نهاية القرن الرابع الميلادي إلى عدّة صدماتٍ سماها أوغسطين في كتابه «الردّ على الدوناتيين» بالبدع المسيحية، المتمثلة في التيار الدوناتي المؤسس في أفريقيا الشمالية، الذي يقسّمه المؤرخ الجزائري أحمد توفيق مدني إلى قسمين، بحيث يقول في كتابه «قرطاجة في أربعة عصور»: «عندما مات أسقف المغرب – المدعو مانسوريوس – وقع الخلاف في تسمية خليفته، وترشح لذلك الراهب سيسليان، لكن أنصار الفتنة أبوا الموافقة على هذه التسمية، وكان زعيم المعارضين راهب قرية بربرية يدعى دونات، وتألف عندئذ جندًا من أشد الدوناتيين تعصبًا، وأخذوا يجوبون أطراف البلاد بدعوى ضمّ جميع المسيحيين إليهم، وكان أغلب هؤلاء الدوناتيين من العبيد الآبقين، وممن لا يملكون في هذه الدنيا غير أجسامهم، فاتخذوا لنفسهم مذهبًا اجتماعيًا هو خليط من الشيوعية والفوضوية، ويقولون: إنهم يريدون أن يقروا مبدأ المساواة التامة في الرزق بين الناس، وأن لا يعترفوا بأية سلطة، وطفقوا كذلك يتجولون، وانقلبوا عصابة نهب وسلب ترتكب الفظائع، والذبح، ولم يبق لهم من الصبغة الدينية أي شيء، فتعقبتهم الجنود الرومانية، وقطعت في آخر القرن الرابع دابرهم، لكن الدوناتيين الحقيقيين، وأغلبهم من أبناء البربر، ظلوا محافظين على قوامهم وصلابتهم، يترقبون سنوح فرصة للانقضاض على أعدائهم، وكانت حركتهم سياسية ترمي إلى التحرير، متقمصة في ثوب حركة دينية، وأعظم أسباب هذا الهيجان هو النظام الاستعماري الروماني الذي ملك الأرض بيد ثلة منتفعة، وحرم منها جماعة الناس».

تعاظم نفوذ الدوناتيين وانتسب معظم سكان نوميديا إلى مذهبهم، الأمر الذي أدى بكاثوليك هيبون – مدينة عنابة الجزائرية حاليًا – إلى الاستعانة بالقديس أوغسطين واستقدامه من ميلانو، وترقيته إلى الدرجة الكهنوتية، واتخاذه مساعدًا لأسقف المدينة، ثمّ عيُّن نفسُه أسقفًا للمدينة بعد وفاة أسقفها.

اضطهاد الرومان للمسيحية، مصدر الصورة ( قناة عشتار الفضائية)

وأمام موجة الثورة التي حملها الدوناتيون ضدّ الرومان في نوميديا، حمل أوغسطين على عاتقه مهام مواجهة الدوناتيين الذين كان يصفهم بـ«الهرطقة»، نظرًا للاختلاف الجوهري بين المذهب الكاثوليكي المذهب الدوناتي.

حاول الدوناتيون دعم الحركات الثورية التي قامت في شمال إفريقيا ضدّ الرومان ما أدخلهم في صراعٍ ثنائي ضدّ الكنيسة من جهة وضدّ السلطات الرومانية من جهة أخرى، استغلت الكنيسة الرومانية تورّط التيار الدوناتي في دعمه وتحريض للثورة على الرومان فعمل على حسب الباحث الجزائري الدكتور عثمان سعدي في إحدى مقالاته على سنّ الفتاوى للسلطات الرومانية من أجل إبادة الدوناتيين، وهو ما تمّ عام 411م حين عقد مؤتمر قرطاج بطلب من الإمبراطور هونوريوس حيث جمع 286 أسقفًا يمثلون الكنيسة المسيحية الرومانية و279 أسقفًا يمثلون المذهب الدوناتي خلص إلى حل المذهب الدوناتي؛ فصودرت كنائسه وممتلكاته لصالح الإمبراطورية الرومانية ممثلة في الكنيسة المسيحية.

ولعب القديس أوغسطين دورًا بارزًا في القضاء على المذهب الدوناتي كما ذكر الدكتور عثمان سعدي  في مقاله، حيث كان أوغسطين يؤيد ويدعو لقمع الدوناتيين ويقول: « ينبغي أن تتدخل السلطة العامة وتزرع الرعب لإعادة الهراطقة للأصالة المسيحية. باسم كلمة المسيح أجبروهم بالقوة على الدخول»، وكرّس أوغسطين جزءً كبيرًا من اهتماماته الدينية في محاربة ومجادلة الدوناتيين، وللقديس سانت أوغسطين عدة مؤلفات كتبها ضد الدوناتيين أهمها: «أعمال مؤتمر قرطاج»، وهو تقرير حول حوار دار بقرطاج خلال عام 411م بين الدوناتيين والكاثوليكيين. وكتاب «ضد كاودنتيوس»، وهو موجه إلى أحد الدوناتيين الذي كان أسقف تيمقاد التي كانت معقلًا للدوناتيين بجبال نوميديا القديمة، والذي تمّ قتله من طرف الرومان، إلى جانب مؤلفات أخرى أنصبّت كلها حول آراء نقدية معارضة للفكر الدوناتي.

تعذيب الدوناتين من طرف روما، مصدر الصورة (GoodSalt)

وارتكبت روما طيلة القرن الرابع مجازر وحشية ضدّ سكان شمال أفريقيا المعتنقين للمذهب الدوناتي التوحيدي، إذ يحكي جون أندري جوليان في كتابه «تاريخ إفريقيا الشمالية» تلك المشاهد، ويقول: «قمع قاس سلط على الدوناتيين؛ فلقد مات أحدھم في الحبس، وھو الأسقف أبتا أصیل تيمقاد، وكان مستشارًا للقائد المغربي وروح المقاومة فمجد كما يمجد الشھداء، وكذلك فقد ضغط نبلاء القطائع على فلاحیھم حتى يعودوا إلى النصرانية، وھكذا فلا یمكن أن یعبر كاتب عما لاقاه الفلاحون من ضغط لیخضعوا إلى سلطة الكنيسة، فكانت المسیحیة بالنسبة للأسياد ضمانًا لخضوع طبقة المعدمين الفلاحین».

وأثناء محاكمة الإسباني مايكل سيرفيت في القرن السادس عشر، يذكر القس جون لوريمر في كتابه «تاريخ الكنيسة» اتّهام القديس الإسباني مايكل سيرفيت القديس أوغسطين بتحريفه للديانة المسيحية عن طريق نشر خرافة الثالوث المقدّس، أثناء النقاش الشهير الذي دار بينه وبين كالفن.

يوسف بن تاشفين.. الأمازيغي الذي عاش قرنًا وأخَّر سقوط الأندلس 4 قرون

رحل أوغسطين إلى الآخرة.. وبقيّ الجدل حوله في الدنيا

مع بداية القرن الخامس الميلادي عاشت روما فترة صداعٍ؛ فينقل الدكتور أحمد غانم حافظ في كتابه «الإمبراطورية الرومانية من النشأة إلى الانهيار» أنّ قبائل القوط الجرمانية التي كانت تعتنق المذهب الأريوسي هاجمت العاصمة الرومانية روما بقيادة الملك ألاريك بنهب روما عام 410م، واستباحتها، في تلك اللحظة كان القديس أوغسطين يكتب آخر حروفه من كتاب «مدينة الله» يؤرّخ فيها لمشاهد سقوط روما في يد الجرمان، ويحاول أن يبرهن من خلاله على أنّ ما أصاب العاصمة روما من نَهْبٍ وتعذيبٍ وأسْرٍ ليس غريبًا عن التاريخ البشري، فروما – حسب أوغسطين – ابتُليتْ بما ابتُليتْ به سائرُ الشعوب على مدى قرون من جراء سطوتها وغطرستها.

لم يتوقف القوط الجرمانيين عند روما، فتوجهوا إلى مستعمراتها الجنوبية، ففي سنة 430م وصل الوندال إحدى القبائل الجرمانية إلى مدينة هيبون وحاصرتها لشهورٍ، في تلك الأثناء كان القديس أوغسطين يصلّي آخر صلواته تكفيرًا عن ذنوبٍ ارتكبها في ريعان شبابه، قبل أن يرى قبل أن يموت لحظة استباحة الوندال لهيبون وإعلانها عاصمةً لهم.

ملتقى دولي حول الأمير عبد القادر والقديس أوغستين

ورغم مرور 16 قرنًا عن وفاته، لا يزال القديس سانت أوغسطين يصنع الحدث في الجزائر، بين من يراه خائنًا للنوميديين الموحدين، وبين من يراه بطلًا مقدسًا، وهو ما آثاره الملتقى الدولي الذي نظمته وزارة الثقافة الجزائرية حول شخصيتي القديس أوغسطين والأمير عبد القادر الجزائري، والذي رأى من خلاله الدكتور محمد بوالروايح أستاذ العقيدة ومقارنة الأديان بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، أنّه انتقاصٌ من مكانة الأمير عبد القادر الجزائري الذي كان بطلًا شعبيًا، ولم يكن مواليًا للسلطة مثل سان أوغسطين.

برومو فيلم  «أوغسطينوس..ابن دموعها»

جديرٌ بالذكر أنّ السلطات الجزائرية قامت سنة 2017 بالتعاون مع تونس وإخراجٍ مصري بإنتاج فيلمٍ تاريخي يجسّد حياة القديس سان أوغسطين، تحت عنوان «أوغسطينوس..ابن دموعها» وهو الفيلم الذي فاز بجائزة الإنجاز الفني بمهرجان الإسكندرية السينمائي.

«شيخ الشيوخ» أبو مدين الغوث.. المتصوّف الذي قاد جهاد المغاربة في القدس

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد