«لم يكن هناك منزل لم يُدمر، وكان من المستحيل إطفاء ألسنة اللهب؛ لأن النيران اشتعلت في جميع المنازل في الوقت نفسه. هرب الناس من المدينة، وأمرت أولجا جنودها بالقبض عليهم. فأخذت المدينة وأحرقتها وأسرت كبارها، قتلت بعض الأسرى وباعت البعض عبيدًا لأتباعها، والبقية التي تركتها كانت لدفع الضريبة لها» *السجل الأول والمعروف باسم «حكاية السنوات الماضية» الذي يسجل تاريخ كييف روس.

عند البحث عن معنى كلمة «قديس» في المعاجم والقواميس، ستجد الإجابة تقول بأنه الشخص المقدس أو المتدين بشكل خاص، أو الشخص المعترف به رسميًّا (جرى تطويبه) من قبل الكنيسة لـ«فضيلته البطولية»، وعادة ما يكون هذا الشخص قد قدم معجزة واحدة على الأقل، كي تطوبه الكنيسة.

وجرت العادة أن صفات مثل الطيبة أو التسامح أو الإخلاص في العبادة لا بد وأن يتصف بها «القديس». لذلك عندما أخبرك بأن الاقتباس المذكور أعلاه، يصف ما فعلته أولجا ملكة كييف، قد يصعب تصديق أنها أصبحت قديسة! بل أصبحت أول قديسة للكنيسة الروسية الأرثوذكسية، وتعد شفيعة الأرامل والمعتنقين الجدد للديانة!

ولمعرفة كيف تحولت أولجا من جبروتها المذكور أعلاه إلى قديسة، تعال معنا في رحلة إلى أراضي الروس الكييفية، حيث بيلاروسيا وأوكرانيا وروسيا اليوم، وتحديدًا في القرن العاشر الميلادي.

السجل الأول: قصة البداية عن روريك وأوليج وإيجور

بدأت القصة حينما دعت بعض القبائل السلافية التي كانت تسكن تلك المنطقة مجموعة من الفايكنج الإسكندنافيين وكانوا معروفين باسم «الفارانجيين» أو «الروس»، للحكم والحفاظ على النظام في بلادهم في منتصف القرن التاسع الميلادي. وبالفعل قبل ثلاثة إخوة الدعوة، ويحكي السجل الأول المعروف باسم «حكايات السنوات الماضية» أن «روريك الأكبر سنًّا، حكم في منطقة نوفجورود، وأن الأخ الثاني سينوس، حكم في منطقة بيلوزيرو، وحكم الأخ الثالث تروفور، في منطقة إيزبورسك. وبعد قدوم هؤلاء الفارانجيين، أصبحت نوفجورود معروفة بأرض الروس»، وقد توفي إخوة روريك في غضون عامين، فسيطر روريك على أراضيهم واتخذ من نوفجورود عاصمة له.

روريك وأخواه – مصدر الصورة: هيستوري

بعد وفاة روريك، تولى أوليج الحكم، فقد كان أحد أقربائه (وفي بعض الروايات أخو زوجة روريك) وقد ائتمنه روريك على مملكته وعلى ابنه إيجور، وقد استطاع أوليج إكمال مسيرة روريك حيث استولى على مدينة كييف عام 882م، ونقل العاصمة من نوفجورود إلى كييف. وبالإضافة إلى التوسع والاستيلاء على مناطق جديدة لزيادة حجم كييف روس، زاد أوليج أيضًا ثروة مملكته من خلال التفاوض على صفقة تجارية مع القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. 

توفي أوليج، بالطريقة التي ذكرتها نبوءته؛ إذ أخبرت النبوءة – وفقًا للسجل الأول- أن حصانه المفضل سيقتله وهو ما كان، بشكل أو بآخر. فقد كان أوليج قد أمر بإبعاد الحصان – بعد أن عرف النبوءة – بشرط أن يجري إطعامه ورعايته بشكل جيد، لكن وبمجرد أن غزا المناطق المحيطة وعقد الصفقات المربحة، مثل التي عقدها مع القسطنطينية، شعر بالثقة، وسخر من النبوءة وسأل مستشاريه عما حدث للحصان الذي كان من المفترض أن يقتله، فقيل له إنه مات، فذهب أوليج حيث عظام الحصان، وبمجرد وصوله، سخر من النبوءة وداس على جمجمة الحصان، ولكن لتتحقق النبوءة؛ خرج ثعبان من تحت الجمجمة المهشمة وعض أوليج من قدمه وقتله!

خلف أوليج في الحكم إيجور ابن روريك، الذي كان قد تولى تربيته ورعايته، وكان إيجور قد تزوج من امرأة فارانجية تدعى أولجا في وقت ما قبل توليه السلطة. ومثله مثل مربيه أوليج، انخرط إيجور في حملات عسكرية ناجحة، وجمع الضرائب من القبائل والمدن التي وقعت في قبضته. ومع ذلك، وبمرور الوقت شعر إيجور بأن الثروة التي جمعها لم تكن كافية له؛ ففرض ضرائب أكبر على القبائل المجاورة، الأمر الذي لم تستطع إحدى القبائل تقبله، وهي قبيلة دريفليان.

كانت العلاقة بين دريفليان وكييفان روس، معقدة بعض الشيء فقد انضموا إلى الروس في الحملات العسكرية ضد الإمبراطورية البيزنطية، وأشادوا بأسلاف إيجور ودفعوا لهم الضرائب، لكنهم توقفوا بعد وفاة أوليج، وبدلًا من ذلك دفعوا أموال الحماية إلى أمير محلي.

أوليج – مصدر الصورة: «أر بي تي إتش» 

فرأى إيجور أن هذه ستكون فرصة مناسبة لجمع المزيد من الأموال، وكما يحكي السجل الأول فإن إيجور ذهب إلى أراضي الدريفليانيين وجمع أموال ضرائبه عن طريق العنف، وبينما هو في طريق عودته إلى كييف، شعر إيجور بأنه يمكن أن يجمع المزيد من الأموال من الدريفليانيين.

أمر إيجور رجاله بالعودة إلى كييف إلا قليلًا منهم، وانطلق مع من بقي من رجاله تجاه قبيلة دريفليان رغبة في ملء خزائنه بالمزيد من الغنائم. استطاع الدريفليانيون رؤية إيجور ورجاله قبل وصولهم إلى أراضي القبيلة، وهنا يذكر السجل قول أميرهم «مال»: «إذا أتى الذئب بين الأغنام، فإنه سيأخذ القطيع كله واحدًا تلو الآخر، إلا إذا جرى قتله، لذلك إذا لم نقتله الآن، فسيدمرنا جميعًا»، فانطلق الدريفليانيون صوب إيجور ورجاله وبسبب تفوقهم العددي نجحوا في قتل جميع رجال إيجور وأسروه وعادوا به إلى مدينتهم إيسكوروستين.

كتب المؤرخ البيزنطي ليو الشماس: «لقد قاموا بثني شجرتين من خشب البتولا تجاه قدمي الأمير وربطوهما بساقيه، ثم تركوا الأشجار تستقيم مرة أخرى، وبالتالي مزقوا جسد الأمير». ومع ابنها سفياتوسلاف البالغ من العمر ثلاث سنوات، والذي كان أصغر من أن يتولى عرش كييف، صعدت أولجا لتحكم بدلًا من ابنها ولتبدأ قصتها.

حكاية السنوات الماضية: عن أولجا والانتقام

بعد مقتل زوجها بهذه الطريقة البشعة، استولت فكرة الانتقام على تفكير أولجا، كيف لا، وقد أرسل أمير الدريفليانيين «مال» إليها ليطلب يدها للزواج، فقد ظنوا أنهم كانوا يتعاملون مع مجرد امرأة نبيلة رزينة يمكن إخضاعها بسهولة وترتيب زواجها من أميرهم، وبهذا لن يكونوا أحرارًا فقط من دفع الضريبة لكييف، بل سيحكموها.

لكن على العكس تمامًا، لم تكن أولجا امرأة نبيلة رزينة يمكن إخضاعها بسهولة، ولأن الانتقام طبق يقدم باردًا، فإن خطة أولجا كانت طويلة، بدأتها حينما طلبت من البعثة التي أرسلها الأمير مال أن يبقوا في قواربهم، ريثما تجهز لهم استقبالًا حافلًا. وبينما كان الدريفليانيون في قواربهم، أمرت أولجا بحفر حفرة كبيرة، تتسع للقوارب التي أتت بها البعثة، وبعد أن انتهت عملية الحفر أمرت رجالها بأن يذهبوا إلى قوارب البعثة ويحملوها على الأكتاف نوعًا من «الاستقبال الحافل»، وما إن رأى رجال بعثة مال الحفرة أدركوا الفخ الذي وقعوا به، لكن الأوان كان قد فات، فألقوا في الحفرة وأمرت أولجا بدفنهم أحياء.

Saint Olga Of Kiev - Lessons - Blendspace - أولجا

القديسة أولجا – مصدر الصورة: بليند سبيس

لكن الملكة الوصية على عرش كييف لم تكتف بذلك، فأرسلت أولجا رسالة إلى الأمير مال بأنها ستقبل اقتراحه، ولكن فقط إذا أرسل مجموعة من أفضل رجاله ومستشاريه لمرافقتها إلى أراضيهم، حيث كان من المهم أن يظهر الأمير للكييفان روس مدى جديته في عرضه.

لم يفكر مال مرتين وأرسل أهم مستشاريه ليبهروا الملكة في كييف، وعندما وصلت البعثة الثانية، اقترحت الملكة عليهم أن يقضوا بعض الوقت في أحد الحمامات العامة، حتى يغتسلوا ويستريحوا من عناء السفر، وبالطبع وافقوا فلم يكن يليق بالملكة أن يقابلوها وهم في حالتهم تلك، وبمجرد أن استرخوا في الحمام، أصدرت الملكة أوامرها، فأغلقت الأبواب وأُحرق الحمام وهم بداخله.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
سانت أوغسطين.. مفتي روما الذي نشر التثليث بالتعذيب في الجزائر

لكن هذه لم تكن النهاية بالنسبة لأولجا، فقبل أن تمر الأيام ويبدأ مال بالقلق على رجاله أعلنت ملكة كييف أنها قادمة لزيارة مدينته، وطلبت أن يقيم مأدبة جنائزية لتأبين زوجها الراحل، وهو ما وافق عليه الأمير مال. وعلى الرغم من عدم سماعهم من أي من البعثات التي أرسلوها إلى بلاط أولجا، شرع الدريفليانيون في إعداد وليمة كبيرة وبعد أن سكروا حتى الثمالة، قام جنود أولجا الذين اصطحبتهم معها بقتل 5 آلاف منهم. وبعد أن رحلت أولجا وظن الجميع أنها قد نالت انتقامها وشبعت من الدماء؛ إذ بها تعود بجيش جرار لتحاصر المدينة التي كانت فقدت طبقتها الحاكمة وأفضل رجالها، إما في الزيارة الأولى، وإما الثانية، وإما في المأدبة.

توسل الدريفليانيون الناجون من أجل الرحمة وعرضوا عليها دفع الضرائب بالعسل والفراء للهرب من غضبها، وبدت أولجا وكأن قلبها يلين، لكنها «بدت». وافقت أولجا أن ترحم دريفليان، بشرط: «أعطوني ثلاث حمامات، وثلاث عصافير من كل بيت. لا أرغب في فرض جزية ثقيلة، مثل زوجي، لكنني أطلب منكم هذه الهدية الصغيرة فقط، لأنكم افتقرتم بسبب الحصار». ووافق الدريفليانيون وأعطوا أولجا مطلبها، للأسف.

يذكر السجل «الآن أعطت أولجا لكل جندي في جيشها حمامة أو عصفورًا، وأمرتهم أن يربطوا لكل حمامة قطعة من الكبريت مربوطة بقطع صغيرة من القماش. وعندما حلَّ الليل، أمرت أولجا جنودها بإطلاق سراح الحمام والعصافير. فطارت الطيور إلى أعشاشها وأقفاصها وبيوتها. وفي لحظة أضرمت النيران في الأعشاش، والأقفاص ، والأروقة ، وأغصان الراعي».

«لم يكن هناك منزل لم يُدمر، وكان من المستحيل إطفاء ألسنة اللهب؛ لأن النيران اشتعلت في جميع المنازل في الوقت نفسه. هرب الناس من المدينة، وأمرت أولجا جنودها بالقبض عليهم. فأخذت المدينة وأحرقتها وأسرت كبار المدينة، قتلت بعض الأسرى وباعت البعض عبيدًا لأتباعها. والبقية التي تركتها كانت لتدفع الضريبة لها».

لم تكن هذه مغامرة أولجا الوحيدة، فلقد تعرضت كييف للحصار، حينما تولى ابنها سفياتوسلاف، وكعادة أجداده كان قد انطلق مع جيشه ليغير على المدن والقبائل المحيطة، وكانت أولجا المسئولة عن كييف في ذلك الوقت، وعندما هاجمت كييف قبيلة من القبائل، نجحت أولجا بدهائها التفوق على الأعداء حتى عاد ابنها بجيشه الكبير.

أولجا وكلمة الرب والقسطنطينية

بعد أن حصلت أولجا على انتقامها، شعرت بأن الوقت قد حان لتترفع عن أمور الدنيا وتنشغل بما هو أهم، فتحولت إلى الدين، وعلى وجه التحديد إلى المسيحية. سافرت إلى القسطنطينية عام 957م، حيث تقول بعض المصادر إنه في زيارة إلى القسطنطينية، شعرت أولجا بالإلهام من المسيحيين الذين قابلتهم هناك وبعد فترة وجيزة تحولت إلى المسيحية، فجرى تعميدها من قبل البطريرك بوليوكتوس وكان الإمبراطور قسطنطين السابع عرابها.

كاتدرائية القديسة أولجا، كييف – المصدر ويكيميديا

بالطبع كانت هذه الخطوة جريئة بشكل غير معقول بالنظر إلى مدى عداء بلادها وثقافتها ودينها للمسيحية. فمن خلال التحول إلى المسيحية، كانت أولجا تتبنى قواعد أخلاقية ومجموعة معتقدات وثقافة مختلفة تمامًا عن كييف روس. وبما أنها ملكة كييف روس، فقد استخدمت قوتها وثروتها لبدء الجهود التبشيرية، حيث كانت تنشئ المستشفيات، وتوفر الرعاية للفقراء باسم الرب. لكن مع تولي سفياتوسلاف الحكم، قاوم الملك الجديد دعوة أمه ورفض التحول عن دين آبائه وأجداده، لكن ذلك لم يمنع أولجا من الدعوة لدينها الجديد.

دعوة أولجا لم تذهب هباءً، فقد مهدت الطريق ليأتي حفيدها فلاديمير ابن سفياتوسلاف ويعتنق المسيحية ويعمم الدين المسيحي في أرجاء المملكة ويقره الدين الرسمي لكييف روس، وقد توفيت أولجا، على الأرجح في 11 يوليو (تموز) 969م، وتعد أول قديسة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية.

جدير بالذكر أن رفات أولجا قد فقدت في القرن الثامن عشر، لتنتهي قصة القديسة أولجا، بعد أن نالت انتقامها كاملًا، واستمعت بعد ذلك لكلمة الرب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد