التجربة التي صدمت الجميع تمَّت منذ حوالي 40 عامًا في قبو جامعة ستانفورد حيث تمّ تهيئة المكان ليُحاكي سجنًا حقيقيًا يحتوى على زنزانات صغيرة تستوعب كل واحدة منها 3 مساجين، وممر صغير اعتُبر ساحة السجن

في أحد صباحات أغسطس (آب) عام 1971، قامت شرطة بالو ألتو، بكاليفورنيا؛ بحملة اعتقالات لعدد من طلبة الجامعة بتهم السطو المسلح والسرقة وانتهاك القوانين. ألقي القبض على الطلبة من منازلهم، وتُليت عليهم حقوقهم، وتم إيداعهم بمراكز الشرطة بعد إتمام الإجراءات الرسمية.

حتى هذه اللحظة لم يكن أي من المتهمين، أو آباؤهم، أو الذين راقبوا عملية القبض على الطلبة من بعيد؛ على دراية بأيٍّ مما يحدث، أو ما الذي فعله هؤلاء الطلبة؟ فقط فيليب زمباردو ومساعدوه بجامعة ستانفورد كانوا يعلمون أن كل هذا ليس سوى تجربة ستُصبح فيما بعد من أشهر التجارب التي يُستدل بها على ما يمكن للإنسان فعله إذا ما مُنح القوة والسلطة دون أن يكون عليه رقيبٌ أو مُحاسب.

التجربة التي صدمت الجميع تمَّت منذ حوالي 40 عامًا في قبو جامعة ستانفورد حيث تمّ تهيئة المكان ليُحاكي سجنًا حقيقيًا يحتوى على زنزانات صغيرة تستوعب كل واحدة منها 3 مساجين، وممر صغير اعتُبر ساحة السجن، وغرفة للحبس الانفرادي، وغرفة أكبر للحراس. واستعان زمباردو في إنشاء سجنه الخاص بمساعدة كارلو بريسكوت، والذي خدم لأكثر من 17 عامًا في عدة سجون أمريكية.

لقد قررنا إنشاء سجننا الخاص، لمحاكاة بيئة السجون في الواقع، ثم ملاحظة تأثير هذه البيئة على سلوك من يعيشون بداخلها. *فيليب زمباردو متحدثًا عن تجربة سجن ستانفورد.

بدأ كل هذا عندما نُشر إعلان في جرائد بالو ألتو، عن الحاجة لمتطوعين للمشاركة في تجربة عن التأثير النفسي لبيئة السجن على حياة الإنسان. ومن بين 70 مُتقدمًا تم اختيار 24 شابًا فقط ممن تنطبق عليهم مواصفات الصحة الجسدية والعقلية ومستوى ذكاء وحالة اجتماعية متوسطة، قُسمت هذه المجموعة، باختيار عشوائي بحت عن طريق قطعة معدنية من النقود، إلى 12 سجينًا و12 حارسًا، وكان هؤلاء المساجين هم الذين تلقَّوا صدمة القبض عليهم فيما بعد وتم اقتيادهم دون سابق معرفة منهم إلى سجن جامعة ستانفورد الجديد.

اعتقد الجميع أنها ستكون التجربة الأكثر مللًا على الإطلاق، ففي النهاية، ما الذي يمكن أن تفعله مجموعة صغيرة من الأفراد الذين يقبعون في غُرف/ زنازين منفصلة ويحرسهم عددٌ أقل من الأشخاص الذين ليس لديهم خبرة على الإطلاق مع السجون أو إدارتها. لكن ما حدث فيما بعد شكّل المفاجأة الأكبر للبشرية عامة وللقائمين على التجربة وزمباردو على وجه الخصوص.

إعلان البحث عن متطوعين لتجربة سجن ستانفورد

وُضعت كاميرات المراقبة في سجن ستانفورد، وتحت أعين زمباردو وفريقه، بدأت التجربة في العمل. كان للحراس مهمة أساسية هي «حفظ نظام السجن» بأي طريقة ممكنة دون أن تسمح تلك الطريقة بالإيذاء الجسدي للمساجين تحت أية ظروف، ودون أن يتمَّ منع الطعام أوالشراب عنهم. لكنّ مهام حفظ النظام تطورت لتُصبح مهامَّ تعسفية أملاها الحراس على المساجين منذ اليوم الأول، فقد أجبر الحراس المساجين على التعري وأصبحت ملابسهم طوال فترة السجن هي ثوبًا واحدًا فقط مدونًا عليه رقم كل مسجون، والذي يُعدُّ الوسيلة الوحيدة للتعريف بحامله، يُصاحب هذا الثوب جورب من النايلون يلبسه المساجين فوق رؤوسهم، وسلسلة معدنية غليظة تُحيط بإحدى أقدامهم طوال الوقت. لم يكن يُسمح لأيِّ مسجون بالتعامل أو تعريف نفسه سوى من خلال الرقم المكتوب على ملابسه، لم يكن مسموحًا للمساجين بالخروج أو التحدُّث كثيرًا مع بعضهم البعض، كما لم يكن مسموحًا لهم بالحصول على أية خصوصية خلال فترة التجربة.

«بمجرد ارتدائهم تلك الملابس، بدأ المساجين بالسير والتحدث بطريقة مختلفة – أشبه بالمرأة منها إلى الرجل – كذلك كانت السلسلة حول أقدامهم وسيلة للشعور الدائم ببيئة السجن، ففي أثناء النوم، وعندما ترتطم السلسلة في إحدى قدمي السجين بقدمه الأخرى، سوف يُدرك أنه لن يستطيع الهرب، حتى في أحلامه». *زيمباردو.

استيقظ الحراس في اليوم الثاني على محاولة للتمرد، فقد وضع المساجين أسرتهم خلف الأبواب، وقرروا إعلان العصيان، الأمر الذي تطور في النهاية ليصل إلى الاعتداء على أحد المساجين بالضرب، وعزل بعضهم في الحبس الانفرادي، وفضّ حالة العصيان الهزيلة. لكنّ الصمت الذي أظهره المشرفون على التجربة أدى لتطور الأمور، وخروجها عن السيطرة، فالاعتداء على المساجين أصبح السمة الرئيسة لسجن ستانفورد الصغير، الاعتداء بالألفاظ والتطاول الجسدي، وتعرية المساجين وجعلهم يعتدُّون على بعضهم البعض، كل هذا دفع بالتجربة، التي كان مُقررًا لها أن تستمر أسبوعين متواصلين، إلى الانتهاء سريعًا بعد ستة أيام فقط من بدايتها. ستة أيام فقط دفعت ببعض المساجين إلى الهاوية حيث طلب اثنان منهم إنهاء التجربة مبكرًا نتيجة التأثير النفسي السيء لما حدث عليهم، بينما أعلن زمباردو نفسه فيما بعد أنه، ومع الانغماس في التجربة، صار يتعامل وكأنه مدير السجن وليس باحثًا في علم النفس!

فيليب زيمباردو

استهدفت التجربة دراسة التأثير النفسي الناتج عن كون الإنسان مسجونًا أو حارس سجن، ومعرفة مدى التغيُّر في سلوك كليهما داخل بيئة السجن، وما كشفه جزء من التجربة في النهاية تلخَّصَ في عدة نقاط محورية:

  • ابتكر الحراس قوانينهم الخاصة داخل السجن، وأخذوا على عاتقهم تحديد الوسائل التي يمكنهم بها تنفيذ هذه القوانين. ديف إيشلمان، أحد الحراس الذين شملتهم التجربة، والذي اعتُبِر الأسوأ من بين الحراس في إهانة المساجين والتعامل المُسيء معهم، يقول في تقرير لجامعة ستانفورد عن التجربة أنه: «ما حدث لم يكن محض صدفة، لقد حاولت منح العمل القوة اللازمة للتقدم، إجبار شيء ما ليحدث، شيء يمكن للباحثين العمل عليه فيما بعد. لقد كنت أُدير تجربتي الخاصة هناك، ففي النهاية، إلى أي مدى يمكن للأمور أن تذهب، وإلى أي مدى يمكن لهؤلاء الأشخاص تحمّل الإساءة قبل أن يصرخ أحدهم: يكفي!».
  • أحد نتائج التجربة تمثل في أن: الناس ستنقاد بسهولة للأدوار الاجتماعية المنوط بهم القيام بها، خصوصًا إذا كان هذا الدور المتوقع يحدث في مؤسسة كالسجن. فبيئة السجن كانت عاملًا مهمًا في خلق «سادية» الحراس ووحشيتهم تجاه المساجين. «الإمعية» بمعنى آخر هي التفسير لسلوك الحراس، والتي فسّرت من خلالها تلك الحالة التي يُصبح فيها الفرد مُنصاعًا لقواعد المجموعة التي يتبعها للدرجة التي يفقد معها إحساسه بالتفرد أو المسؤولية الشخصية تجاه ما يحدث. لكن هذه النتائج كذلك كانت تدعم التفسير الظرفي للسلوك الإنساني، فالبيئة التي يتواجد فيها الفرد والدور الاجتماعي الذي تُلقيه تلك البيئة على عاتق الفرد هما اللذان سيحددان السلوك الذي سيتبناه تجاه الأحداث المختلفة. واستُخدمت تلك الفرضية لاحقًا في تفسير الوحشية المنتشرة بالسجون الأمريكية، وفي محاولة لمعرفة ما إذا كانت سادية الحراس هي السبب الوحيد لها أم أن هناك عوامل أخرى تحكم هذه الظاهرة.

بين سجن ستانفورد 1971 وسجن أبو غريب 2004 لم يختلف الأمر كثيرًا!

أحد الأمثلة الرئيسة التي تم تناولها ومحاولة تبريرها فيما بعد من خلال نتائج تجربة سجن ستانفورد، وبملاحظات زمباردو نفسه، كانت «سجن أبو غريب» بالعراق. فمع انتشار صور تعذيب الجنود الأمريكيين للمساجين في أبو غريب، خرجت نظريات علم النفس التي تسعى لتفسير التحولات التي يمكن أن تطرأ على حالة الجنود لتجعلهم يقومون بمثل هذه الأعمال الوحشية، وقامت إذاعة البي بي سي البريطانية عام 2002 بمحاكاة تجربة سجن ستانفورد، حيث تم الإعلان عن تجربة تحاكي بيئة السجون وطلبت متطوعين من أجل القيام بها، أُعلِم المشاركون هذه المرة بما هم مُقدمون عليه، النتائج لم تختلف كثيرًا عن التجربة الأولى، ولكنها ركزت بشكل أكثر فاعلية على قوة العوامل الاجتماعية في تفسير السلوك الإنساني، وفي تشكيل السلوك البشري داخل المجموعات باختلاف توجهاتها وأفكارها، وهي العوامل التي فُسرت من خلالها فيما بعد دافعية بعض الأشخاص للاستبداد بالناس، ودافعية غيرهم لمواجهة هذا الاستبداد، واهتمت كذلك بالدور الذي تلعبه قيم كل جماعة في تفسير سلوك أفرادها.

أحد مظاهر تعذيب العراقيين في سجن أبو غريب على أيدي الجنود الأمريكيين، العراق.

العديد من التعليقات نُشرت فيما بعد عن مدى أخلاقية تجربة سجن ستانفورد، وعن الحدّ الذي يمكن أن تصل إليه التجارب العلمية في التعامل مع البشر الذين يخوضونها. لم ينفِ هذا النتائجَ التي توصلت إليها التجربة والتي دعمتها عدة تجارب لاحقة، ولم تكن صور التعذيب في سجن أبو غريب هي الحالة الوحيدة التي تم التعامل معها على أنها مثال حي لتجربة سجن ستانفورد، فتفجير مركز التجارة العالمي فيما بعد كان أحد المواقف التي خضعت للمقارنة فيما بينها وبين نتائج تجربة ستانفورد، كذلك فإن النتائج تم استخدامها لمحاولة تحسين بيئة الحياة في السجون الأمريكية، واستخلاص أسباب العنف المنتشرة بها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد