جمال النشار
جمال النشار

672

ربما تكون قد طالعت مؤخرًا الكثير من المقالات والمراجعات النقدية للمسلسل البريطاني الشهير «بلاك ميرور» الذي عُرضت مواسمه الأربعة على شبكة البث «نتفليكس»، والذي تتمحور حلقاته بالكامل حول أسوأ المخاوف والسيناريوهات السلبية التي قد يتسبب فيها التقدم التكنولوجي، ولاقى نجاحًا كبيرًا، كما حصل على  96% في تقييمات النقاد على موقع «روتين توميتو» المتخصص في مراجعات الأفلام والمسلسلات.

ربما لم يكن «بلاك ميرور» هو الأول الذي يتنبأ بسلبيات التقدم التكنولوجي مثلما رأينا مثلًا في فيلم «minority report» للمخرج ستيفن سبيلبيرج الذي كان أول من تنبأ بظهور تكنولوجيا التحكم الحركي عن بُعد على شاشات التلفاز، ومثلما توقع فيلم «the terminator» ظهور تقنيات مدمرة مثل الطائرات العسكرية بدون طيار، أو حتى الروبوتات المقاتلة وغيرهم.

لكن المخرج الأمريكي المميز «ستانلي كوبريك» كان له عدة محطات هامة في أعماله سبقت الكثير من أقرانه في استقراء الأحداث المستقبلية بشكل أكثر شمولًا، ومن منظور أوسع، وربما نظرة أشد قتامة حتى من المسلسل الذي يصفه الكثيرون بالسوداوية، وكوبريك مخرج أمريكي من مواليد 1928 بولاية نيويورك، وعمل مصورًا فوتوغرافيًا في بداياته، ولكنه سرعان ما تتبع شغفه الأول وهو صنع الأفلام السينمائية؛ وتوفي عام 1999 تاركًا إرثًا سينمائيًا مميزًا يتكون من 13 فيلمًا روائيًا وثلاثة أفلام وثائقية قصيرة.

دكتور سترينجلوف.. التناطح الذكوري بالأزرار النووية

فيلم «دكتور سترينجلوف: أو كيف توقفت عن القلق وأحببت القنبلة» واحد من أفضل أفلام الكوميديا السوداء إن لم يكن أفضلها، ويتناول بشكل ساخر ومثير لحظات الرعب التي يعيشها قادة أمريكا في خوف جراء فعل مجنون من جنرال مضطرب عقليًا يتسبب في نشوب حرب نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق.

الكثير من النقاد رأوا أن الفيلم يحمل سخرية قاسية سوداء ومعاداة لسباق التسلح المحموم والقوى المتصارعة على لقب القوة العظمى الأولى وقتها؛ وفي إحدى المراجعات النقدية للفيلم الذي صدر عام 1964 في جريدة نيويورك تايمز قال الصحفي «بوزلي كروثر» إن الفيلم شطحة ساخرة في ظل التوتر الناشئ جراء تصاعد الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، وأنه وجد الفيلم طريفًا ولكنه خيالي وبمثابة «مزحة مريضة».

وفي استقراء حديث لهذا السيناريو الكارثي نشرت «الإندبندنت» البريطانية مقالًا بعنوان «ادعاء ترامب بأن زره أكبر من زر كيم جونج أون يثبت أن النزعة الذكورية السامة قد تدمر العالم» وأشارت كاتبته إلى مدى سخافة التلاسُن «ذي النزعة الذكورية» ورمزية التناطح بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون على «كِبَر حجم» أسلحتهم النووية – كمزحة ذات رمزية جنسية – يشبه بقوة الرمزية ذاتها التي أشار إليها فيلم «دكتور سترينجلوف» منذ أكثر من 50 عامًا بالترميز إلى القنابل النووية كأعضاء ذكورية.

وهو ما طرحه أيضًا بعض المحللين السينمائيين بتحليل العديد من النقاط والمشاهد في الفيلم، والتي تحمل رمزية جنسية بداية من مشهد الافتتاح عندما تعتلي إحدى الطائرات حاملة الوقود طائرة أخرى وتلج بها أنبوبًا لنقل الوقود إليها وفي خلفيته مقطع من موسيقى الجاز الرومانسية في إشارة إلى ممارسة العملية الجنسية؛ إلى مشهد النهاية الذي يمتطي فيه أحد الجنرالات القنبلة الساقطة التي بدت كقضيب عملاق ويطلق صيحات نشوة وانتصار.

اقرأ أيضًا: مترجم: هل أصبحت الحرب النووية بين أمريكا وكوريا الشمالية أقرب من أي وقت؟

البرتقالة الميكانيكية.. جماعات العنف المتطرف

فيلم البرتقالة الميكانيكية أو Clockwork orange الذي أخرجه كوبريك عام 1971 والمأخوذ عن  رواية الكاتب البريطاني «أنتوني بورجس» الصادرة عام 1962 بالاسم ذاته؛ أثار موجة من الجدل الشديد عقب طرحه بدور العرض عام 1972 في بريطانيا، وواجه نقدًا حادًا لما احتواه من عنف شديد، ومشاهد اغتصاب جنسي فجة، وزاد من تأزم الموقف وقتها ظهور أكثر من حالة عنف واغتصاب بين الشباب في إنجلترا، ومن ثم نوقش الفيلم من قبل الجهات المعنية بالرقابة وقام على إثرها كوبريك نفسه بسحبه من دور العرض ليبقى داخل الغرف المغلقة لمدة 25 عامًا دون عرض عام.

يسرد الفيلم قصة من عالم «الديستوبيا»، أو المستقبل الفوضوي يتخيل فيه الكاتب عصابة من الشباب العابث ترتكب جرائم عنف متطرف واغتصاب وسرقة لمجرد الاستمتاع، ثم ينتهي الأمر بزعيمهم في السجن، ليصير فأر تجارب في تجربة نفسية تتبناها جهة حكومية لتقليل غريزة الشر والعنف داخل الإنسان، ولكن ينتهي الأمر بتشويهه وتحوله إلى إنسان خانع سلبي لا يستطيع التعامل مع الموجودات والظروف من حوله ومن ثم تنتهي القصة بإلغاء الجهة الحكومية التجربة، وعكس نتائجها في النهاية لتعيد له غريزته المفقودة.

وقت صدور الرواية – 1962 – لم يكن مصطلح العنف المبالغ فيه أو ultra-violence دارجًا في اللغة الإنجليزية، ولكنه صار بعد ذلك جزءًا من القاموس اللغوي، أما الفعل الذي يعبر عنه المصطلح وهو «العنف المتطرف»، أو «العنف فوق العادي» فلم تمارسه جماعات بعينها رغم وجود الكثير من الأنشطة العنيفة في فترات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات إما بسبب الصراع العِرقي أو في شكل مقاومة للاستعمار، واستمرت الأنشطة التخريبية إلى أن شهد العالم بداية من التسعينيات أشكالًا أكثر عنفًا ووحشية من قبل بعض الجماعات.

Embed from Getty Images
إحدى مجموعات نيو نازي أو skinhead العنصرية المتطرفة.

من أمثلة ذلك عصابات «النازيين الجدد» أو skinhead العنصرية التي تقتل وتعذب ضحاياها من المثليين وغيرهم بشكل مبالغ فيه وجماعات مثل القاعدة وداعش التي استخدمت الترويج الإعلامي لعمليات الإعدام حرقًا وبقطع الرؤوس وحتى العنف الجنسي.

وربما لا نستطيع أن ننسب تلك التوقعات بانتشار العنف الشديد إلى كوبريك بشكل كامل؛ إلا أن اختياره للرواية في ذلك الوقت لتحويلها إلى الشاشة الكبيرة يعبر بشكل ما عن رؤية نافذة لما آلت إليه الأمور في فترات زمنية لاحقة حيث ارتفعت وتيرة العنف في العالم بشكل أكبر مما كانت عليه من قبل.

اقرأ أيضًا: العالم الذي نخافه ولا نريده.. 5 روايات عن «الديستوبيا»

أوديسا الفضاء.. طفرة التكنولوجيا والخيال العلمي

فيلم «أوديسا الفضاء:2001 2001: space odyssey» يعد واحدًا من أفضل أفلام الخيال العلمي في تاريخ السينما، وقد يراه البعض لا يستحق الاحتفاء، ولكن عندما تتأمل قليلًا في هذا العمل الذي لم يحتوِ فقط على فلسفة تطور الإنسان، ولكن أيضًا على تقنيات تخيلية – وقتها – رأى العالم بأجمعه لمحات منها لاحقًا بداية من أول هبوط للإنسان على سطح القمر إلى جهازك اللوحي الذي قد تستخدمه الآن لقراءة هذا المقال.

قد يطرأ للأذهان فور ذكر هذا الفيلم المقتبس عن رواية الكاتب الأمريكي «آرثر سي كلارك» والتي كتبها للفيلم خصيصى ونشرت في العام نفسه بالتزامن مع عرض الفيلم 1968؛ أن أكبر نبوءات «كوبريك» و«كلارك» هي الهبوط على القمر؛ ولكن في الحقيقة كان الحدث متوقعًا ويتم الترويج له بقوة وقتها في الإعلام الأمريكي؛ لكن المؤثرات البصرية وابتكار أفكار لأدوات وتقنيات مستقبلية لم تكن موجودة وقتها هي ما جعل للفيلم تلك الأهمية.

مشهد أيقوني لتمرد حاسوب الذكاء الاصطناعي هال 9000 على رائد الفضاء.

جدير بالذكر اهتمام كوبريك الشديد بدراسة التكنولوجيا وتقنيات السفر عبر الفضاء أثناء إعداده للفيلم، وتواصله الدائم مع إحدى أكبر الشركات لإنتاج وتصنيع الحاسوب وقتها «آي بي إم» للحصول على أكثر الحواسيب تقدمًا كي يتم استخدامه في تجسيد الشخصية الخيالية المحورية في الفيلم وهو حاسوب الذكاء الاصطناعي «هال 9000»؛ رغم عدم توافر المواصفات المطلوبة من قبل كوبريك الذي أراد حاسوبًا حقيقيًا بحجم لوحة تحكم صغيرة بينما كان الحاسوب وقتها في حجم خزانة ملابس صغيرة.

الجدة إليزا والحفيدة سيري.. ومخاوف اليوم

أول مشروع ذكاء اصطناعي في العالم كان يسمى «إليزا» eliza وقام بتطويره مجموعة من علماء «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» عام 1966 تقريبًا، وهو ما استخدم فكرته كوبريك لصنع شخصية «هال 9000» في الفيلم، وبينما لم يكن مشروع  «إليزا» eliza  بهذا التقدم الذي تخيله المخرج ولكنه كان هو النواة التي جرى تطويرها بعد ذلك على مدار خمسة عقود ليظهر لنا أول ذكاء اصطناعي متكلم بشكل تجاري منتشر؛ ألا وهو «سيري» الذكاء الاصطناعي الذي قدمته «آبل» في أحد أشهر منتجاتها وهو هاتف «آيفون».

ورغم كون ذلك لا يبرهن بشكل كبير على توقع كوبريك للمستقبل؛ إلا أن النقطة الأكثر أهمية هي تمرد حاسوب الذكاء الاصطناعي في الفيلم «هال 9000» على رائد الفضاء البشري وهو بطل الفيلم وهو ما يثير الاهتمام، فبينما كانت بالكاد تلك التقنية وليدة تحبو؛ فقد رأى كوبريك أكثر المخاوف سوداوية في الأمر؛ ألا وهي: هل بإمكان الذكاء الاصطناعي الذي صنعه الإنسان يومًا أن يتمرد عليه؟ وهو الهاجس ذاته الذي قد تكون طالعته مؤخرًا حيث تم طرح تلك المخاوف وبشكل علمي جاد أكثر من مرة خشية الوصول إلى يوم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يخيف صانعه.

اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي.. مجال يجعل الشركات الكبرى تدفع لك راتب رونالدو!

5 رؤى وتقنيات من المستقبل

  1. الهبوط على القمر: من بين تلك الرؤى التي استخدمها كوبريك في فيلمه الأشهر «أوديسا الفضاء» للتعبير عن تقدم الجنس البشري كان تخيله لعملية هبوط الإنسان على سطح القمر والتي حدثت في العام التالي لعرض الفيلم، وكما ذكرنا قد تكون تلك ليست بنبوءة، ولكن تخيل المخرج الدقيق لعملية الهبوط ومشاهد سطح القمر بدت شديدة البراعة والإبهار.
  2. مكالمات الفيديو: هناك أيضًا تقنية نستخدمها اليوم بشكل عادي، لكنها كانت وقت صنع الفيلم – من1965 إلى 1968 – بمثابة خيال علمي؛ ألا وهي مكالمات الفيديو، حيث يظهر بطل الفيلم في أحد المشاهد على متن مركبة فضائية يتواصل مع أسرته عبر هاتف مرئي يستطيع من خلاله رؤيتهم بشكل بث حي.
  3. آيباد: مشهد آخر يظهر فيه بطل الفيلم وهو يتحدث مع أحد زملائه عبر جهاز لوحي يعمل ويقوم بعمليات حوسبة عن طريق اللمس؛ وهو ما قد نراه جميعًا اليوم في متناولنا ومتناول أطفالنا ومن أشهر أمثلته جهاز «آيباد» من إنتاج «آبل».
  4. المركبات الفضائية بتصميم الطائرات: بينما كانت المركبات الفضائية في برامج الفضاء وقتها تتمركز بشكل كامل حول «الشكل الصاروخي»، جاءت مخيلة كوبريك بصنع نموذج لمركبات الفضاء ذات التصميم «المجنح» والتي تعرف في عصرنا الحالي باسم «space shuttle» أو«مركبات النقل الفضائية» والتي لم يتوقعها قبله أي فيلم من أفلام الخيال العلمي بالدقة نفسها.
  5. الترفيه المرئي للمسافرين: لم يدخل الترفيه المرئي في الطائرات – شاشات عرض خاصة لكل راكب في ظهر المقعد – إلا عام 1988 بواسطة شركة «إيرفيجين Airvision» التي قامت بتثبيت شاشات عرض ترفيهية مستقلة لكل راكب، أي بعد حوالي 20 عامًا من تخيل كوبريك.

برغم أن العديد من التحديات والمخاوف تتردد في أذهان البشر اليوم بناءً على ما وصلوا إليه من تقدم، وباستقراء الواقع التكنولوجي المحيط بهم اليوم، إلا أننا عندما نصادف نظرات سابقة من قِبل عدد محدود من الأشخاص كانت لهم تلك التوقعات والرؤى، لا يسعنا سوى أن نبرزها ونشير إليها بمثابة مثال حي لانشغال البشر بشكل كبير بمخاوف المستقبل.