الشركات التي تعمل في نطاق ما يُعرف بـ«اقتصاد المعرفة»، هي الشركات التي تعتمد في إنتاجها للسلع والخدمات، على الأفكار المبتكرة، والتي يتم تطويرها باستمرار، وتتخطى منتجاتها الحدود إلى الأسواق العالمية.

في تقرير أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي، في 2011، ذُكر فيه إن أكثر الشركات الريادية في العالم لديها الحصة الأكبر في خلق فرص العمل بين الشباب، بالإضافة إلى مساهمتها الفاعلة في عملية التنمية الاقتصادية، وخلق استراتيجيات طويلة الأمد للتطوير.

وتلعب هذه الشركات دورًا مؤثرًا في توفير العملة الصعبة، من خلال تصدير وبيع منتجاتها في الأسواق الدولية، مما يساهم في تعزيز قدرات الاقتصاد القومي، فيما يتعلق بالاحتياطيات النقدية الدولية، وهو ما ينعكس على متانة الاقتصاد، وتقليل تعرضه للأزمات والاهتزازات.

كما ترفع هذه الشركات من معدلات الناتج المحلي الإجمالي، دون استنزاف للموارد الطبيعية للدولة. تساهم أيضًا في تخفيض عجز الموازنة من خلال إنعاش الإيرادات العامة، عن طريق تعظيم العوائد الضريبية.

نستعرض أربعة نماذج من شركات ناشئة مصرية، ولدت من رحم احتياجات المجتمع الضرورية، واستطاعت التغلب على العقبات والمعوقات، حتى وصل صداها إلى المستوى الدولي، وذلك في سنوات معدودة فقط، مع خطط توسعية طموحة إقليميًا ودوليًا.

شركة بيوديزيل مصر

في العام 2013 اجتمع محمود أبو الركب بكل من «اسماعيل زاهر» و«معتز عليوه»، ليطرح عليهم فكرة قد رآها في المملكة المتحدة وهي محطة وقود تقدم الوقود الحيوي أو الديزل الحيوي.

ومع خلو القطر المصري من مثل هذه التقنيات بالإضافة إلى مشاكل الطاقة المستمرة، وارتفاع نسب التلوث بدرجات كبيرة من استهلاك الوقود البترولي؛ فقد قرر ثلاثتهم تأسيس شركة بيوديزل مصر، للعمل في سوق الوقود الحيوي العالمي الواعد.

والبيوديزل هو وقود بديل للمحركات التي تعمل بنظام الديزل أو السولار، ويجري تصنيعه من زيوت نباتية أو مخلفات الدهون الحيوانية أو من زيت الطعام المستعمل أو زيت الطحالب.

يتميز البيوديزل بالأمان الكبير في النقل والتخزين مقارنة بالوقود البترولي، كما أنه غير سام أبدا، وأقل تلويثًا للبيئة بنسبة تتجاوز 85%. كما يمكن استخدامه مباشرة بنسبة 100% أو خلطه بالوقود البترولي بنسب تبدأ من 2% إلى 99% بدون أي تعديل على محركات السيارات.

وتتعاقد بيوديزل مصر مع عدد من سلاسل المطاعم المصرية، وموردين آخرين مثل جامعي الزيوت، من أجل جمع زيت الطعام المستعمل، واستخراج البيوديزل منه.

وتصدر الشركة إنتاجها إلى شركات النفط التي تقوم بخلطه مع الوقود البترولي. يعمل بالشركة الآن 15 موظفًا بين إداريين ومهندسين وعمالة، وتنتج 60 طنًا متريًا من الديزل الحيوي شهريًا، وفي العام الماضي قامت الشركة بتصدير 300 طن من البيوديزل، وتستهدف في العام الحالي تصدير ألف طن.

وتوضح الشركة على موقعها مميزات الاعتماد على زيت الطعام المستعمل، والمخلفات الحيوانية، والطحالب، حيث يساعد ذلك الدول النامية في التخلص من سموم بيئية تمثل مشكلة كبيرة، كما تقضي على السوق السوداء للزيوت النباتية المستعملة، مما يؤدي إلى إيقاف إعادة استخدامها آدميًا مرة أخرى، وهو ما يقلل من مخاطر الإصابة بالسرطان، والعديد من الأمراض القاتلة، كما أن ذلك يخفف من الضغط على شبكات الصرف الصحي والصناعي.

وتطمح بيوديزل مصر إلى استخدام «تكنولوجيا الكتلة الحيوية» بحلول عام 2019، والتي تعني تحويل المخلفات الزراعية مثل قش الأرز إلى وقود سائل خالٍ من الرصاص.

وصُنّفت الشركة في المركز 13 ضمن قائمة فوربس الشرق الأوسط Forbes Middle East لأفضل 20 شركة ناشئة في مصر عام 2016.

بيوديزل

شركة انستابج

عام 2013 تقابل كًلا من عمر جبر ومعتز سليمان في كلية الهندسة، جامعة القاهرة، حيث جمعهما الهوس بالبرمجيات. فابتكروا خدمة تسمى ««Instabug وهي عبارة عن أداه يمكن من خلالها مساعدة مستخدمي تطبيقات الهواتف الذكية على إرسال تقارير لمطوري التطبيقات حال اكتشاف أي أخطاء أو مشاكل أثناء الاستخدام، بطريقة سهلة وبسيطة. كما تقوم الأداة باختبار التطبيقات قبل طرحها بالأسواق، وتعديل الأخطاء الفنية التي قد تظهر بالتطبيق.

تأسست «Instabug» (إيه ستار أبس – Astar Apps سابقًا) تحت مظلة حاضنة الأعمال «فلات 6 لابس – Flat6Labs»، حيث حصلت على أول دعم نقدي بقيمه 100 ألف جنيه، بالإضافة إلى توفير مكان ملائم للعمل، وتوفير الاستشارات المالية والقانونية، ومساعده الشركة الوليدة على التواصل مع مستشارين متخصصين في البرمجيات. مما ساهم بشكل كبير في تحقيق أول دفعة قوية للشركة.

لفتت منصة «Instabug» أنظار المستثمرين لابتكارها الفريد، ومستقبلها الواعد، فبدأت الشركة تحصد الجوائز في المسابقات الريادية المحلية والدولية، وتتلقى التمويل من مستثمرين أفراد ومؤسسات، حتى إن إحدى الشركات الشهيرة حاولت الاستحواذ عليها بعرضٍ مغرٍ، إلا أن فريق العمل رفض العرض لثقته في مستقبل الشركة وتوسعها بشدة في السوق العالمي مستقبلًا.

وقالت ياسمين حلمي مدير التسويق بالشركة لجريدة البورصة، إن إجمالي الاستثمارات التي تم ضخها بالشركة منذ تأسيسها وحتى الآن بلغت مليون و800 ألف دولار تقريبًا. كما يعمل بالشركة الآن 25 موظفًا، وتستهدف الشركة توفير خمس فرص عمل كل شهر.

وأوضحت ياسمين إن «Instabug» تعاونت مع 12 ألف تطبيق، مستهدفة أن ينمو عددها إلى 30 ألف بنهاية العام الحالي. في حين بلغ عدد المستخدمين 450 مليونًا، وأشارت إلى أن معظم العملاء من الشركات حيث يستحوذون على 70% من حجم العملاء بينما يستحوذ الأفراد على 30%، وتستحوذ الولايات المتحدة على غالبية العملاء غير الأفراد أو الشركات بنسبة 70%.

كما أفصحت عن منظومة الأسعار داخل Instabug، قائلة إن هناك بعض الخدمات تقدم بشكل مجاني، في حين تبدأ الأسعار من 50 إلى 350 دولارًا، بجانب الخدمات الخاصة المقدمة للشركات الكبرى والتي قد يرتفع سعرها إلى آلاف الدولارات.

معتز سليمان (يمين) وعمر جبر مؤسسا الشركة

يُذكر أن الشركة حصلت على المركز الأول في قائمة فوربس الشرق الأوسط لأفضل 20 شركة ناشئة في مصر 2016. كما فازت بالجائزة الأولى وقيمتها 50 ألف دولار في مسابقة منتدى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لأفضل شركة ناشئة في المنطقة العربية في 25 أبريل (نيسان) الماضي.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، جمعت Instabug 1.7 مليون دولار كتمويل أساسي من المؤسسة الاستثمارية Accel Partners ومقرها بالو آلتو بكاليفورنيا، وكذلك من مستثمرين آخرين، وذلك من أجل فتح مكتب للشركة في وادي السليكون Silicon Valley في سان فرانسيسكو مع نهاية العام الحالي. من بين عملاء الشركة Yahoo، PayPal، Soundcloud، Souq.

شركة ريسيكلوبيكيا

«جيش إعادة التدوير» شعار شركة ريسيكلوبيكيا، التي نشأت عام 2011 على يد مجموعة من شباب كلية الهندسة في طنطا شمال العاصمة المصرية القاهرة، بقيادة الشاب المصري مصطفى حمدان الذي يشغل منصب الرئيس التنفيذي للشركة الآن.

تعمل الشركة في إعادة تدوير النفايات الإلكترونية، وتعتبر الشركة الأولى في مصر والشرق الأوسط التي تعمل في هذا المجال. وعن بداية الفكرة قال حمدان لـ«بي بي سي»: «كنت أشاهد فيلمًا وثائقيًا عن إعادة تدوير النفايات الإلكترونية، وأدركت أن هناك كثيرًا من الإمكانات في استخلاص المعادن من اللوحات الرئيسية لأجهزة الكمبيوتر (مذر بورد) مثل الذهب، والفضة، والنحاس، والبلاتينيوم».

في البداية تقدم حمدان مع 19 شابًا كانوا يدرسون جميعًا في كلية الهندسة بجامعة طنطا إلى مسابقة للأعمال الحرة نظمتها «إنجاز مصر» في عام 2011، وفاز الفريق بالمسابقة وحصلوا على جائزة قدرها 10 آلالاف دولار، ما مكنهم من تطوير وتأسيس فكرتهم الوليدة.

بعد ذلك انضموا إلى برنامج «انطلاقتي الريادية» واستطاعوا الحصول على فرصة احتضان لمشروعهم الناشئ من شركة أبراج كابيتال وذلك في العام 2012. ذاع صيتهم بين المستثمرين الذين تحمسوا لفكرتهم وقدموا التمويل اللازم للانطلاقة. ارتفعت قيمة الشركة من ألف دولار إلى 136 ألف دولار أمريكي.

بدأت الشركة أعمالها أول الأمر في مرآب والد الشاب «مصطفى» في مدينة طنطا. نمت الشركة بعدها سريعًا، وقامت بافتتاح مكتب رئيسي جديد في القاهرة ومخزن، حيث عدد السكان الذي يصل إلى 17 مليون نسمة، وما يخلفونه من 15 طن مخلفات يوميًا تقريبًا. تم تعيين ثمانية موظفين يعملون بدوام كامل، و16 موظف يعملون بدوام جزئي.

رؤية تتبلور، وأعمال تتوسع، وطموح يتعملق، حتى جاء عام 2013 باضطراباته السياسية والاجتماعية، ما كاد أن يطيح بآمال المستثمر الصغير. يقول «حمدان» لـ«بي بي سي» عن هذه الفترة «بنهاية 2013، فقدنا معظم استثماراتنا التي حققناها».

لكنه تمكن من الصمود في مواجهة العواصف التي ضربت الشركة في هذا الوقت، حيث تلقى بعدها عروضًا من شركات أخرى مثل شركة «ديناميك ريسيكلينج» ومقرها ولاية ويسكونسن بالولايات المتحدة.

نفايات إلكترونية

وعن أول صفقة عقدتها ريسيكلوبيكيا، كانت من خلال إعلان وضعه «حمدان» على موقع «علي بابا»، وتقدمت إليه شركة من هونج كونج تطلب 10 أطنان من نفايات الأقراص الصلبة (هارد ديسك).

تفاجأ الشاب من حجم الكمية المطلوبة، فلم يكن يتوقع أن تأتيه عمليه توريد بمثل هذا الحجم في البداية. يقول «حمدان» عن ذلك «في ذلك الوقت، لم أكن أعلم حتى من أين سأجمع مثل هذه الكمية». نجحت الشركة في تلبية الطلبية وشحنها.

من هنا بدأ يفكر الشاب في اتخاذ منحنى جديد في عمل الشركة وهو القيام بالإنتاج بدًلا من الجمع كوسيط فقط، فسافر إلى هونج كونج، وهناك تعلم كيف تستخلص المعادن من النفايات الإلكترونية، ثم عاد لتبدأ الشركة عهدًا جديدًا في استخلاص المعادن من النفايات الإلكترونية التي تقوم بجمعها.

وتصل مبيعات الشركة اليوم إلى 2.4 مليون دولار سنويًا، وتخطط للاستحواذ والهيمنة على صناعة إعادة تدوير المخلفات في مصر والشرق الأوسط خلال الفترة القادمة.

شركة كرم سولار

وسط مشاكل الطاقة المتراكمة والمتفاقمة في مصر، والتي أبرزها معاناة مصر من نقص الكهرباء دام لسنوات طويلة بسبب مشاكل نقص الوقود وخصوصا الغاز الطبيعي، حيث تعتمد مصر على 90.5% في إنتاج الكهرباء على الغاز الطبيعي، في حين 9.5% الباقية تأتي من السد العالي ومن طاقات الشمس والرياح وفقًا لوزير الكهرباء.

في خضم هذه المشكلات، قلب الشاب المصري «أحمد زهران» بصره في هذه الظروف، حتى رأى بصيص ضوء يأتي من مستقبل الطاقة الشمسية في وسط عتمة المشكلات والعثرات المتعلقة بالطاقة في مصر. أسس بعدها شركة كرم سولار مع مجموعة من الشباب المصري الطموح في أكتوبر (تشرين الأول) 2011.

وكرم سولار هي شركة للطاقة الشمسية. عملت في البداية على إيجاد حلول لمشاكل المزارع البعيدة في الصحراء والمتمثلة في ضعف قدرات مضخات المياة من الآبار، واحتياجها إلى السولار. فبدأت الشركة في العمل في تكنولوجيا ضخ المياة من الآبار بالطاقة الشمسية، ولكن اعتمدت في البداية على تقنيات مستوردة في هذا المجال.

طوّر الشباب هذه التقنيات بإمكانياتهم المحلية، حتى استطاعوا الحصول على براءة اختراع تم تسجيلها دوليًا باسمهم، حيث طوروا طلمبات ضخ المياة وصلت قدرتها إلى 600 حصان، وذلك بالاعتماد على الطاقة الشمسية فقط، بديًلا عن الأنظمة التي تعمل بالديزل.

بدأ استخدام هذا النظام المبتكر في ضخ المياه لأول مرة في منطقة الواحات البحرية في صحراء مصر الغربية خلال هذا العام. فيقول «زهران» إن ذلك يؤدي إلى تخفيض تكاليف الزراعة بنحو 60%.

أحمد زهران مؤسس كرم سولار

بعد أيام قلائل وتحديدًا في 25 سبتمبر الجاري، سيتم افتتاح أول محطة طاقة شمسية لكرم سولار، فيما يعتبر سابقة لم تحدث في مصر من قبل، أن تمتلك شركة من القطاع الخاص محطة لتوليد الكهرباء وتقوم ببيع الكهرباء للقطاع الخاص بعيدًا عن الشبكة الكهربائية الحكومية. في تصريحه لجريدة البورصة، قال «زهران» إن كرم سولار حصلت على رخصة من جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك لبيع الكهرباء مباشرة.

وأضاف إن تكلفة إنشاء هذه المحطة وصل إلى 14 مليون جنيه بتمويل من الصندوق الاجتماعي للتنمية، بالإضافة إلى استثمار ذاتي من الشركة نفسها، ومن شأن ذلك توفير حوالي 600 ألف لتر من الديزل سنويًا.

في غضون ذلك، عقدت كرم سولار اتفاقية لمدة 25 عامًا لتوفير الكهرباء من الطاقة الشمسية لصالح شركة جهينة للصناعات الغذائية في مزارعها الكائنة بالواحات البحرية، بقدرة 1 ميجاوات.

وفي حديثه لـ«رويترز» قال زهران عن فكرة تأسيس الشركة، إن تأسيس كرم سولار جاء للتغلب على أكبر معوقات التنمية في مصر، وهي أن غالبية السكان يعيشون على ثمانية بالمئة فقط من مساحة الأرض، والتكلفة باهظة للغاية لتوفير الطاقة والمياه للسماح للسكان بالعيش في مناطق أخرى.

بدأت الشركة برأس مال بلغ 250 ألف جنيه، والآن تخطى رأسمالها 40 مليون جنيه، ولديها خطط توسعية لفتح فروع أخرى خارج مصر.

هذا قليل من كثير، فهناك العديد من النماذج الناجحة التي أصرت على النجاح في بيئة ربما لا تكون مشجعة بالشكل الكافي، ولكن بإيمانهم وطموحهم ودأبهم الكبير تمكنوا من فرض واقعهم، وكسب ثقة وإعجاب المؤسسات والأفراد الداعمين للأفكار الريادية الذين قدموا لهم الدعم المادي والعيني.

وينبغي على الحكومة أن تُعَبد الطريق وتزيل العقبات لمثل هذه النماذج، فهي مستقبل الاقتصادات النامية، وهي كلمة السر في نجاح الاقتصادات المتقدمة، وهي قاطرة التنمية لدى الدول التي خرجت من شرانق الفقر والجهل إلى براثن القوة والنفوذ.

عرض التعليقات
تحميل المزيد