أكثر من 60 دولة تنفذ مهام متعددة ضمن ما يعرف بالتحالف الدولي لضرب تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، تغيرت مواقفها تجاه هذا التنظيم بعد حرقه للطيار الأردني معاذ الكساسبة، هذا الاختلاف ينحصر بين مضاعفة عزم التحالف على قتال التنظيم وإجبار داعش على دفع ثمن حرق الطيار أو التراجع في هذا القتال وحصره.

“داعش “أرادت بحرق الكساسبة إرهاب كل من يقاتل ضدها وثنيه عن المشاركة في التحالف، لكن هل ينقلب السحر على الساحر، عبر المزيد من العمليات الانتقامية من قبل التحالف ضد هذا التنظيم، ، خاصة أن الشريط الإعدام الرهيب أثار غضب الجمهور العربي، ونفورهم من الجهاديين، وزادهم تصميمًا على محاربته بلا هوادة، هذا ما يتناوله التقرير التالي لـ”ساسة بوست”

هل يضعف حرق الكساسبة موقف الحكومة الأردنية أم يقويها؟

رغم الخطوات الانتقامية المتعددة التي أقدم عليها الأردن إثر مقتل الكساسبة، إلا القراءات حول موقف التالي تجاه قتال داعش متباينة، حيث توقعت صحيفة (جارديان) أن قتل “داعش” للطيار الأردني يمكن أن يكون له تأثير كبير على الحكومة الأردنية ويُضعف دور البلاد في مشاركته مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الذي يحارب تنظيم الدولة الإسلامية وذلك على المدى الطويل، وتشير الصحيفة إلى أن تنظيم داعش كان يهدف من تلك الجريمة البشعة قلب الشعب الأردني على الملك الأردني الهاشمي الذي اعتادوا وصفه بـ”طاغية الأردن”.

بينما لا يستبعد محرر شئون الشرق الأوسط في صحيفة “الغارديان”، إيان بلاك، أن تعزز عملية القتل الوحشي المشاركة الأردنية في التحالف الدولي استجابة لمشاعر الرأي العام المطالب بالثأر من مقتل الكساسبة. وخلص الكاتب الى أن عملية قتل الكساسبة ستلقي بظلالها على الشارع الأردني إلى وقت غير قصير، وربما تعمق الانقسام بين من يطالب بـ”الثأر”، مما يعني دورًا أردنيًّا أكبر في التحالف الدولي.

محمد محسن أبو النور، المحلل السياسي الباحث المتخصص في العلاقات الدولية، قال إنَّ إعدام داعش، للطيار الأردني سيؤدي حتميًا إلى تصعيد من الجانب الأردني، مشيرًا إلى تصعيد التحالف الدولي من عملياته ضد تنظيم الدولة.

ما أثر انسحاب الإمارات والمغرب على التحالف الدولي؟

واحد من أبرز المواقف التي يُستشهد بها في تحقيق  تنظيم “داعش” لهدفه الدعائي من حرق “الكساسبة” وتخويف  الحكومات والطيارين العرب هو الكشف عن قرار الإمارات – الداعم الأول للطيران الأمريكي في غاراته على التنظيم –  بوقف مشاركة طياريها في هذا التحالف مباشرة بعد القبض على الطيار من قبل داعش.

وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” نقلا عن مسؤولين أمريكيين، أن الإمارات علقت مشاركتها في التحالف بسبب قلقها حيال سلامة طياريها بعد خطف الطيار الأردني معاذ الكساسبة، مطالبة البنتاغون الأمريكي بتعزيز جهود البحث والإنقاذ باستخدام مروحيات “في-22 أوسبري” الحربية في شمال العراق قرب مواقع العمليات.

 من جهته، يعتبر الإعلامي والمحلل السياسي مصطفى الطوسة التبرير الذي قدمته الإمارات لانسحابها من التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” غير مقنع، وأنه كان على هذا البلد تكثيف جهوده في محاربة هذا التنظيم عوضًا عن الانسحاب، مشيرًا إلى أن هذا القرار يعد “ضربة موجعة” لكل الدول التي جندت قواها لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”، مؤكدًا أن هذا الانسحاب يمكن أن يكون له تأثير سلبي على مواقف باقي دول الخليج المشاركة في التحالف الدولي ضد التنظيم.

ومباشرة بعد الكشف عن تعليق الإمارات العربية لمشاركتها في التحالف، انتشرت أنباء عن توقف المغرب لمشاركته في ضربات التحالف وهو أمر لم يتم الإعلان عنه بشكل رسمي، مثلما لم يتم الإعلان من قبل عن مشاركة الرباط في ضربات التحالف.

وذكر موقع “اليوم 24” المغربي نقلًا عن مصادر لم يسمها أن قرار المغرب قد يكون اتخذ بتنسيق مع الإمارات التي سربت صحافتها في وقت سابق خبر مشاركة المغرب في الضربات ضد “داعش”، صحيح أن الإمارات قد أعلنت استئناف عملياتها بعد تعزيز قوات التحالف إجراءات الإنقاذ في حالة سقوط الطائرات، إلا أن دلالة التلويح بالانسحاب تبقى قائمة لتشير إلى التأثير الذي يتوقع أن تحدثه أية خسائر مستقبلية في قوات التحالف الدولي خاصة في ظل حديث مراكز الرأي عن الحاجة إلى عملية برية.

بعد مقتل الكساسبة، هل تتغير قواعد اللعبة الغربية كثيرًا في قتال داعش؟

Obamas Attend National Prayer Breakfast

خبراء عسكريون وسياسيون قالوا إن نيران تنظيم “داعش” التي التهمت الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، لن تحرق التنظيم على المدي القريب، معتبرين أن ساحة المعركة على الأرض غير مهيئة حاليًا للقضاء على “داعش”. وتوقع هؤلاء الخبراء، أن يتخذ التحالف الغربي- العربي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، خطوات تصعيدية ضد “داعش”، إلا أنها لن تكون موجعة للتنظيم، على حد تقديرهم.

وقال رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي جون ماكين، أن مقتل الكساسبة قد شكل “حافزًا لوضع استراتيجية لتحقيق الهدف المعلن، وهو إضعاف وتدمير داعش”، منتقدًا بذلك خطة الإدارة الأمريكية بالقول: “ليس هناك شك في أننا لا نمتلك استراتيجية قابلة للتطبيق في محاربة داعش، وإذا لم تكن تربح الحرب فأنت تخسرها”.
يعول الغرب بشكل كبير على مشاركة الدول العربية في قتال داعش، وكما تؤكد صحيفة ذي إندبندنت في افتتاحيتها أن مشاركة الدول العربية يمكن أن تغير طبيعة القتال ضد التنظيم لأنه مهما كانت قوة ضربات التحالف الذي تقوده أمريكا فإنها تظل محدودة، ومن ثم فإن وجود قوات برية على الأرض أمر لا بد منه، وأن تكون قوات من هذه الدول وليست قوات غربية.

ويستبعد اللواء العراقي المتقاعد، ماجد ثابت، الخبير في الشئون العسكرية العراقية، أن “يؤدي حرق الكساسبة إلى إحداث تغيير في استراتيجية التحالف الدولي في الحرب ضد داعش في العراق أو سوريا”. وقال ثابت، إن “التحالف الدولي يعتمد استراتيجية النفس الطويل في التعامل مع داعش، وهي استراتيجية معتمدة في العراق وسوريا منذ أشهر، ولو كان داعش يدرك أن العمليات الارهابية التي ينفذها ستثير ردًّا قويًّا من التحالف الدولي لما أقدم على فعل تلك الجرائم”.

يرجح مستشار الأمن القومي لدى “مؤسسة هيراتيج” الأمريكية بيتر بروكس ألا يؤدي مقتل الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، على يد تنظيم داعش، إلى تبديل كبير في قواعد اللعبة، معيدًا السبب إلى تردد الدول العربية في توسيع نطاق قتال التنظيم دون وجود استراتيجية أمريكية للتعامل مع سوريا بما يحرم إيران من فرصة جني المكاسب.

وقال بروكس إن الدول العربية التي تقاتل داعش تخشى في الوقت نفسه مما تقوم به إيران خلف الستار في سوريا والعراق، وكذلك تخشى تصرفات النظام السوري الذي لا يرتبط بعلاقات ودية معها، وتابع القول :”الدول العربية تتساءل ما إذا كان قتالها لداعش سيصب في صالح الأسد وإيران، وسبب هذا التردد هو أن الإدارة الأمريكية حتى الآن لم تضع استراتيجية واضحة للتعامل مع الملف السوري، وهذا الأمر يزيد الوضع تعقيدا.”

هل ستؤدي عملية إعدام الكساسبة إلى التعجيل بتدخل بري عسكري؟

في السابق، كانت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلفاؤها في التحالف ترفض التدخل البري لقتال لداعش، لكن مراقبون دوليين يرون أن إعدام الكساسبة قد يؤدي إلى تعجيل التدخل البري العسكري وخاصة في العراق.

ويقول المراقبين إن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما التي كانت تسعى إلى إنهاء فترتها الرئاسية دون تدخل عسكري كبير وواسع على غرار سلفها، قد تكون مضطرة هذه المرة إلى الذهاب إلى تدخل بري أوسع من الغارات التي ينفذها التحالف حاليًا، والتي لا يبدو أنها آتت أكلها بعد قرابة ستة أشهر من انطلاقتها.

يقول العميد المتقاعد من الجيش العراقي، يزن العكيدي أن القصف الجوي لا يمكن أن يحسم معركة، فإذا لم تتوفر قوات برية على الأرض تعمل على التقدم باتجاه العدو مصحوبة بغطاء جوي، فإنه لا يمكن أن يُحرز أي تقدم على الأرض، حسب رأي العكيدي.

بينما يرجح المحلل السياسي، وليد عباس، أن تسعى أمريكا إلى الضغط على حلفائها في المنطقة للدخول في حرب برية ضد داعش، خاصة أن الظروف، بعد حرق الكساسبة، صارت مواتية، وتابع القول: “هناك اليوم مزاج شعبي عارم يقف ضد تنظيم “الدولة” بعد فيديو الحرق، الأمر الذي سوف تسعى واشنطن لاستغلاله كاملاً غير منقوص، فكما علمنا أن هناك نية أمريكية لعقد اجتماع موسع مع حلفائها، لتوسيع العمليات ضد تنظيم “الدولة”، ومن غير المستبعد أن تطلب واشنطن إرسال قوات عربية للمشاركة في الحرب ضد تنظيم “الدولة””.

ويتابع عباس: “الحكومة العراقية أعلنت أكثر من مرة أنها ترفض وجود أية قوات أجنبية على أراضيها، ولكن أعتقد أنها سوف ترضخ إذا ما قررت أمريكا ذلك، الكل اليوم يشعر بالصدمة ووجوب عمل شيء ضد التنظيم”.

على النقيض، يري محمود عبد الظاهر، وهو خبير استراتيجي مصر، إن هناك “نوعا من التردد الواضح من القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، بشأن إمكانية خوض معركة سريعة وفاصلة ضد داعش جراء قلة المعلومات عن قدرات التنظيم”. ويقول عبد الظاهر  إن “واشنطن لن تتدخل عسكريًّا في أية دولة، وهو ما قد يؤثر على قبول أية دولة أخرى هذا التدخل البري، حتى لا تتكبد خسائر كبيرة”. وتابع بقوله: “لن يتحقق انتصار عسكري إلا بالقوات البرية، ولكن المسرح غير مهيئ حاليًا للدخول في حرب برية، المنطقة الآن غير عام 2003 (في إشارة إلى غزو تحالف دولي بقيادة واشنطن للعراق)، وتمدد التنظيم في مناطق جغرافية واسعة يحوله إلى خلايا وعصابات يصعب مواجهتها بالجيوش النظامية”.

المصادر

تحميل المزيد