«الصين تحارب سرقة مناديل الحمامات»، هذا العنوان ليس لجذب الانتباه، ولكنه واقع تعيشه الصين منذ عدة سنوات تحرَّكت بسببه الدولة الصينية لتتصدى لهذا السلوك الذي يقضي على مناديل الحمامات كافة الموجودة في أي مرفقات عامة.

وفي هذا التقرير نتعرف إلى هذه الظاهرة والسبب الذي يدفع الصينيين لسرقة مناديل الحمامات، ونعرض الحلول التي وظَّفتها الدولة الصينية للحدِّ من المشكلة.

سرقة ورق التواليت من الحمامات العامة

بدأت الحكومة الصينية بتوفير المناديل مجانًا في الحمامات العامة منذ عام 2007، وبعدها انتشرت ظاهرة سرقة المناديل سريعًا، فالبعض يأخذونها معهم إلى منازلهم، وهو ما يعد بالطبع سرقة وسوء استخدام للموارد العامة، ويؤثر في المستخدمين الآخرين الذين سيدخلون هذه الحمامات.

وفي عام 2017، وفرت حديقة الشعب في مدينة تشنغدو الصينية مناديل مجانية في حماماتها، وبسبب السرقة استُهلكت 1500 لفة مناديل في سبعة أيام فقط، ولمعرفة السبب، ركَّب المسؤولون لفائف مناديل جديدة في 30 حمامًا واختفت جميعها خلال 90 دقيقة، ويقول عمَّال النظافة إن مستخدمي الحمامات يأخذون رزمًا من المناديل في جيوبهم.

وقد ذكر أحد مسؤولي حديقة عامة صينية في حديث مع موقع «إن بي سي نيوز»: «إن معظم الأشخاص الذين يأخذون ورق التواليت إلى المنزل هم أشخاص في منتصف العمر وكبار السن، ويأتون إلى الحديقة بانتظام».

لفافات من ورق التواليت

لفافات من مناديل الحمامات. مصدر الصورة: موقع فليكر

جيني لين، مُدوِّنة كتبت عن تجربتها مع الحمامات الجديدة في الصين، ترى جيني أن لسنوات الفقر الطويلة التي عاشتها الصين دورًا في انتشار ظاهرة سرقة ورق الحمامات، فقد شهدت الصين تدهورًا اجتماعيًّا وفقرًا اقتصاديًّا ونقصًا في التعليم خلال فترة الثورة الثقافية بقيادة ماو تسي تونج، زعيم الصين الاشتراكي، قبل أن تبدأ الإصلاحات الحكومية في المناطق الحضرية في السبعينيات من القرن الماضي بعد وفاة تونج. وربما هذا ما يفسِّر كون أغلب السارقين من كبار السن الذين نشأوا في بيئة فقيرة، ولا يزالون يخشون العودة إلى الفقر، أما بالنسبة لمن هم في منتصف العمر ويسرقون فربما كان السبب في نشأتهم هم أيضًا في مناطق لا تزال تعاني من الفقر المدقع في المناطق الريفية، ويذهبون للمدينة من أجل العمل.

سببٌ آخر محتمل لانتشار ظاهرة سرقة المناديل يحكيه زان دونغمي، الباحث بأكاديمية السياحة الصينية، وهو قلق السارقين من عدم توفُّر المناديل إذا احتاجوها للاستخدام في وقت لاحق، ما يدفعهم لأخذ كميات أكبر من حاجتهم الآنية.

الحالة السيئة لحمامات الصين قديمة، ويرسمُ مقال لصحيفة «واشنطن بوست» عام 2005 صورةً واضحة عن رداءة وضع الحمامات العامة في الصين، ويقول فيه: «في المراحيض العامة – سواء كان ذلك في المتنزه، أو في شارع رئيسي، أو في المطار، أو في محطة قطار – غالبًا ما يكون الهواء كريهًا لدرجة أنك ستمنع نفسك عن التنفس. تبقي عينيك ناظرة للأعلى لتجنب النظر إلى الأرض القذرة، ومعظم المراحيض لا تحتوي على ورق تواليت».

«ثورة المراحيض» في الصين

أعلنت الحكومة الصينية عام 2015 قيام ثورة المراحيض لتحسين الحمامات وتحسين الآداب العامة لمستخدميها لترتقي إلى المعايير الدولية لإكساب الحمامات الصينية سمعة جيدة، وتضمَّنت الخطط بناء آلاف المراحيض العامة الجديدة مع تجديد القديم منها، وإضافة أدوات للتخلص من الروائح السيئة، وفي عام 2016، كشفت الصين عن أحدث مراحيضها عالية التقنية، مزودة باتصال بشبكات «واي فاي»، وشاشات تلفاز.

تقنية التعرف إلى الوجه للتصدي لسرقة ورق التواليت

للحد من سرقة المناديل، لجأت الصين عام 2017 إلى استخدام تقنية التعرف إلى الوجه في الحمامات العامة، تحديدًا في مناطق الجذب السياحي، بتصميم آلة جديدة مخصصة لتولي مهمة توزيع المناديل، الآلة متصلة بجهاز كمبيوتر يقف أمامه الشخص لمدة ثلاث ثوانٍ حتى تتعرف الآلة إليه، وبعدها تُخرج الآلة منديلًا بطول 60 سم.

شخص صيني يسحب ورق التواليت بعد تعرف الآلة على وجه

شخص صيني يسحب ورق التواليت بعد تعرف الآلة إلى وجهه. مصدر الصورة:«نيويورك تايمز»

الآلة مصممة لتمنع أن يأخذ الشخص نفسه مناديل الحمام قبل مرور تسع دقائق على سحب المناديل في المرة السابقة، وتقول الشركة المصنعة للأجهزة بأن صور المُستخدمين تُحذف تلقائيًّا بعد مرور تسع دقائق، وقال مدير التسويق في تصريح لصحيفة «نيويورك تايمز» إن الآلة توفِّر الطريقة الأكثر صحية من بين الحلول التي بحثوا فيها، وكان منها استخدام بصمات الأصابع، ولكن الآلة الجديدة أفضل لأنها تُنجز المطلوب دون حدوث ملامسة، وبالطبع في الصين وحكومتها المهووسة بمراقبة المواطنين، تظلُّ مسألة الخصوصية عالقة وخطيرة.

وأشار البعض إلى وجود عيوب في الآلة، فهي لا تُخرج الورقة إلا بعد 30 ثانية من التعرف إلى الوجه، وهو ما يعد بطيئًا نسبيًّا، كما أن طول الورقة يعد قصيرًا بالنسبة لبعض المستخدمين؛ ما قد يضطرهم للانتظار لوقت طويل للحصول على منديل آخر، ورأى ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أن تركيب هذه الآلات مضيعة للمال؛ إذ يبلغ سعر الآلة الواحدة 720 دولارًا.

ركِّبت الآلة الجديدة في حمامات حديقة معبد السماء في بكين، وللمعبد أهمية دينية وهو موقع سياحي شهير؛ ما زاد الحاجة لاتخاذ إجراءات تمنع سرقة المناديل فيه، ومع تركيب الآلة الجديدة في حمامات المعبد، لاقى ذلك ردود فعل متباينة، واعتبر البعض تركيبها تشويهًا لسمعة المجمع الديني الذي يعد واحدًا من مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو.

ويبدو أن التقنيات الجديدة فعالة في خفض استخدام المناديل؛ إذ ذكرت التقارير مثلًا أن مراحيض حديقة في بكين سجَّلت انخفاضًا في استهلاك ورق التواليت المُستخدم في ثلاثة أيام من 20 لفافة إلى أربعة فقط.

ولتحسين الحمامات وظَّفت الحكومة الصينية وسائل تقنية حديثة للتأكد من التزام مستخدمي الحمامات بالقواعد، فوُظِّفت تقنية التعرف إلى الوجه، ومن قبلها «رمز الاستجابة السريعة – QR Code».

«QR Code» لسحب مناديل التواليت

يعد استخدام «رمز الاستجابة السريعة – QR Code» أمرًا شائعًا ويوميًّا في الصين، ويستخدمه مستخدمو تطبيقات الهاتف الصينية بشكل واسع، خاصةً في تطبيق الشراء «Alipay» التابع لموقع علي بابا الشهير، وتطبيق «WeChat» للمراسلة، والأوَّل في الصين.

وفي عام 2014، أدخلت الصين آلة فحص «رمز الاستجابة السريعة» في المراحيض العامة لتوزيع المناديل مجانًا على المستخدمين، الجهاز مطبوع عليه الرمز، وعلى المستخدم أن يمسح الكود بهاتفه الذكي، ومن ثم يسجل دخوله، ويقدِّم له الجهاز مناديل بطول 80 سم تقريبًا.

شاب يستخدم هاتفة لمسح الكود والحصول على المناديل

شاب يستخدم هاتفه لمسح الكود والحصول على المناديل. مصدر الصورة: موقع «cgtn»

يمكن تكرار مسح الكود عدة مرات للحصول على المزيد من المناديل ولكن بعد دفع مقابل مادي، وتشير التقديرات إلى نجاح هذه التقنية في تقليل استخدام مناديل التواليت بنسبة 80%.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
تاريخ الحمّامات.. هل عرفت الحضارات القديمة المراحيض؟

المصادر

تحميل المزيد