جمال النشار

19

جمال النشار

19

862

رغم عدم حصوله على أرفع الدرجات العلمية حتى في مجال عمله؛ إلا أن مبتكر «آبل» و ورجل الأعمال الأمريكي الراحل ستيف جوبز وصل يومًا ما ربما إلى ما لم يصل إليه أعلى البشر تعليمًا، ففي عام وفاته 2011 قُدرت ثروته بحوالي ستة ونصف إلى سبعة مليارات دولار؛ ومنذ أن صعدت قصة نجاحه صار الجميع يتسابق للحصول على سرّ هذا النجاح، وخاصة أن جوبز ترك دراسته الجامعية بعد 18 شهرًا فقط من الدراسة المتقطعة في كلية «رييد» بولاية «أوريجون»، وكوّن بعدها رأيه الخاص ونظريته بشأن التعليم وجودته فيما بعد.

في أحد لقاءاته عام 1995 سُئل «جوبز» عن التعليم في الولايات المتحدة؛ وأبدى معارضته لنظام التعليم، ووصفه بالبيروقراطية، والاحتكار، وقال إن الحكومة يجب عليها أن توفر تعليمًا جيدًا للطلبة الفقراء بالتساوي مع الطلبة القادرين، واقترح أن تخصص الحكومة قسائم دفع لأولياء أمور الأطفال يدفعون بها مصروفات أبنائهم الدراسية في المدارس التي يرونها أفضل جودة في تقديم التعليم، وأن هذا سوف يجعل المدارس تتسابق على تسويق نفسها بتقديم أفضل تعليم ممكن.

بعد رحيله بعامين، وتحديدًا عام 2011 افتتحت «هولندا» عددًا من المدارس العامة بالتعاون مع إحدى مؤسسات تطوير التعليم وأطلقت عليها اسم «مدارس ستيف جوبز» بهدف تقديم نوع جديد ومتقدم من التعليم، ينتهي بالطلبة إلى نجاح عملى يقتدي بنجاح «جوبز»، وإنجازاته غير المسبوقة في مجالي ريادة الأعمال والتكنولوجيا.

الأداة المركزية آيباد.. ولا صفوف دراسية

طبقًا للرؤية التي طُرحت من قبل مؤسسة «أو فور إن تي» الراعية للمبادرة؛ فإن نظام التدريس يتمحور بشكل تام حول جهاز آبل اللوحي الشهير آيباد، دون الاستعانة بأيَّه كتب ورقية، أو مواد مطبوعة بل يستعان بالجهاز اللوحي والتخزين السحابي «آي كلاود» بشكلٍ كامل، كما يوصى بالتدريس بشكل شبه كامل في أماكن مفتوحة أو فناء حديقة المدرسة.

Embed from Getty Images
الطلبة في إحدى مدارس جوبز في هولندا

تستمر الدراسة بها مدة 50 أسبوعًا سنويًا، ويبدأ اليوم الدراسي بها من السابعة والنصف صباحًا إلى السابعة مساءً، وتقسم فيها الدراسة بعيدًا عن الصفوف التقليدية – 12 صفًا دراسيًا – بل يُقسم الطلبة إلى مجموعتين من الفئات العمرية أولهما من سن الرابعة إلى السابعة، والثانية من الثامنة إلى الثانية عشر، ويتعلم الأطفال فيها بما يسمى «تدريب الموهبة – Talent coaching» بدلًا من شرح وتلقين المعارف التقليدي، كما تتيح المدارس البرامج الدراسية على الإنترنت طيلة الوقت من أجل أن يبقى الآباء على إطلاعٍ مستمر عليها.

هكذا ولدت القصة.. ابنة دي هوند والآيباد

يقول صاحب المبادرة والفكرة وراء مدارس جوبز رائد الأعمال وباحث السوق الهولندي «موريس دي هوند» أنّ الفكرة جاءته عندما تعلمت ابنته الصغيرة استخدام جهاز آيباد في سن مبكرة وقبل حتى أن تبدأ في الكلام وأضاف في حديث مباشر مع موقع «إدويك ماركت بريف»:

«نحن نُعد أولادنا للماضي وليس للمستقبل؛ وعندما أخذتها إلى المدرسة أول مرة كانت تمامًا مثلما كان ابني الأكبر منذ 32 عامًا، في النظام نفسه».

ومن ثَم ذهب «دي هوند» إلى أحد الساسة وطلب منه أن يساعده في قرار تعليم طفلته منزليًا بدلا من الذهاب «للتعلم في متحف»، ومن هنا بدأ في رسم نموذج تعليمي يعتمد على جهاز آيباد الذي تحب ابنته اللعب عليه، وبعدها تفقد «دي هوند» شروط إنشاء المدارس التي علم فيما بعد أن نسبة 98% من المدارس في هولندا حكومية، ويتكلف تعليم الطفل بها ما يعادل 7 آلاف دولار، ولا بد من انتظام 200 طالب على الأقل في الدراسة بها خلال مدة 5 سنوات وإلا أغلقت.

آيباد في المدارس.. ليس طفرة

بحسب تصريح لشركة «آبل» في عام 2014؛ فإن هناك حوالي 10 ملايين جهاز آيباد اشترتها مؤسسات تعليمية في العالم، 7 ملايين منهم في أمريكا وحدها، و 750 ألف جهاز منهم ذهبوا إلى ولاية «تكساس» وحدها ، ولكن الجديد هنا أن مدارس «ستيف جوبز» تعتمد بالكامل على آيباد وليس باعتباره أداة مساعدة كما هو الحال في أغلب المدارس.

Embed from Getty Images
أكد «دي هوند» على أهمية اختلاف التعليم عبر آيباد بشكل كامل، حيث لاحظ أن اللعب على الجهاز يساعد الأطفال بشكل كبير رغم عدم وجود بحث دقيق أجري في هذا الشأن، ويضيف:

«في كثير من الأحيان يتشتت انتباه الطفل حين يشعر بالملل، وعندما تقضي يومك في بيئة نشطة ومحَفزة، ثم تأتي بعدها المدرسة في بيئة غير مُلهِمة فلا عجب أن الأطفال تتمرد». ويؤكد أيضًا أن استخدام آيباد في تطبيقات للحساب واللغات يساهم في تعليم المهام بشكل أسرع، ولا يأخذ وقتًا تقريبًا من المُدرس مما يتيح له وقتًا أكثر لمهام أخرى تساعد الأطفال أثناء الدراسة ويتيح أيضًا للأطفال اختيار مسارهم الخاص.

آراء معارضة.. لا علامات تجارية في التعليم

في العام الدراسي الأول لمدارس ستيف جوبز حظت تلك الفكرة باهتمام الكثير من وسائل الإعلام المحلية في هولندا، وشجعتها العديد من المنصات الصحفية الكبرى مثل «بيزنس إنسايدر»، بينما تعالت بعض أصوات داخل هولندا تعارض الفكرة وتحاول إبراز بعض سلبياتها كما جاء في تقرير «الجارديان» البريطانية، وتحديدًا ما قاله «فريك ليمهيوس» المستشار المستقل مطور البرمجيات الهولندي الذي أبدى قلقه تجاه نظام التعليم المتمركز حول جهاز آيباد الذي يستخدم بواسطة الأطفال بشكل رئيسي لاستقبال واستهلاك المعلومة بدلًا من التهيئة للتفكير الإبداعي.

ويضيف «أندرو مانشز» البروفيسور بجامعة «إدنبره»، والباحث بمجلس الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا أن هناك خطأ في الأصل في بناء مدرسة تتمحور حول «علامة تجارية» حيث قال:

«المدارس مستقلة، ولا يجب أن ترتبط بمنتج ما».

وأكد «مانشر» أيضًا أن هناك الكثير من الكلام حول التكنولوجيا والتعليم «الشخصي» personalized، ويعتقد أنه بينما تستطيع التطبيقات أن تساعدك في فهم ما لديك، وما فعلته بشكل صحيح؛ إلا أنها ليست دائمًا جيدة في شرح الأشياء للأطفال، لأنه غالبًا ما يتعلم الأطفال من أخطائهم.

أربع سنوات.. ونتائج مُحبطة

نُشر مؤخرًا في موقع جريدة «دي فولكسكرانت» الهولندية تقرير يشير إلى بعض النتائج التي اعتبرت «سلبية» حيث أظهرت النتائج أن استراتيجية «موريس دي هوند» صاحب المبادرة كانت تهدف إلى جعل 44 مدرسة تعمل بنظام مدارس ستيف جوبز بحلول عام 2017 داخل هولندا وحدها عن طريق دفع المزيد من المدارس التي تنتهج برامج التعليم التقليدية للتحويل إلى نظامه الدراسي المقترح، ولكن هناك أكثر من 12 مدرسة أسقطت هذا النظام وعادت إلى انتهاج برامج التعليم التقليدية، بينما هناك 13 مدرسة أخرى فشلت في التحويل إلى نظام «دي هوند» من الأساس.

طبقًا لما ذكره التحقيق فإن المدارس العادية من المفترض أن تدفع للمؤسسة الراعية «أو فور إن تي» التي يعمل عليها «دي هوند» مبلغ تسعة يورو 9 euros  للطالب الواحد؛ مما يتسبب في وصول مبالغ متراكمة تصل إلى 20 ألف يورو للمدرسة الواحدة، تقول «إينا كلينكنبرج» مديرة مدرسة «روبال إن بلوكجل» الابتدائية في هولندا: «هذا مؤسف ولكنه فقط كثير علينا». ويضيف «هانز فان دير» مدير مدرسة أخرى: «بعيدًا عن المال، ولكن النظام نفسه مُقيد مثل سُترة الأكتاف».

وأضاف ممثل مدرسة أخرى أن  مدرسته سوف تتوقف عن نظام ستيف جوبز بعد انتهاء العام الدراسي الحالي 2017/2018، حيث ينتقل 500 طالب في هذا النظام ما بين أربعة مبانٍ بها فصولهم، والمدرسون دائمًا ما يكونون منخرطين مع فصول أخرى، ووصف الأمر بـ«الفوضوي»، بالإضافة إلى نتائج الاختبارات التي أظهرت نتائج «أقل من المتوقعة» أو المرجوة لنظام تعليم يهدف إلى رفع كفاءة ومهارات الطفل الابتكارية.

بينما علق «موريس دي هوند» على تلك النتائج: «طريقتنا لا تعمل إذا طبقت نصفها فقط، لا بد من أن يكون هناك توجه جيد البناء، وشيء مثل هذا يتكلف تدريبًا وتوجيهًا؛ أي أموالًا». وأضاف معلقًا على المدارس الأخرى التي تعمل بالكامل بنظامه: «أنها تعمل بشكل جيد هناك، وكل المنخرطين في العمل عليها يشعرون بالرضا، مما يشجعني على استكمال العمل في هولندا كذلك».

Embed from Getty Images
طفل يستخدم آيباد في إحدى مدارس جوبز في جنوب أفريقيا

التقرير الهولندي  ذكر أيضًا عدة مشاكل يواجهها «دي هوند» بشكل شخصي داخل مؤسسته، حيث خاض «عدة معارك» مع خمسة زملاء آخرين قاموا معه على وضع المنهج والاستراتيجية التعليمية على مدى السنوات الخمسة الفائتة، وأنه لا يوجد أحد يعمل في مؤسسته الآن؛ حيث ترك اثنان منهم العمل لأنهم رأوا أن «دي هوند» جعل الفكرة «تجارية» أكثر مما ينبغي، واثنان آخران تركوا المنظمة بسبب «خلاف في الآراء».

الجدير بالذكر أنه مؤخرًا افتتحت مدرستين من مدارس ستيف جوبز خارج هولندا وتحديدًا في جنوب أفريقيا مطلع عام 2016 واحتفت بهما الصحافة في جنوب أفريقيا، ولم يُذكر أي إخفاق لهما حتى الآن.

أخيرًا.. جوبز نفسه لم يكن يؤيد التكنولوجيا في أيدي الأطفال

في تقرير نشره موقع جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية عام 2014 للصحفي «نك بيلتون» بعنوان «ستيف جوبز كان أبًا غير مؤيد للتكنولوجيا» سرد فيه قصة حديث دار بينه وبين المبتكر الراحل ستيف جوبز عام 2010 قبل وفاته بعام بعدما وجه له الأخير اللوم على مقال نقدي كان قد كتبه حول جهاز آيباد، حيث سأله «بيلتون» محاولا تغيير دفة الحديث الحاد: «لا بد وأن أطفالك يحبون الآيباد؟»

فرد جوبز: «لم يستخدموه، نحن نحدد كم التكنولوجيا التي يستخدمها أطفالنا بالمنزل».

وأبدى «بيلتون» دهشته وأخبر جوبز أنه كان يعتقد أن أجهزة آيباد وآيبود توزع من قبلهم على الضيوف كالحلوى فرد جوبز باقتضاب: «لا ليس حتى قريبًا من ذلك».

يستعرض بعدها «بيلتون» في مقاله مدى دهشته من هذا النظام الذي انتهجه جوبز تجاه تربية أولاده بصفته رائدًا من رواد التكنولوجيا، ويذكر كذلك أن العديد من رواد الأعمال الكبار في مجال التكنولوجيا أيضًا كانت لهم تصرفات وردود فعل مشابة تجاه تعريض أطفالهم للتكنولوجيا.

ولكن رغم ذلك ما تزال مدارس ستيف جوبز تعمل بشكل جيد في كُل من هولندا وجنوب أفريقيا حتى وإن اختلف البعض على الظروف والأعمار المناسبة وحتى جدوى بناء نظم تعليمية تعتمد بشكل كبير أو كامل على التكنولوجيا الحديثة، وربما تحمل السنوات القادمة تغييرات جذرية في هذا المجال الذي يهدف إلى تطوير التعليم وإحداث ثورة تعليمية من خلاله.