3,210

عندما تحدث عملية احتجاز رهائن، فسيكون من الطبيعي أن يكِن المحتجزون مشاعر الكراهية لمحتجزيهم، لكن ذلك لا يحدث دائمًا؛ ففي عام 1973 تعرض أحد البنوك في العاصمة السويدية ستوكهولم للسطو على يد سجين سابق يُدعى جان إيريك أولسون مع صديقه كلارك أوفلسون الذي تعرف عليه في الزنزانة، وعندما شعرا بالخطر أطلقا النيران، واحتجزا مجموعة من الرهائن لمدة ستة أيام، لكن المثير للدهشة أنه بنهاية هذه الفترة استطاع اللصان كسب الرهائن في صفهما، الذين أصبحوا نموذجًا لتعريف ما يُسمى بـ«متلازمة ستوكهولم».

ترجع بداية العلاقة إلى حجرة الاختطاف عندما بدأ الضحايا في تكوين روابط عاطفية مع خاطفيهم، ووصل الأمر إلى تصريحهم أنهم يخافون من رجال الشرطة أكثر من الخاطفين، وحتى بعد إطلاق سراحهم رفضوا أن يدلوا بأي أقوال ضد المجرمين في المحكمة وحاولوا تغطية أتعاب الدفاع لخاطفيهم.

ووصل الأمر إلى حد ارتباط إحدى المخطوفات عاطفيًا بالخاطف الرئيس (أولسون) بعدما خرج من السجن، بينما نجح زميله (أوفلسون) في الحصول على البراءة بعد ادعائه أنه لم يكن يساعد «أولسون»، وإنما كان يحاول احتواء الموقف وحماية الرهائن، وأصبح بعدها صديقًا لأحد الضحايا، وتقابلا في مناسبات عديدة.

بالطبع دفعت هذه الحادثة الغريبة علماء النفس إلى دراستها ومعرفة خباياها بشكل علمي دقيق، وبعد تحليل ما حدث توصلوا إلى أن الضحايا عندما يكونون تحت ضغط نفسي لا يُحتمل، فإنهم يندفعون بشكل لا إرادي إلى صناعة آلية نفسية دفاعية بالاطمئنان للجاني.

متى يصبح تعاطف الضحية مرضيًا؟

لا يكون وصف الشخص أنه مصاب باضطراب «متلازمة ستوكهولم» حقيقيًا، إلا بعد أن تظهر عليه بعض العلامات المميزة مثل:

1- عندما يُظهر الشخص المُسيء قدرًا قليلًا من اللطف، مثل عدم قتل الضحية، فإن هذا يؤدي إلى زيادة الأمل عند الضحية، وقد يعتبر ذلك دليلًا على صداقة تجمعهما.

2- يبدأ الضحية في النظر إلى المُعتدي بشكل إيجابي، فيمكن أن يعتبر ما يفعله مصدرًا للسلامة والحماية، بدلًا عن الضرر.

3- يتحول الأمر إلى وجود مشاعر سلبية عند الضحية تجاه الأسرة أو الأصدقاء الذين يحاولون دعمه وإخراجه مما هو فيه.

4- يسلك الضحية سلوكيات تهدف لدعم المُعتدي عليه ومساعدته.

5- في مقابل ذلك لا يقدر أن ينخرط في سلوكيات تساعد في إطلاق سراحه، أو انفصاله عن الشخصي المُسيء.

الاحتجاز ليس شرطًا لحدوث المتلازمة

توجد أربعة شروط لا بد أن تتوافر كجوانب أساسية لإطلاق توصيف «متلازمة ستوكهولم»، وليس شرطًا أن تحدث في عملية احتجاز رهائن؛ فيمكن توافرها في حالات الإساءة الشديدة أو العلاقات الاستغلالية، وهي:

1- حدوث تهديد لسلامة الشخص البدنية أو النفسية، والاعتقاد بأن المُعتدي سيُنفذ تهديده.

2- عدم توافر إلا القليل من التعاطف الحقيقي من الشخص المُسيء تجاه الضحية.

3- عزل الضحية عن كافة الأطراف المساعدة أو الداعمة، مثل الأهل والأصدقاء.

4- الوصول لدرجة الاعتقاد بعدم قدرة الضحية على الخروج من الموقف المتأزم.

لكن كيف نفهم حدوث المتلازمة في حالة العلاقات الاجتماعية العاطفية، والفرق بينها وبين علاقة الخاطف بالرهينة؟ باختصار في حالات الاختطاف عندما يسمح الخاطف للمُحتجز بدخول الحمام، أو يُحضر له الطعام، أو يمتنع عن قتله أو تعذيبه؛ تُترجم هذه التصرفات بشكل إيجابي عند الضحية؛ مما يجعله يتعلق بالخاطف عاطفيًا، بينما في العلاقات الاجتماعية أو العاطفية المُسيئة يؤثر تقديم بعض الهدايا في المناسبات، أو حتى التلفظ ببعض الكلمات الرقيقة، في جعل الضحية يشعر أن الطرف المُسي ليس سيئًا بدرجة كبيرة، بل يراه شخصًا جديرًا بالحب.

ويرسخ هذا الشعور عندما يلجأ المُسيء لحيل عاطفية، مثل أن يسرد حادثًا مأساويًا عن ماضيه، أو يذكر تفاصيل جروح عاطفية قديمة تسبب بها أهله أو أصدقاؤه؛ مما ينعكس على شعور الضحية بالتعاطف معه، ومحاولة مساعدته وعلاجه نفسيًا، رغم استمرار تصرفاته المؤذية.

لماذا يُورط البشر أنفسهم في هذا الفخ؟

حتى نستطيع فهم ما يحدث، فلا بد أن نربط بين ظهور متلازمة ستوكهولم في العلاقات ومبدأ «التنافر الإدراكي»، الذي يعني عدم راحة يشعر بها معظم الأشخاص عند مواجهتهم معلومات تتناقض مع المعتقدات والقيم التي نشأوا عليها، وحينها يكون رد فعلهم تطوير أو تبني نوع آخر مختلف من الأفكار، من الأمثلة على ذلك الزوجة التي لا ينقطع اعتداء زوجها عليها؛ فتظل تخشى الانفصال خوفًا على أبنائها، وتشعر بالقلق للصراع بين الفكرتين، وهنا تظهر في عقلها فكرة ثالثة جديدة تتمثل في الاعتقاد بأن زوجها متوتر، أو يعاني من ضغوط متزايدة تجعله يضربها رغمًا عنه.

وغالبًا ما يقوم المُسئ بتهديدات مستمرة، مثل أنه في حال ترك الضحية له، فلن يجد من يعوضه هذا الفراغ، رابطًا ذلك بأمثلة مُختلفة لأشخاص اتبعوا رغباتهم وندموا، أو يلجًا إلى  تلميحات غير مباشرة مثل: «أعرف أشخاصًا اختفوا على يد آخرين»، ويدعم ذلك بقصص يرويها عن بشاعة الانتقام بعد الرحيل.

من المعروف أن غريزة «البقاء على قيد الحياة» تعد الغريزة الفطرية الأساسية لمعظم البشر، ومن هنا تأتي اعتبارات مثل الراحة والسلامة الشخصية متأخرة في الأوقات التي يواجه فيها الفرد مواقف تُوصف أنها حياة أو موت، فتكون النتيجة أن مهارات التفكير المنطقي والعقلاني تكون ضعيفة عند الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة، وهو ما ينعكس على تقبل المُعتدي؛ لأن ذلك يساهم بشكل ما في الابتعاد عن خطر الموت.

يتحول الأمر في كثير من الأحيان إلى رؤية الواقع من منظار المُسيء، فالضحية يكون لديه إحساس دائم بأنه «يمشي على قشر بيض»؛ فيخشى قول أو فعل أي شيء قد يؤدي إلى اندلاع العنف مقابل بقائه على قيد الحياة، ويتصرف بالشكل الذي يجعل المُعتدي سعيدًا.

جانب آخر يساعد في اكتمال الصورة، وهو أن البشر يكونون أكثر التزامًا تجاه الأشياء المعقدة وغير المريحة، وحتى المُذلة لهم، عندما يشعرون أنهم بذلوا مجهودًا كبيرًا وأفنوا أوقاتًا طويلة من حياتهم فيها، فيكون من الصعب أن يتخلوا عن علاقة مُسيئة رغم الضرر الذي يطالهم منها.

وفي الحالات الشديدة من «متلازمة ستوكهولم» في سياق العلاقات الاجتماعية قد يواجه الضحية صعوبة في ترك الشخص المُسيء، ويشعر أن هذا الوضع السيء الذي يعيشه هو خطؤه، وحتى عندما يأتي دور القانون يشعر الضحية بأن القبض على شريكه بسبب اعتداءاته عليه أمر يتحمل مسئوليته، ويصل الوضع ببعض النساء إلى الموافقة على إرسال أطفالها إلى منظمات حماية الأطفال مقابل عدم تخليها عن علاقتها مع والدهم المُعتدي.

ستوكهولم ليست الحادثة الوحيدة

تعددت الحوادث التي ذُكر فيها مصطلح «متلازمة ستوكهولم» لتوصيف ما حدث، ومن أشهرها حادثة اختطاف باتي هيرست، وهي ابنة أحد الأثرياء في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، واختطفها مجموعة من المسلحين الثوريين عام 1974؛ من أجل إشراكها في إحدى عمليات السطو، وقد تعاطفت «هيرست» مع مختطفيها وعاونتهم في مهمتهم، فكان جزاؤها أن أُلقي القبض عليها، وأُودعت السجن.

لكن عندما حان وقت محامي الدفاع في المحكمة نجح في تبرئة المتهمة، بتأكيده على أنها خضعت لعملية غسيل دماغ، أوصلتها إلى المعاناة مما يُعرف بـ«متلازمة ستوكهولم»، والتي تفسر المشاعر غير المنطقية التي يشعر بها المختطفَون تجاه مختطِفيهم.

الحادثة التالية كانت في 10 يونيو (حزيران) عام 1991، عندما رأى شهود عيان رجلًا وامرأة يختطفون جايسي لي دوغارد الطفلة البالغ عمرها 11 عامًا، من محطة الحافلات المدرسية القريبة من منزلها في ولاية كاليفورنيا، وظلت مُختفية حتى 27 أغسطس (آب) عام 2009، عندما دخلت إلى مركز الشرطة وقدمت نفسها، وقد ظلت «دوغارد» محتجزة لـ18 عامًا داخل خيمة خلف منزل آسريها، وعلى الرغم من أن فرصة الهروب توافرت في أوقات مختلفة طوال فترة أسرها، إلا أنها ارتبطت بالخاطفين كشكل من أشكال البقاء.

ويبدو أن صغر السن له عامل في زرع الارتباط بين الجاني والضحية، هذا ما تؤكده حالة أخرى، وهي لفتاة من فيينا اسمها ناتاشا كامبوش اختُطفت عام 1998، ثم احتُجزت داخل أحد الأقبية لثماني سنوات ظلت فيها تطبخ وتنظف لمختطفها، وبعد نجاحها في الفرار عام 2006، أي عندما أصبح عمرها 18 عامًا، ظلت مرتبطة بالخاطف، فلم تستطع منع نفسها من الحزن عليه بعدما علمت بانتحاره، بل أشعلت شمعة على قبره.