«اخرسي يا حيوانة» هكذا باغتها في ليلة زفافهما، مُنتهرًا إياها بصوت جهوري، فقط لأنها كانت تتألم من ممارسة العلاقة الحميمية وتحاول أن تمنعه، خافت من صوته المرتفع، لكنها لم تستطع أن تكبح تألمها، فزاد من زجره لها، ثم صفعها على وجهها بحدَّة حتى أتمَّ العلاقة، هكذا تتذكر سهام .م، أول ليلة تجمعها بزوجها؛ التعدي بالسب والضرب.

حاولت سهام تناسي العنف الذي تعرضت له في أول اتصال حميمي بزوجها، الذي ارتبطت به عبر ما يُعرف بـ«زواج صالونات» دون علاقة عاطفية سابقة، لكنها استطاعت في الفترة الوجيزة التي تسبق الزواج أن تحبه.

شاب وسيم، مُتعلم، حاصل على مؤهل عالٍ، وظيفته جيدة، هذه هي الصورة المثالية التي تحب أن تقضي إلى جوارها عُمرها، عُمرها الذي قضته في المدارس والجامعة دون أن يكون لها أي خبرة حياتية أخرى، ودون حتى أن يُمهلها الوقت لأن تعمل بمؤهلها الدراسي، فلم يكن يتجاوز عُمرها حين تزوجت الثالثة والعشرين عامًا، وحينها قطعًا، لم تكن تعرف أنها عندما تتم الثلاثين من عُمرها ستقف على أبواب محكمة الأسرة لِتطلب الخلع من زوجها.

عنف من لا شيء.. «القانون لا يعرف سهام»

على أبواب محاكم الأسرة هناك العشرات، ورُبما المئات من الحالات التي تتشابه قصتها مع قصة سهام، حالات بدأت بنزف مشاعر بسبب قصص حب دامية، ورُبما آمال عريضة نسجتها البدايات الزائفة، وظنت الزوجات أن بعد كل هذا الحب والآمال ستكون الحياة وردية.

Embed from Getty Images

لكن ما يحدث في الواقع أن يستمر نزيف من نوع آخر بعد الزواج، نزيف الخذلان وألم الصدمات التي تصل إلى أبواب المحاكم. نساء يرفعن قضايا خُلع على أزواجهن، ويرغبن في ترك كل شيء، وفي التنازل عن حقوقهن كافة، فقط من أجل أن ينجَوْن بأنفسهن وبما تبقى من أعمارهن، ومن أجل حياة أفضل حالًا لأطفالهن.

كان نفسي نهاية تليق بيا

مبقاش انا بطلة حدوتك

وأطلع ف الآخر مأذية

الكلمات السابقة من تتر المسلسل المصري «بخط الإيد» الذي كتبه الشاعر الغنائي تامر حسين، رُبما تكون  قادرة على تلخيص ما تشعر به النساء اللواتي خذلن في حياتهن العاطفية، ووصلن في نهاية الأمر إلى أبواب المحاكم طالبات الخلاص مهما كلفهن الحصول عليه من تنازل عن حقوقهن كاملة، ورغم هذا هناك بعض المُحاولات التي تُريد أن تسلب المرأة حق الخُلع، وترى أنه السبب في ارتفاع نسبة الطلاق؛ إذ تضع الخُلع في خانة المُتهم الوحيد وراء خراب البيوت وتشريد الأطفال.

فعلى مدار سبع سنوات من الزواج، وجدت سهام أنها تتعامل مع شخص غريب الأطوار، كان عنفه في الليلة الأولى مؤشرًا لعنفه في المواقف الأخرى كلها، بدءًا من طعام ملحه زائد، مرورًا بأنها ينبغي أن تعامل أهله من مُنطلق أنها في منزلة أقل منهم، وليس تفضُّلًا منها أن تحتمل إهاناتهم وكلامهم الحاد دون حتى أن تحاول الرد، لأنها إذا فكرت أن ترد؛ سيُكيل لها زوجها الإهانات بعدة طرق، هذا بالإضافة إلى العنف المُتكرر في علاقتهما الزوجية، فللزوج كما أظهرت السنوات ميول غير طبيعية.

سبع سنوات كانت خلالهما عندما ترد ردًّا لا يعجبه تجد ملابسها مُلقاة من الشرفة للشارع، وتُطرد من بيتها، وتُهدد بعدم رؤية ابنها، الذي كان الثمرة الوحيدة لعلاقتها الزوجية.

«ماما أنا بكرهه»، هكذا باغتها الطفل، الذي لم يتجاوز عمره الأعوام الخمس، مُعبرًا عن شعوره تجاه أبيه، حينها بكت سهام كثيرًا، وقررت أنها لن تستمر في هذا البيت أبدًا، حتى لو جاعت هي وطفلها. الآن وبصحبة طفلها تقف سهام على أبواب محاكم الأسرة، مُنتظرة حُكمًا مُنصفًا بنفقة ابنها؛ لأن والده منذ أن عادت إلى بيت أهلها طالبة الانفصال منذ عام ونصف، لم يسأل ولو لمرة على طفله، ولم يُنفق عليه جنيهًا واحدًا.

بُخل وأنانية وإهانة.. حب وأشياء أخرى

في شقق الإيجار الجديد التي لا تتجاوز مُدة الاستقرار بها ثلاثة أعوام على الأرجح، كانت ريهام .ك تتنقل مع زوجها من سكن إلى الآخر، حين تقدَّم زوجها لخطبتها كانت إمكانياته المادية أكثر من بسيطة، لكنها تنازلت عن كل شيء لأنها أحبته. كانت ريهام ذات مستوى تعليمي ووظيفي ودخل مادي أعلى من زوجها، فشاركت معه في شراء الأثاث دون علم أهلها، لكنها اكتشفت بعد الزواج أن كل ما فعلته أثار مطامع الزوج، الذي بدأ يُطالبها باللين حينًا وبالشجار حينًا، بأن يوضع راتبها في حسابه المصرفي الشخصي.

Embed from Getty Images

بعد الزواج، الذي امتد لنحو أربعة أعوام، بدأ يتضح بُخل الزوج، فرغم موافقتها أن يكون راتبها في يده لأنها ترى أنهما شخص واحد، كان الزوج يُثير الكثير من الخلافات والشجارات على شراء الطعام والملابس، وصولًا إلى كُلفة كشف الطبيب.

مرضت والدتها وقد كانت آخر ما تبقى لها من أسرتها بعد رحيل الأب، كانت حالة الأم تتطلب رعاية ريهام وعنايتها، فجاء رد الزوج بأن حقه أن يمنعها من رعاية أمها، ورفض في المقابل استضافة أمها في منزله، وظل يُردد لها أن بيتك هو أولويتك الأولى قبل كل شخص، أيًّا ما كان هذا الشخص.

كانت ريهام تُحاول أن تقنع نفسها أن بإمكانها تغييره، ومرَّت الأيام تليها الشهور، ولا شيء يحدث سوى اشتداد قسوته التي تليها لحظات من اللين، دون أن يتراجع عن أي قرار أخذه في لحظات القسوة، عندما توفيت والدتها كانت ريهام ترى بوضوح السعادة في عينيه، كانت تشعر بأنه ارتاح من عبء أمها الذي رفض حمله من الأساس، ورغم ذلك كانت تُحاول دومًا أن تُكذِّب عينيها.

حاولت التماس آلاف الأعذار له، وعللت نفسها بأنه فقط لا يعرف كيف يُراعي مشاعر غيره، لكن ما اتضح لها بعد ذلك أنه يعي جيدًا جدًّا ما يفعل، فتغيرت مُعاملته بعد وفاة والدتها لتُصبح أعنف وأكثر شراسة، امتد الأمر إلى ضربه لها لأسباب أكثر من تافهة، فقررت الرحيل بعدما حاولت التأقلم والاحتمال والصبر مرارًا وتكرارًا، وعندما رحلت وجدت نفسها ترحل بحقيبة ملابسها، وبطفل صغير يرفض والده أن يُنفق عليه، ويرفض أن يعطيها شيئًا من أموالها التي كان يدخرها لها – بحسب مزاعمه – طوال سنوات زواجهما.

فلا مسكن زوجية لهما يمكن أن تظفر به لأنها حاضنة بحكم القانون، ولا أهل يقفون في وجه الزوج الذي تجبَّر، لتصطف مع نسوة أخريات في طابور محاكم الأسرة، علها تجد ما ينصفها.

امنحي طفلًا من أطفالك لأختي.. وإلا!

«لماذا أنتِ أنانية إلى هذا الحد؟ أنتِ حامل في توأم، وهي لم تُرزق بأطفال، ماذا سيُضيرك لو أخذت هي واحدًا من الطفلين، وتركت لكِ الآخر، سيظل ابنكِ ومكتوبًا في شهادة ميلاده أنكِ أمه، لكنها ستربيه وتتولى تعليمه ورعايته، هي ترغب في أن تُصبح أمًّا، كيف يُمكن أن تكوني بكل هذه القسوة؟!»

بهذه الكلمات كان زوج منال.ح، المرأة الثلاثينية، يُحاول أن يقنعها بأن تعطي أحد طفليها التوأم اللذين ما زالا جنينين في أحشائها لأخت الزوج التي لم تُرزق بأطفال.

كانت منال ترفض بشدَّة، وتتساءل: «حد بيسلف عياله؟!» لكن الزوج كان يرد عليها بأن جده فعل مع أخيه الفعل نفسه، وأعطاه أحد أبنائه لأنه لم يكن يُنجب، وأن عمه بالفعل عاش طوال عمره مع أبيه المُتبني في محافظة مُختلفة عن التي عاش بها أبوه وجده، ويردد لها أن هذا يحدث مع أنقياء النفوس الذين لا يستطيعون أن يروا إخوتهم يتألمون بسبب الحرمان من الإنجاب، أما هي فترفض لأنها سيئة النفس والسريرة، ولا تستطيع أن تُقدم يد العون لشخص يتألم.

المرأة

منذ سنة واحدة
قيد ثقيل ومجتمع لا يرحم.. هذا ما تعانيه الأمهات العازبات في العالم العربي

أحيانًا كانت تسأل منال نفسها، هل هي حقًّا كما يقول عنها زوجها، هي لا تستطيع أن تُضحي بأحد أبنائها، لا تستطيع أن ترى طفلها وهو يشعر بمشاعر الأمومة تجاه غيرها، كانت تتعجب كيف للزوج الحاصل على أعلى الدرجات العلمية أن يطلب منها هذا، في البدء كانت تقول لنفسها إن زوجها يقول كلامًا فقط، ووقت الجدِّ لن يستطيع هو نفسه أن يُنفذ ما يقول، لكن مرَّت الأيام والشهور، وحانت لحظة الولادة، لتجد منال أحد طفليها مولودًا في حالة حرجة، تستلزم وجوده في الحضانة بين الحياة والموت، ليجنَّ جنون الزوج في المستشفى، ويصيح بها، قائلًا: «هذا عقابك من الله، اقبلي أن نمنحه لأختي كي ينجو»!

بعد الولادة تأكدت منال أنها لا ترغب في أن تعيش مع هذا الرجل، ولا ترغب في أن يُغلق عليهما باب واحد بعد الآن، طلبت الطلاق، فجنَّ جنونه أكثر، وهدد ذويها بأنه سيعرف كيف ينتقم منها. وصلت المُفاوضات إلى طريق مسدود، بعد أن جرَّدها الزوج من كل حقوقها وامتنع عن الإنفاق على طفليْه، لتجد منال نفسها بعد أشهر قليلة من ولادة طفليها، تقف على أبواب محكمة الأسرة مطالبة بالخلع ونفقة الصغار من زوجها.

ومن تُطالب بحقها.. تتعرض لعنف مُجتمعي!

في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019 اقترح البرلماني المصري عاطف مخاليف، بعض التعديلات الخاصة بقانون الأسرة، ليقتصر الخُلع على حالات العجز الجنسي فقط!

«محاولات سلب المرأة حق الخلع أو قَصْره على حالات الضعف الجنسي للزوج فقط، كما يُشاع، هي مُحاولات لا ترى أن البيوت المُغلقة على نساء مُعذبات تُنتج بالتبعية أطفالًا مُشوهين نفسيًّا وخُلقيًّا، الطفل الذي يرى أمه تُضرب وتُهان وتُظلم دون أن تملك تغيير وضعها ماذا يُنتظر منه أن يُصبح في المستقبل؟» هكذا تقول سامية حسين، الباحثة في علم الاجتماع لـ«ساسة بوست».

وتُضيف سامية قائلة: «هناك نوع من الوصاية الاجتماعية على المرأة، المجتمع يستطيع أن يرى بسهولة أن المرأة كائن غير كامل الأهلية، لا ينظرون إلى حالتها النفسية وقوة احتمالها، لا يكفيهم أن تتنازل عن كافة حقوقها في سبيل أن توقف حياة لا ترضاها لنفسها ولا لأبنائها، فنجد مثلًا سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي بأن سبب ارتفاع حالات الخلع هو كون هرمونات المرأة تتحكم في حالتها النفسية، فينبني على هذا أن تجعلها كائنًا غير عاقل وغير مسؤول عن قراراته لأن الهرمونات تتحكم بها».

Embed from Getty Images

تؤكد سامية أنها تعاملت مع آلاف الحالات من النساء في أوراق بحثية مُختلفة، والتي تجعلها تملك أن تقول إن القاعدة العريضة من النساء لا تأخذ قرار الانفصال بسهولة أبدًا، وأنها تتحمل الكثير والكثير قبل أن تصل إلى هذه المرحلة، وإن كانت هناك استثناءات بالطبع.

ترى سامية أن الذين يرغبون في أن يُقصروا الخلع على حالات العجز الجنسي فقط، وأن الذين يحتفون بحالات ضرب النساء لأزواجهن، هو نوع من العنف المُجتمعي تجاه المرأة، وأن هذه الحالات حتى وإن كانت حقيقية، لا تُعبر بالضرورة عن عشرات الآلاف من حالات الخلع المنظورة أمام المحاكم.

وكشفت النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق لعام  2018، التي يُصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عن أن عدد إشهادات الطلاق بلغت 211 ألفًا و554 إشهادًا عام 2018، مقابل 198 ألفًا و269 إشهادًا عام 2017 بنسبة زيادة 6.7%، وأوضحت النشرة، ارتفاع عدد إشهادات الطلاق في الحضر ليبلغ 121714 إشهادًا عام 2018، وهو ما يُمثل 57.5% من جملة الإشهادات مقابل 108224 إشهادًا عام 2017.

ويُذكر أن أهم أسباب الطلاق ارتفاع معدلات العنف الأسري؛ إذ أكدت دراسة صادرة عن المركز القومي لحقوق المرأة، أن 1.5 مليون امرأة مصرية تتعرض للعنف الأسرى سنويًّا، وأن 70% من حالات الاعتداء على الزوجات سببها أزواجهن، وبينت الدراسة أن العديد من الزوجات يلجأن للخُلع متنازلات عن كل حقوقهن مقابل الهروب من دائرة العنف؛ إذ تستمر دعوى الطلاق إلى سنوات، بينما يستغرق الخلع شهورًا.

وفي تصريحات صحفية سابقة تقول نهاد أبو القمصان رئيسة المركز، إن هذه الإحصاءات مهمة، وتحتاج إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لإصلاح منظومة عدالة الأسرة، منها إصلاح محكمة الأسرة لتقليل مدد التقاضي، وأيضًا توسعة آليات حماية النساء من العنف المنزلي، والإسراع في سَنِّ قوانين تحقق العدل والمساواة بين جميع الأطراف الأب والأم، والأبناء.

العنف داخل المنزل استكمالًا لمسلسل العنف خارجه

«المرأة هي الحلقة الأضعف، تتعرض للتحرش في الشارع ولا يُغيثها أحد، وإذا حاولت أن تأخذ حقها تجد أن كل من حولها يقفون ضدها مُستنكرين ورُبما مُدافعين عن المُتحرش بقولهم «هو عملك إيه يعني؟!» أو يرون أنها هي المُخطئة لأنها ترتدي لباسًا لا يروق لهم، فقد ينتقدون المُنتقبة لأنها ترتدي نقابًا مُلونًا مما جعل أحدهم يتحرش بها.» هكذا تقول تغريد علاء، باحثة في علم الاجتماع، لـ«ساسة بوست».

وتردف تغريد: «لا يعطي المجتمع المرأة حق الاعتراض عندما يضربها زوجها، فهم يرون أن من حقه أن يُربيها ويؤدبها، وعندما تُبلِّغ فتاة أسرتها بأن زوجها يضربها يكون السؤال الأول «استفزيتيه في إيه عشان يضربك؟»، لذا فالطبيعي أن يرغب هذا المجتمع في سلب المرأة حق الخُلع ويستعين على ذلك بنشر موضوعات وعناوين صحفية أن النساء هنَّ من يضربن أزواجهن، لأن هذا سيُثير استنكار المجتمع ويستعديه على النساء طالبات الخلع، ومن ثم يؤهله لقبول أي تغيير مُحتمل في القانون».

المرأة

منذ سنة واحدة
للنساء فقط.. هل تخيّلت كيف تعيش النساء في قرى خاصة بهنّ فقط؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد