قبل عام من الآن، أخذ التحالف العربي، بقيادة المملكة العربية السعودية، قرارًا بشن عملية عسكرية أُطلق عليها عاصفة الحزم؛ لدعم «الشرعية اليمنية»، واستعادة السيطرة من جماعة الحوثي، وحلفائها من قوات الرئيس المخلوع «علي عبد الله صالح«.

العديد من الدول العربية التحقت بالتحالف الذي لاقى دعمًا دُوليًا. وقد شاركت معظم دول الخليج العربي في التحالف، بالإضافة إلى مصر والأردن والسودان والمغرب، حتى باكستان، قيل إنّها شاركت في العملية العسكرية، في نفس الوقت نأت دولٌ أخرى بنفسها عن خوض غمار ما اعتبره البعض رهانًا خطرًا، كسلطنة عُمان والعراق ولبنان والجزائر.

خلال العام الماضي، استثمرت العديد من الدول المشاركة، تواجدها ضمن التحالف، لتحقق لها مآرب أخرى، ضمن مصالحها المشتركة مع اليمن وغيرها، لكن في المقابل تأثر بعضها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، إثر الاستنزاف الكبير للعملية، وخوضها غمارها.

«ساسة بوست«، ترصد حصاد عام كامل من العملية العسكرية، على صعيد أبرز الدول المشاركة والمؤثرة، وما أفرزته حتى الآن، وطبيعة التأثيرات التي لحقت بها.

السعودية تؤسس عاصفة الحزم

كان إطلاق المملكة العربي السعودية للعملية، في26 مارس/آذار 2015، عبر غارات جوية شاملة، استهدفت معسكرات قوات الحرس الجمهوري الخاضع لسيطرة قوات صالح وحلفائه، من مليشيا الحوثي، في صنعاء، وبقية المحافظات.

استنزفت هذه العملية السعودية، بعد شنها العديد من الغارات الجوية والبرية داخل الأراضي اليمنية، وعلى الحدود المشتركة بينهما، حتى أنها سارعت إلى إعلان بدء ما أسمتها عملية «إعادة الأمل«، بطلب من الرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي».

عاصفة الحزم

زعماء دول مجلس التعاون الخليجي

 

كان الهدف من «إعادة الأمل»، البدء في استئناف العملية السياسية، والمبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني الشامل، واستمرار حماية المدنيين، ومكافحة «الإرهاب«، لكن كل هذه الجهود لم يكتب لها النجاح على أرض الواقع، فلا زالت البلاد تعيش حالة من الافلات السياسي والأمني.

ولابد من الإشارة إلى أن العملية، جاءت بعد شهرين من تسلم الملك «سليمان بن عبد العزيز»، حكم السعودية، والذي بدأه بمجموعة من القرارات المتعلقة ببنية المناصب الوظيفية في الدولة. وقد جاءت هذه القرارات في بيئة عربية، تشهد صعود أنماط جديدة من الجماعات المسلحة، وارتفاع ملحوظ لتهديدات الحوثيين.

بدأت السياسة الخارجية للملك الجديد، تتبلور أكثر حين قرر بدعم عربي ودولي، مواجهة إيران سياسيًا في اليمن والبحرين والعراق ولبنان، وتجنب مواجهتها طائفيًا، خاصة وأنّ الأخيرة تلعب على ورقة الطائفية؛ لبسط نفوذها في الدول العربية.

وبدا من خلال ذلك، أن السعودية انتقلت من سياسة التحالفات الإقليمية المرنة القائمة على التغير في هياكل التحالفات، إلى الاعتماد على التحالفات الوظيفية، التي تقوم على التوافق في قضية واحدة مع دول أخرى لتحقيق مصالح مشتركة، بغض النظر عن تنافر المصالح في قضايا ثانية.

لذلك، فإن السياسة الخارجية السعودية، لا تنظر للتحول الديمقراطي المتعثر حاليًا في بعض الدول العربية، التي شهدت تحولات طالت هيئة الحكم خلال الثورات العربية، على أنها تهدد أمنها، بل لأنها تريد التخلي نهائيًا عن لعب دور حائط السد أمام طموحات الشعوب العربية.

في المقابل، لا يمكن إخفاء حجم التأثيرات الاقتصادية على السعودية، نتيجة الاستنزاف داخل اليمن، بعدما تواترت العديد من التقارير المحلية والدولية، بوجود حملات تقشف سعودي، نتيجة حجم الإنفاق الحكومي الكبير للعملية، فضلًا عن تراجع أسعار النفط.

وكشفت
بعض التقارير المتداولة مؤخرًا، أن الاقتصاد السعودي مقبل على واحدة من أحلك فتراته، مع استمرار تراجع أسعار النفط منذ منتصف 2014، وهو ما يتوقع معه محللون اقتصاديون أن تسجل السعودية – أكبر مصدر للنفط في العالم – عجزًا قياسيًا في الموازنة، قد يتجاوز 120 مليار دولار في العام 2015.

وبالتالي، شملت السياسة التقشفية، تخفيض الدعم للمحروقات والكهرباء والماء، وبعض السلع الأساسية الأخرى، فضلًا عن إمكانية فرض ضرائب على الدخل والتحويلات الخارجية، بالنسبة للأجانب، وزيادة بعض الرسوم على تجديد الإقامات وغيرها.

الإمارات ومحاولات الركوب على عاصفة الحزم

أبرز ما كشفته عملية عاصفة الحزم، هو الخلاف بين الإمارات والسعودية، حول الدور المنوط بكل منهما في اليمن، وطبيعة الأهداف المنشودة. ويدور محور الخلاف بين الدولتين صاحبتي المُشاركة الأكبر في العملية العسكرية داخل اليمن، حول تخوف الإماراتيين من الخطط السعودية الحالية للعودة لعهد ما قبل «الانقلاب السياسي على الإخوان« في اليمن.

عاصفة الحزم

العاهل السعودي «يمين» وولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد «يسار»

 

من وجهة نظر إماراتية، هذا السيناريو يعني إعادة إحياء جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، ما قد يعني احتمالية إعادة الإحياء في دول أُخرى، وهو أمرٌ لا يروق كثيرًا للإمارات التي أنفقت المليارات في كل من مصر وتونس؛ لإبعاد الجماعة عن السلطة، في موجة يُفضل البعض تسميتها بـ«الثورات المضادة للربيع العربي».

على كل حال، يبدو أن لدى الإمارات العربية المُتحدة، أجندتها في الحرب اليمنية، ففي الوقت الذي تقاتل فيه حلفاء «علي عبدالله صالح»، بل قوّاته، تحتضن بين أراضيها نجله، أحمد، وأسرته. الأمر المُثير للريبة، والذي يُفضل البعض تفسيره برغبة الإمارات في الإمساك بكافة خيوط اللعبة.

ما سبق ـ إذن ـ يُوحي بأن الخلاف بين السعودية والإمارات، باقٍ، بخاصة وأن العملية العسكرية قد فتحت ملفات أخرى بينهما، كالصراع الإقليمي
الذي بدأتهُ الإمارات، والموقف من النظام المصري الحالي، إلى جانب التقارب الإيراني الإماراتي، وخشية السعودية من المنافسة.

مصر كقاتلٍ مأجور متقلب المزاج

شاركت مصر في العملية العسكرية ضد الحوثيين وقوات «علي عبد الله صالح» في اليمن، إذ حركت عددًا من القطع البحرية العسكرية من السويس باتجاه جنوب البحرالأحمر، في إجراء وصفته بالاحتياطي.

مع هذا، يبدو الموقف المصري مُتقلب المزاج، فمرة يُصرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بأنّ الجيش المصري لوطنه فقط، ومرة أُخرى يعلن أن أمن الخليج خطٌ أحمر، مع إشارات تمهد لتدخل بري وشيك في اليمن.

لكن العديد من المراقبين، يرون أن مصر استثمرت في العملية، وحصلت على مكاسب عدة، وفي المُقابل أيضًا، كانت مُشاركتها في العملية، ثقلًا اقتصاديًا إضافيًا على دولة يُحسب اقتصادها في عداد الاقتصادات المُنهارة.

عاصفة الحزم

محمد بن زايد «يمين» وعبد الفتاح السيسي «يسار»

 

أما عن المكاسب، فمن أبرزها تقديم قرابين الولاء إلى السعودية التي دعمت تحرك الجيش في الثالث من يوليو/تموز 2013، بما أوتيت من قوة. إعلان الولاء هذا، لم يكن مجانيًا بالطبع. من جهة أُخرى فتح النظام المصري خطوط تواصل غير مُباشرة مع إيران؛ مُقابل التحالف السعودي التركي في الفترة الأخيرة. وفي هذا الصدد، يُذكر أن النظام المصري، قد سمح لوفد من الحوثيين، زيارة القاهرة، قبل بدء عملية عاصفة الحزم.

من بين المكاسب أيضًا، التي حققتها مصر، تعزيز قواتها عند باب المندب، بإرسال أربع مُدمرات بحرية إلى خليج عدن، جنوبي اليمن.

أما الخسائر التي مُنيت بها مصر، هو إظهار النظام المصري بقيادة السيسي، في مظهر المأجور، فضلًا عن أن مشاركة مصر في ظل ظروفها الصعبة، تُعد مُخاطرة اقتصادية من جانب، ودبلوماسية من آخر؛ إذ إنها في طور إعادة تقييم، ثُم بناء علاقاتها الدولية من جديد، فضلًا عن أنها مُخاطرة عسكرية، في ظل التهديد الأمني الذي تُعانيه مصر في مواجهة تنظيم ولاية سيناء «بيت المقدس سابقًا».

سلطنة عُمان.. الوسيط المُحايد

لا بد من الإشارة إلى أن دخول معظم دول الخليج العربي في التحالف العسكري بقيادة السعودية ضد اليمن، جاء بعد ملامسة الخطر السياسي والأمني، وحتى العسكري لحدودها وأمنها، ما اضطرهم إلى المشاركة الفعالة في عاصفة الحزم.

لكن، ومن خلال الأزمات المتلاحقة في المنطقة العربية والإقليمية، عرف عن سلطنة عمان، أنها الدولة العربية الملتزمة بالحياد أمام الصراعات الجارية، إذ بات لها دورها الهام كوسيط لحل بعض النزاعات، كبرنامج إيران النووي، وما يجري في سوريا واليمن.

لذلك، فإن عُمان لديها سياسة ثابتة في عدم التدخل في شئون الغير، وعدم تدخل الآخرين في شئونها، وبالتالي تلتزم الحياد والصمت، فضلًا عن رغبة مجلس التعاون، في إبقاء عُمان بوابة تفتح على أطراف الصراع المُختلفة في اليمن، كما حدث مع الحرب العراقية الإيرانية، وكذلك في الغزو العراقي للكويت، وأيضًا غزو التحالف الدولي للعراق بعد ذلك.

يُذكر أيضًا من ضمن الأسباب، التي دفعت عُمان إلى عدم المشاركة في العملية، أن حدودها الجغرافية تتلامس مع اليمن في الجنوب، وهذا قد يسبب لها الإحراج في حالة المشاركة في العملية، بخاصة في ظل وجود عوامل القربى والتداخل الجغرافي، والمصالح الاقتصادية.

عاصفة الحزم

السلطان قابوس بن سعيد، خلال تهنئته العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز بتوليه الحكم

 

في النهاية، رغم أنّ مُجريات الأحداث تُشير إلى انتصار قريب لقوات التحالف العربي، لكن ذلك لا يعني إقصاء الحوثيين، الذي غالبًا ما سيبقون قوى مُسلحة، قد تُدمج في العملية السياسية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد