تجمع حشد كبير من المراسلين الصحافيين في قاعة المؤتمرات بجامعة ولاية ميشيجان بالولايات المتحدة الأمريكية في أحد أيام ربيع عام 1955، يترقبون ما سيقوله المسؤولون الإعلاميون الذين كانوا يتأهبون لزف أخبار سارة؛ فقد أظهرت إحدى التجارب الإكلينيكية التي أجريت على لقاح طال انتظاره لعلاج شلل الأطفال نتائج إيجابية وآمنة.

أحدث المراسلون يومها حالة من الهرج والمرج في القاعة؛ في سباقهم للإبلاغ العاجل عن هذا الإنجاز العلمي الكبير الذي كانت تنتظره البشرية. وما إن انتشر الخبر في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي مختلف أنحاء العالم؛ حتى راحت الكنائس تقرع أجراسها، وخرج الناس إلى الشوارع يتبادلون التهاني.

فما قصة هذا اللقاح؟ ولماذا ترقبته البشرية على أحر من الجمر؟ وما الذي يمكن أن تعلمه لنا دروس الماضي في معركتنا الحالية ضد جائحة كورونا؟

شلل الأطفال.. الفيروس المرعب يجتاح العالم

يعد شلل الأطفال من الفيروسات شديدة العدوى، التي أقلقت مضاجع البشرية لقرون. ومع أن الفيروس في الوقت الحالي، ينتشر في ثلاث دول فقط، هي: باكستان، وأفغانستان، ونيجيريا، بالإضافة إلى خطر عودة شلل الأطفال في بابوا غينيا الجديدة، فإن الوضع لم يكن هكذا في السابق؛ ففي القرن الماضي وحده، انتشر فيروس شلل الأطفال في الولايات المتحدة كالطاعون، وعانى منه البشر في شتى بقاع العالم.

Embed from Getty Images

يعود تاريخ شلل الأطفال إلى آلاف السنين؛ فقد عُثر على بعض المومياوات المصرية بأطراف مُشَوَّهة، ويُحتمل أن ذلك كان بسبب مرض شلل الأطفال. أما أول وصف سريري للمرض، فكان الطبيب البريطاني مايكل أندروود مَن قَدَّمه في عام 1789، حين اعترف العالم بأن شلل الأطفال مشكلةً ضارة.

واستغرق الأمر نحو 50 عامًا؛ لإجراء دراسة علمية مفصلة لسمات المرض، وعلاقته بالحبل الشوكي. وفي هذه الأثناء، نشر الطبيب الألماني جاكوب هاينه النتائج التي توصل إليها في عام 1840 بشأن شلل الأطفال، والتي عرَّف فيها شلل الأطفال بوصفه كيانًا مرضيًّا، ووصف الشلل النصفي التشنجي الخلقي، وفصل المرض عن أشكال الشلل الأخرى، ووصفه بالشلل النخاعي الطفولي.

كذلك، وصف التشوهات الأخرى، واشتبه في وجود عِلَّة في الحبل الشوكي. كان هذا أول تقرير طبي عن المرض، وأول اعتراف بأنه مرض رسمي. ولكن بعد أكثر من 50 عامًا من هذا الاكتشاف، شهدت الولايات المتحدة أول اندلاع لشلل الأطفال في ولاية فيرمونت في عام 1894، حيث أصيب 132 شخصًا بشلل الأطفال، توفي 18 شخصًا منهم، وعانى 58 آخرين من الشلل الدائم. وقبل ذلك، سجلت جزيرة سانت هيلينا البريطانية أول حالة وباء موثَّقة في عام 1834.

ولاحقًا، اجتاح الفيروس الخبيث سائر الولايات الأمريكية والعالم دون علاج أو تطعيم؛ ففي عام 1916، أصيب أكثر من 27 ألف شخص بالشلل، وتوفي ما لا يقل عن 6 آلاف آخرين في الولايات المتحدة بسبب شلل الأطفال.

وعلى مدى العقود التالية، انتشر الوباء في جميع أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا؛ ففي عام 1952 وحده، كان هناك 58 ألف حالة إصابة جديدة بشلل الأطفال، و3 آلاف حالة وفاة بسبب المرض في الولايات المتحدة. وكان المرض في البداية يضرب الأطفال بالأساس، متسببًا في وفاة أكثر من 25% من المصابين، وتاركًا آلافًا آخرين يعانون من الشلل الدائم، فضلًا عن آخرين باتت حياتهم رهينة التنفس الصناعي.

ألغاز المرض تتكشف وإجراءات التباعد الاجتماعي تُطبق

عرف العلماء أن سبب مرض شلل الأطفال فيروسي، لكنهم كانوا يجهلون سبب انتشاره. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، علم الباحثون أن الفيروس ينتشر نتيجة استهلاك الأطعمة أو المياه الملوثة بالبراز، وتوصلوا أيضًا إلى أن الأفراد المصابين يطرحون الفيروس في البراز لعدة أسابيع، سواء ظهرت عليهم أعراض المرض أم لا، وأن الأشخاص المصابين بدون أعراض، ما يزالون قادرين على إصابة غيرهم بالمرض. وتتمثل الطريقة الوحيدة للحفاظ على السلامة في الوقاية، وتجنب انتقال العدوى.

علوم

منذ 11 شهر
ليست شريرة دائمًا.. كيف ساعدت البكتيريا والفيروسات البشر؟

وعلى غرار ما يجري اليوم في مواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد، أُغلقت في خضم المعركة ضد شلل الأطفال المسارح، ودور السينما، والمسابح، وحدائق الألعاب، والمخيمات الصيفية في المدن، التي قررت أيضًا إلغاء المناسبات، والمهرجانات، والفعاليات الأخرى، وظل الأطفال برفقة آبائهم الذين خافوا عليهم من الإصابة.

وفي عام 1935، حاول العالمان الإنجليزي موريس برودي، والأمريكي جون كولمر إنتاج لقاح لمواجهة المرض، إلا أن التجارب انتهت بنتائج كارثية. ونتيجةً لذلك؛ لم تُعلق كثير من الآمال على إيجاد لقاح فعال، حتى ظهر الطبيب والباحث الأمريكي جوناس سالك في الصورة، وخطف الأضواء بعد أن قدم لقاحه ضد شلل الأطفال في عام 1953.

درس سالك الفيروسات عندما كان طالبًا في جامعة نيويورك في ثلاثينيات القرن الماضي، وساعد في تطوير لقاحات ضد الإنفلونزا خلال الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1948، حصل على منحة بحثية من مؤسسة الرئيس فرانكلين روزفلت الوطنية لشلل الأطفال، والتي سُميت فيما بعد بـ «مارش دايمز».

أصيب روزفلت، الرئيس 32 للولايات المتحدة الأمريكية، بشلل الأطفال في عام 1921 بينما كان يبلغ من العمر 39 عامًا، وتركه المرض بساقين مشلولتين شللًا دائمًا. وفي عام 1938، ساعد روزفلت في إنشاء المؤسسة الوطنية لشلل الأطفال؛ لجمع الأموال وتقديم المساعدات للمناطق التي تعاني من تفشي شلل الأطفال. وذلك عن طريق تشجيع مستمعي الراديو؛ لإرسال 10 سنتات إلى البيت الأبيض.

وقد ساعدت الحملة في دعم وتمويل عمل العالمين جوناس سالك، الذي طور لقاحًا لشلل الأطفال في الخمسينيات، وألبرت سابين، الذي أنتج فيما بعد لقاحًا فمويًا لشلل الأطفال. وكرست الجمعية جهودها لاحقًا في الوقاية من أمراض الطفولة، والتشوهات الخلقية، والولادات المبكرة، والحد من وفيات الرضع.

رحلة البحث عن اللقاح

استفاد سالك من تجارب من سبقوه من العلماء وجهودهم، واستكمل عمله بناء على آخر ما توصلوا إليه. وفي عام 1953، بدأ باختبار لقاح شلل الأطفال المُعطل (IPV) على عدد صغير من مرضى شلل الأطفال السابقين في منطقة بيتسبرج، وعلى زوجته، وأبنائهم الثلاثة. وقد كانت النتائج الأولية واعدة، وأعلن نجاحه على شبكة الإذاعة الوطنية في 25 مارس (آذار) عام 1953؛ وأصبح من المشاهير على الفور.

Embed from Getty Images

جوناس سالك

كان لقاح سالك غير معتاد؛ لأنه بدلًا من استخدام نسخة ضعيفة من الفيروس الحي، مثلما استُخدِم سابقًا للنكاف والحصبة، استخدم سالك في لقاحه نسخة ميتة أو غير نشطة من الفيروس. وعندما يُحقن فيروس شلل الأطفال المُعطل في مجرى الدم، فإنه لا يمكن أن يسبب عدوى؛ لأن الفيروس غير نشط. لكن الجهاز المناعي لا يستطيع التمييز بين الفيروس النشط والفيروس المعطل، ويخلق أجسامًا مضادة لمحاربة الفيروس، والتي تظل موجودة وتحمي الشخص من عدوى الفيروس في المستقبل.

وبينما كان سالك يطور لقاحه، كان خصمه المهني، الدكتور ألبرت سابين، عالم الفيروسات بجامعة سينسيناتي، يعمل على لقاح مصنوع من فيروس نشط لكنه ضعيف. كان سابين معارضًا لتصميم لقاح سالك، واعتبر أن لقاح الفيروس المعطل خطير. وبحلول عام 1963، ابتكر سابين لقاحًا فمويًّا من الفيروسات الحية لجميع الأنواع الثلاث من فيروس شلل الأطفال، والذي وافقت عليه حكومة الولايات المتحدة.

وكان إصدار سابين أرخص وأسهل في الإنتاج من لقاح سالك، وسرعان ما حل محله في الولايات المتحدة. وفي عام 1972، تبرع سابين بسلالات لقاحه لمنظمة الصحة العالمية، مما زاد من توفر اللقاح في البلاد ذات الدخل المنخفض.

كان لقاح سابين الفموي حاسمًا في المساعدة على تقليل عدد حالات شلل الأطفال على مستوى العالم، ولكنه على عكس لقاح سالك – الذي لا يحمل خطر الإصابة بالشلل – يحمل لقاح سابين خطرًا ضئيلًا للغاية للتسبب في الشلل. وتقدر منظمة الصحة العالمية حاليًا أن حوالي واحد من 2.7 مليون جرعة من لقاح شلل الأطفال الفموي تؤدي إلى الإصابة بشلل الأطفال.

نجاحات وإخفاقات في توزيع اللقاحات

في الفترة بين عامي 1955 و1957، انخفض معدل الإصابة بشلل الأطفال في الولايات المتحدة بنحو 90%. ورغم النجاح المذهل للقاح سالك في التطعيم ضد شلل الأطفال، فإن الطريق لم يكن ورديًّا. في عام 1955، ظهرت تقارير حول إصابة بعض الأطفال بالشلل بعد تلقيهم اللقاح. وتبين أن السبب كان تلقيهم دفعات من اللقاح أنتجتها شركة «معامل كاتر (Cutter Laboratories)». وكانت تلك الدفعات تحتوي على سلالات حية ونشطة من فيروس شلل الأطفال.

نتيجة لذلك، طلبت المعاهد الصحية الوطنية من كافة المُصنعين تعليق الإنتاج، إلى حين التأكد من مطابقته لشروط السلامة الجديدة. وأُوقِف تطعيم الأطفال باللقاح؛ حتى يمكن التحقيق مع جميع الشركات المُصنعة، والتحقق من سلامتها.

وذلك بعد أن تسببت لقاحات معامل «كاتر» غير الفعالة في أكثر من 250 حالة إصابة بشلل الأطفال، ووفاة 11 شخصًا. في ذلك الوقت، كان هناك القليل من اللوائح الحكومية التي تُنظم عمل مُصنعي اللقاحات، ولكن سرعان ما تغير ذلك بعد ما بات يُعرف الآن بـ«حادثة كاتر». ومنذ ذلك الحين، لم تُنسب أي حالة شلل أطفال واحدة إلى لقاح سالك.

أُعيد إطلاق برنامج التطعيم من جديد إلا أنه اصطدم بمزيد من العراقيل والصعوبات؛ فبعد أن انخفض مخزون اللقاحات انتشرت إشاعات عن ترويجه في السوق السوداء، وفرض بعض الأطباء الانتهازيين رسومًا ضخمة على المرضى. وسرت شائعة أيضًا عن تخطيط أحد مصنعي اللقاحات لتطعيم أطفال موظفيه أولًا، وإرساله رسائل إلى المساهمين يعدهم بأن أطفالهم وأحفادهم ستكون لهم الأولوية في التطعيم.

Embed from Getty Images

أدى ذلك إلى مطالبة الحكومة الفيدرالية في واشنطن بضرورة وضع آلية، تضمن توزيع اللقاح توزيعًا عادلًا. وعُرِض على مجلس الشيوخ مشروع قانون ينص على تطعيم الأطفال ضد الشلل مجانًا. وعُرض أيضًا على مجلس النواب مشروع قرار ينص على مجانية تطعيم الأطفال من الفئات الاجتماعية الفقيرة. وبعد نقاشات حادة، صدر قانون برنامج التطعيم ضد شلل الأطفال، الذي منح الولايات حرية اتخاذ القرار الذي يناسبها بشأن مجانية التطعيم.

شهدت الشهور الأولى القليلة بعد صدور القانون تراجعًا كبيرًا في معدلات الإصابة بشلل الأطفال. لكن في عام 1958، ظهرت إصابات كثيرة بين الأطفال الذين لم يشملهم التطعيم. وكثرت الإصابات من جديد في المناطق الحضرية في المدن، وخاصة بين الفئات الاجتماعية من الملونين الفقراء، الذين لم يحصلوا على الرعاية الصحية اللازمة.

وبعد ترخيص الحكومة الفيدرالية الأمريكية للقاح شلل الأطفال الفموي، الذي طوره ألبرت سابين؛ انخفضت معدلات الإصابة بشلل الأطفال بأكثر من 90%. وفي عام 1979 سجلت آخر حالة إصابة بشلل الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية.

ما الذي يمكن تعلمه من هذه التجربة في معركتنا ضد فيروس كورونا؟

بعد فترة وجيزة من استخدام لقاحات سالك وسابين، استطاعت الدول الصناعية السيطرة على شلل الأطفال، وإزالته من قائمة مشكلات الصحة العامة لديها. وبعد إدخال التطعيم الروتيني في جميع أنحاء العالم، جزءًا من برامج التحصين الوطنية، ساعد ذلك في مكافحة المرض في عديد من البلدان النامية.

نتيجة لذلك، أعلنت كثير من البلدان خلوها من شلل الأطفال، من بينها مصر التي انضمت لقائمة تلك الدول عام 2006، بإعلان منظمة الصحة العالمية واليونيسف أن مصر خالية من شلل الأطفال بعد آخر حالة جرى اكتشافها عام 2004.

استمرت المعركة ضد فيروس شلل الأطفال قرنًا من الزمن، وتطلبت التزامًا صارمًا بالتطعيم المستدام، الالتزام الذي قد يضعف في ظل اهتمام العالم اليوم بالمعركة ضد تفشي جائحة فيروس كورونا. ولكن ما الذي يمكننا تعلمه من تلك التجربة؟ في البداية علينا الاعتراف بوجود عدة فوارق رئيسية بين المعركة الحالية ضد جائحة كورونا، والمعركة ضد شلل الأطفال؛ فالقدرات العالمية في مجال بحوث تطوير اللقاحات، وصناعة الأدوية، تفوق ما كانت عليه في خمسينيات القرن الماضي.

كذلك، فإن بروتوكولات ترخيص وتصنيع الأدوية والعقاقير أكثر تطورًا وفاعلية، مما كانت عليه في السابق. لذا؛ نرى اليوم أنه بعد مرور أشهر معدودة على تفشي جائحة كورونا، يجري تطوير اللقاحات المضادة لهذا الفيروس، أكثر مما كان عليه الأمر في مكافحة شلل الأطفال.

وقد ظهرت بعض اللقاحات المضادة له بالفعل، وحصل بعضها على ترخيص استخدام الطوارئ من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. وبدأت عديد من الدول حملات التطعيم لسكانها، بما فيها الكويت، والسعودية، والإمارات، وسلطنة عمان، فضلًا عن بعض الدول الأوروبية.

مع ذلك، ظهرت بعض الإصابات لأفراد بعض تلقيهم أحد اللقاحات. وظهرت أيضًا تحذيرات من الإنتربول حول وجود عصابات تبيع لقاحات كورونا مزورة أو مسروقة. الأمر الذي يذكرنا بما حدث من قبل في المعركة ضد شلل الأطفال.

على جانب آخر، تبذل عديد من الشركات المتخصصة في التقنية البيولوجية، والمختبرات الجامعية، وشركات صناعة الأدوية العملاقة قصارى جهدها للوصول إلى لقاح فعال ضد فيروس كورونا المستجد. ويوجد مجموعة قوية من اللقاحات المحتملة قيد التطوير، والتي وصل بعضها بالفعل إلى تجارب سريرية كبيرة (المرحلة الثالثة)، بناءً على بيانات مبكرة واعدة. وتقول منظمة الصحة العالمية إنها متفائلة بحذر، بشأن تطوير لقاحات آمنة وفعالة ضد فيروس كورونا المستجد.

وإذا ما تحقق هذا، فإننا بلا شك سنواجه التحديات نفسها التي اعترضناها من قبل، وفي مقدمتها إنتاج ما يكفي من الأمصال لجميع البشر، وتوزيعها توزيعًا عادلًا دون التسبب في مزيد من الخسائر نتيجة التفاوت الاجتماعي. علاوة على عدم التعجل في اعتماد اللقاحات واستخدامها على نطاق واسع، قبل التأكد من سلامتها.

وفي الوقت الحالي، توصي منظمة الصحة العالمية بعدم الاعتماد على اللقاحات وحدها في محاربة هذا الوباء، بل يجب أن نستخدم جميع الأدوات المتوفرة لدينا بالفعل، مثل إجراء الاختبارات للكشف عن الإصابات، والتباعد الجسدي، واستخدام الأقنعة والمطهرات.

علوم

منذ 7 شهور
تعرف إلى المرض الفيروسي الوحيد الذي تمكنت البشرية من القضاء عليه

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد