قصة الشركة المصرية التي أغلق «فيسبوك» صفحاتها 

يوم الخميس الماضي استيقظ ضابط الجيش السابق، عمرو حسين، ليكتشف أن إمبراطوريته الإعلامية التي قام بتأسيسها منذ عام 2013 على شبكة الإنترنت قد انهارت تمامًا؛ فقد أصدرت شركة «فيسبوك» بيانًا إعلاميًا قالت فيه إن العديد من صفحات عمرو حسين على الإنترنت قد تم إغلاقها. فإمبراطوريته الإعلامية كانت جزءًا من شبكتين منفصلتين، إحداهما تعمل من الإمارات ومصر، والأخرى تعمل من السعودية، وتقوم بنشر الأخبار الكاذبة -بحسب بيان «فيسبوك»- بهدف ترويج لأجندات سياسية بعينها في دول المنطقة العربية، والتي من أهمها مصر، وقطر، والسعودية، والإمارات، والمغرب، والبحرين، وفلسطين، ولبنان، والأردن.

بوادر انهيار إمبراطورية عمرو حسين الإعلامية كانت قد بدأت منذ شهور؛ حين أوقف نظام «فيسبوك» الأتوماتيكي العديد من صفحاتها وحساباتها، ربما لم يهتم عمرو آنذاك بالأمر، واعتبر أنه أمر اعتيادي أو عطل فنّي تواجهه العديد من صفحات «فيسبوك» بين الحين والآخر، لكن بيان «فيسبوك» الأخير، قضى على كل شكوكه، ليتأكد أنه وإمبراطوريته الإعلامية لن يعودا للمشهد مجددًا، فى المستقبل القريب على الأقل.

مترجم: كيف تنتشر الشائعات على «فيسبوك»؟ يبدو أن كبار السن لهم علاقة بالأمر

بيان «فيسبوك» وشبكتا اللّجان الإلكترونية

ذكر بيان «فيسبوك» أن هناك شبكتين منفصلتين قد أُسقِطا، شبكة تدار من السعودية، وشبكة أخرى تدار من الإمارات ومصر. وأن الشبكتين تعملان عبر العديد من الصفحات والمجموعات (groups)، للترويج لأجندات سياسية بعينها. إذ تروّج تلك الصفحات أخبارًا زائفة عن انتصارات السعودية في اليمن، كذلك تقوم بنشر دعاية ترويجية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بالإضافة إلى منشورات داعمة للمجلس العسكرى السوداني، وكذلك للعقيد الليبي خليفة حفتر، وغيرها من البلاد المستهدفة.

بيانات الشركة التي تحصل عليها موقع «ساسة بوست»

استهدفت الشبكتان التأثير على الرأي العام في مصر والإمارات وغيرها من الدول عبر شبكة إعلامية تتكون من 259 حساب على «فيسبوك» و102 صفحة وخمس مجموعات، وأربعة أحداث (events) وكذلك 17 حسابًا على موقع تشارك الصور «إنستجرام». صرفت الشبكتان قرابة 167 ألف دولار أمريكي على الدعاية لصفحاتها، وبحسب بيان «فيسبوك» فإن هناك ما يزيد عن 13 مليون متابع من مختلف دول العالم العربي يتابعون على الأقل صفحة واحدة من صفحات هذه الإمبراطورية الإعلامية.

بيان «فيسبوك» جاء ليؤكد أخيرًا وبشكل رسمي وقاطع ضلوع الحكومة السعودية في توظيف لجان إلكترونية، أو ما يعرف باسم «الذباب الإلكتروني» للترويج لسياستها في مختلف بلاد الوطن العربي. لكن على الرغم من أن «فيسبوك» قال بشكل حاسم إن العمليات المدارة من السعودية كانت على صلّة بموظفين كبار في الحكومة السعودية، إلا أنه لم يفصح عن أي صلة تربط حكومتيّ الإمارات ومصر بشبكة اللجان الإلكترونية التي أوقفها «فيسبوك»، والتي كانت تعمل من هاتين الدولتين.

لكن بيان «فيسبوك» قام بتسميّة شركتين إحداهما مصرية والأخرى إماراتية، ويحملان اسمين متشابهين؛ الشركة الإماراتية تسمى «نيو ويف (New Wave)»  بينما تسمى الشركة المصرية «نيو وايفز (New Waves)».

«نيو وايفز» المصرية و«نيو ويف» الإماراتية

عقب بيان «فيسبوك» قامت كلتا الشركتين بإخفاء كل أثر محتمل لهما على الإنترنت، إذ قامت شركة «نيو وايف» الإماراتية بإيقاف موقعها الإلكتروني، وحذف كل حسابات مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بها. «ساسة بوست» توصل إلى نسخة مؤرشفة من موقع الشركة الإماراتية، لكن لم يجد على موقعهم أكثر من معلومات عامة عن أنشطة الشركة والتي تشمل الدعاية وخدمات العلاقات العامة (PR) دون ربط الشركة بأي معلومة ذات أهمية سوى عنوان الشركة.

قام «ساسة بوست» بمحاولة معرفة بيانات صاحب النطاق (الدومين) الخاص بالشركة، عبر خدمات «Whois» فلم يتوصل سوى لاسم يبدو مزيفًا يدعى «Jhon Andy».

بيانات الشركة المصرية على «فيسبوك»

أما الشركة المصرية فقد كانت أقل قدرة على مسح آثارها من  الإنترنت؛ نظرًا لأنها لم تكن بقدر الحذر الذي اتخذته الشركة الإماراتية في نشر معلوماتها على الإنترنت. فبيانات تسجيل الموقع الخاص بها متاحة للجميع في سجلات «Whois»، وتحمل اسم مدير الشركة المصري عمرو حسين. توصل «ساسة بوست» أيضًا إلى صفحة «فيسبوك» الخاصة بالشركة، والتي حذفت الآن، ليكتشف أنها شركة مصرية تعمل في مجال السوشيال ميديا تحت إدارة عمرو حسين ومنار تاج الدين.

قامت الشركة بحذف موقعها الإلكتروني والذي كان موجود على نطاق «newwaves.onli»، ولكن يبدو أن الشركة قد نسيت حذف نطاق آخر، وهو «newwaves.club» والذي ظل متاحًا حتى ساعات بعد بيان «فيسبوك» ما أتاح لـ«ساسة بوست» أخذ نسخة من الموقع واستكشافه.

بحسب موقع الشركة؛ تضم قاعدة عملائها فنانين مصريين، مثل: الفنان شعبان عبد الرحيم، وكذلك شركات ضخمة مثل موقع «أوليكس مصر (OLX)»، ولكن قد يكون أهم عملاء الشركة على الإطلاق، شركة «إيجل إيجبت (Eagle Egypt)» وهي شركة حراسات خاصة حملت الكثير من الأسماء عبر السنين، وهي الشركة التي كانت مسؤولة عن تأمين مباريات كأس الأمم الأفريقية الأخيرة والتي نظمتها مصر.

عملاء الشركة

بالبحث، لم يتضح وجود معلومات كثيرة متاحة حول شركة «إيجل إيجبت» غير عنوانها في الزمالك، وأنها اندمجت مع عدة شركات أخرى مثل «إس إم إس إيجيبت (SMS Egypt)» و«فوريسيز سيكيورتي» وأصبحت من أكبر شركات الحراسات الخاصة في مصر. فهي الشركة المسؤولة عن تأمين معظم السفارات الأوروبية والأجنبية في مصر. ويدير بعض هذه الشركات ضباط جيش وشرطة على المعاش.

عمرو حسين.. ضابط جيش مصري سابقًا ومدير لجان إليكترونية حاليًا

يعمل عمرو حسين بين الإمارات ومصر، استضافته العديد من القنوات الفضائية المصرية، يقدم نفسه مرة على أنه مدير للموارد البشرية (HR)، ومرة أخرى على أنه مستشار سوشيال ميديا، ويظهر أحيانًا أخرى على أنه أدمن لصفحات «فيسبوك»، مثل صفحة «يوميات موظف مطحون» و«آزومل» وغيرها من الصفحات التي تكون إمبراطوريته.

تكشف صفحة وكالة «نيو وايفز» والتي حذفها «فيسبوك» أن إدارة الصفحة تتكون من مدير الشركة عمرو حسين، وزوجة ابنه منار تاج الدين، التي تعمل أيضًا موظفة موارد بشرية (HR) في «البوابة نيوز»، الموقع الصحافي المصرى الذي يرأس تحريره عبد الرحيم علي، الإعلامي المقرّب من الأجهزة الأمنية المصرية والذي اشتهر بإذاعة مكالمات خاصة للنشطاء السياسيين المعارضين.

لكن صلة وكالة عمرو حسين بجريدة «البوابة» أكبر من ذلك؛ إذ ينشر عمرو حسين مقالات رأي علي موقع جريدة «البوابة» بانتظام منذ عام 2015، وتشمل آراء مؤيدة للدولة وناقدة لأداء مجلس الشعب او الوزارات أحيانًا؛ لكنها في النهاية تتماهى مع خطابات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. فهو تارة يطالب بتحديد النسل، وتارة أخرى يطلب من المصريين في الخارج تكوين لوبيهات للدفاع عن سمعة مصر في الخارج، خاصة في ظل المؤامرات الدولية التي تحاك حول الأمر.

في المقابل عملت جريدة «البوابة» على نشر ما يمكن تسميته بالدعاية لصفحاته، فنشرت مرة خبرًا كاملًا مكوّنًا من «كوميكس» نشرت بواسطة صفحة «يوميات موظف مطحون» والتي تمثّل إحدى أكبر صفحاته. كذلك استضافت جريدة «البوابة» عمرو حسين عدة مرات ليقوم بتصوير فيديوهات في مقر الجريدة وأمام لافتة تحمل اسمها، مبديًا رأيه باعتباره خبير موارد بشرية في موضوعات عدّة مثل قانون الخدمة المدنية. وظهر مرة أخرى ليرد على رسائل قراء الجريدة في باب «ريّح قلبك» الخاص برسائل القراء.

حملة تلميع أم حملة إعلانات مدفوعة؟

لا يوجد ما يفسر ظهور عمرو حسين المتكرر على كل القنوات المصرية، فلا يقتصر ظهور عمرو حسين على الإنترنت وحسب، ولكننا نجد أن لعمرو حسين على الأقل ظهور واحد في كل فضائية مصرية، فمثلًا قامت «قناة الغد» – وهي قناة عربية تبث من القاهرة برأس مال إماراتي وعمل رئيسًا لتحريرها، رئيس قطاع الأخبار في التلفزيون المصرى فى عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، عبد اللطيف المناوى- بعمل تقرير فيديو ظهر فيه عمرو حسين وهو يروّج لإحدى صفحاته.

عمرو حسين في استضافة البوابة نيوز

بينما ظهر مرة أخرى مع الإعلامي المصري معتز الدمرداش على «قناة النهار» مطالبًا بانشاء نقابة للعاملين بالسوشيال ميديا، وتحدث على «قناة النيل لايف» عن صفحته «يوميات موظف مطحون»، بينما ظهر فى لقاء مع «راديو معاك» باعتباره مؤسسًا لصفحة «يوميات زوج مطحون»، وكذلك ظهر على قناة «إل تي سي (LTC)» الفضائية والمملوكة للمخابرات العامة المصرية ناصحًا الشباب الراغبين في البحث عن عمل.

الدولة المصرية تتبرأ من عمرو حسين

ظهر عمرو حسين متحدثًا لقناة «اتفرج» الإلكترونية، ومفتخرًا بإمبراطوريته الإعلامية التي يصل عدد متابعيها إلى الملايين، فيتحدث عن صفحة «أزومل» أولًا ثم يتحدث بدون مقدمات عن شرف انتمائه للجيش المصري الذي تركه لأسباب مجهولة وهو صغير السن في السادسة والعشرين، لكنه لا ينس أبدًا أن يفتخر بهذا الانتماء، ويقول «حاليًا أنا بكمل نفس المسار بس كمدني».

ظهر أيضًأ على «القناة الثالثة المصرية» محتفيًا بكلمات رئيس الجمهورية حول مكافحة الشائعات على السوشيال ميديا ومبادرًا بإطلاق حملة لمحاربة الشائعات على السوشيال ميديا، وظهر أيضًا على «قناة النيل الثقافية» مكافحًا للشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي.

إعلان راديو معاك عن استضافة عمرو حسين

وكذلك يبدو أن عمرو حسين وشركته قد شاركا أيضًا في حملة تنشيط السياحة المصرية الرسمية والمعروفة بـ«This is Egypt» فقد وضع إحدى إعلانات الحملة على موقع شركته.

غير أن السلطات المصرية خرجت تتبرأ من عمرو حسين ولجانه سريعًا بعد بيان «فيسبوك»، فقد نشر «موقع القاهرة 24» والمقرّب من السلطات الأمنية في مصر تصريحات لمصدر أمني، أكّد أن عمرو حسين (ذكر مقال القاهرة 24 الحروف الأولى فقط) يقود الكتائب الإلكترونية بتمويل من شخصيات سياسية مشبوهة، وكشف المصدر عن أنه متهم بالتحرش الجنسي، وأنه قد يكون على علاقة بأحد الأجهزة الأمنية المصرية، لكن يصعب التأكد من الأمر، وقفز الموقع لاستنتاج أن الدولة المصرية على عكس السعودية ليس لها علاقة بالشبكة التي أسقطها «فيسبوك».

حاول موقع «ساسة بوست» التواصل مع عمرو حسين للتعليق عبر رقمين للهاتف المحمول حصل عليهما، وكذلك قام بالتواصل عبر تطبيقات «واتس آب» و«تيليجرام» وكذلك عبر البريد الإلكتروني، غير أن عمرو حسين لم يرد، وقامت منار تاج الدين بإغلاق حسابين لها على «فيسبوك» بعد أن قام «ساسة بوست» بالتواصل معها للتعليق على ما توصل إليه.

مترجم: التحقيق في صفقات بيع البيانات التي أبرمتها فيسبوك.. وشركات كبرى متورطة

البوابة نيوزالذباب الإلكترونيالسيسيفيسبوكلجان إلكترونيةمصر

المصادر