هل تبحث عن الهجرة أو الانتقال للعيش في مدينة هادئة لها طابع تاريخي؟ إن كانت إجابتك (نعم)، فلدينا لك اقتراح مهم؛ ما رأيك بمدينة نوردلينجن (Nördlingen) الألمانية؟ وقبل أن نفسر لك الاقتراح دعنا نخبرك عن معلومة قد تظنها غريبة، لكنها ذات صلة. في الوقت الحالي يتراوح سعر القيراط الواحد من الألماس (0.2 جرام) ما بين 1600 و16 ألف دولار أمريكي طبقًا لموقع دايموندز الشهير (Diamonds.pro).

في حالة أن سعر الألماس أزعجك لدينا لك معلومة أخرى: مدينة نوردلينجن الألمانية التي رشحناها لك في بداية المقالة تحتوي على 72 ألف طن من الماس، موزعين في كل مكان بالمدينة: في الأسوار القديمة، وفي الأبنية التاريخية، وفي التربة، وفي كل المنطقة الجبلية المحيطة بالمدينة.

ما رأيك؟ هل أصبحت تفكر في الانتقال والعيش في نوردلينجن؟ حسنًا دعنا نخبرك أكثر عن قصة المدينة المُثيرة.

من أين أتى كل هذا الماس؟

منذ حوالي 15 مليون سنة تقريبًا سقط نيزك عملاق في إحدى الأراضي التي تُعتبر ضمن حدود الدولة الألمانية في الوقت الحالي، النيزك الذي قُدر عرضه بحوالي كيلو متر مربع سقط بسرعة 25 كيلو مترًا في الثانية، وعند اصطدامه بالقشرة الأرضية كون فوهة واسعة مساحتها حوالي 26 كيلو مترًا، وهي الفوهة التي بنُيت فيها مدينة نوردلينجن الألمانية منذ حوالي 1113 عام.

تصوير هوائي للمدينة يبن بنائها المميز في قلب فوهة النيزك:

سقوط النيزك بهذا الحجم واصطدامه بالأرض بهذه السرعة والكيفية نتج عنه ارتفاع درجة الحرارة ونسبة الضغط في المنطقة الذي سقط فيها؛ مما أدى إلى تحول كافة جزيئات عنصر الكربون في كل من النيزك والمحيط الأرضي الذي سقط فيه إلى جزيئات صغيرة جدًا من الماس، حجم كل منها حوالي 2 ميكرو مليجرام، ولكن مجموعها يقدر بنحو 72 ألف طن في كافة أرجاء المدينة.

سقوط النيزك أيضًا أدى إلى تكوين نوع مميز من الأحجار، أطلق عليه العلماء اسم «سوفيت (suevite)» وهو مصطلح في اللغة اللاتينية يعني «ضئيل». وسمي بهذا الاسم لضآللة حجم جزيئات الماس المكونة للحجر، بالإضافة إلى جزيئات الجرانيت، والسيليكا، والكالسيوم.

جدير بالذكر أن حجر السوفيت ليس من الأحجار المنتشرة في الطبيعية؛ ولا يوجد إلا في الفوهات التي تكونت نتيجة عن اصطدام أحد النيازك بالقشرة الأرضية.

لكن المعلومة الأهم عن حجر السوفيت هي أنه كان ولم يزل الحجر الأساسي في كل الأبنية القديمة والتاريخية في المدينة الألمانية؛ مما يجعلها مميزة ولا مثيل لها في أي مدينة من مدن العالم التي ما زالت تحتفظ بشكلها وبطابعها التاريخي حتى هذه اللحظة.

Embed from Getty Images

صورة مجهرية لمكونات حجر السوفيت

استخدام السوفيت في بناء المدينة لم يكن عن قصد كنوع من الرفاهية والتميز؛ بل كان لوجوده بوفرة في محيط المنطقة، ولعدم وفرة الأبحاث الجيولوجية التي يمكن أن تعرف الماس من الأحجار الأخرى في هذه الحقبة التاريخية. ومن الصعب افتراض أن المؤسسين والسكان القدامى الذين بنوا المدينة كانوا على علم بحقيقة الكنز.

حتى أن علماء الجيولوجيا على مر التاريخ كانوا يعتقدون أن فوهة النيزك فوهة ناتجة عن خمود أحد البراكين؛ حتى تغير الأمر في ستينات القرن الماضي عندما توصل العلماء إلى حقيقة سقوط النيزك، ونفت الأبحاث إمكانية أن تكون الفوهة ناتجة عن خمود أحد البراكين العملاقة نتيجة لتغير عوامل التعرية التي تُحدث تعديلات في المكونات الجيولوجية في الطبيعة.

وإضافة إلى ما سبق فإن حقيقة كنز الألماس في المدينة لم يتعرف عليه العلماء إلا في مطلع السبعينات من القرن العشرين.

نوردلينجن.. مدينة ألمانية لكن أغلب من تراهم فيها من اليابان!

يزور المدينة ملايين السياح كل عام، ولكن تبقى النسبة الأكبر من زوار المدينة من اليابانيين؛ وذلك بفضل القصص المصورة اليابانية الشهيرة التي تعرف باسم «سلسلة مانجا (Manga Series)»، والتي تحول أحد أجزائها إلى مسلسلات رسوم متحركة، كان من ضمنها مسلسل يحكي عن مدينة مُحاطة بسور دائري، وبها برج في المنتصف يحاول الوحوش مهاجمته كل ليلة، لكن فرسان المدينة ينجحون في حمايتها.

القائمون على هذا المسلسل استوحوا شكل المدينة من التصميم المميز لمدينة نوردلينجن، التي بالفعل يحيطها سور دائري بني في العصر الروماني لحمايتها، وبها برج في المنتصف كان يراقب منه حراس المدينة حدودها، وكانت تحتوي على منارة المدينة، ولم يزل البرج موجودًا حتى الآن، ويعتبر من أهم المعالم السياحية في المدينة.

الفن الياباني لم يكن وحده الذي تحدث عن المدينة، بل زينت نوردلينجن الجزء الأول من سلسلة الأفلام الشهيرة: «مصنع الشوكولاتة (The Chocolate Factory)» والذي أنتج في سبعينات القرن الماضي بعنوان «ويلي ونكا ومصنع الشوكولاتة (Willy Wonka and the Chocolate Factory)» والذي جرى تصويره بالفعل في نوردلينجن، وفي المشهد الختامي للفيلم في الفيديو التالي يمكنك أن تشاهد المدينة بوضوح.

لماذا لم تستخرج الحكومة أو حتى سكان المدينة الألماس حتى الآن؟

عندما فكرنا في البحث عن أسعار المنازل والعقارات بشكل عام في نوردلينجن؛ اعتقدنا في بداية الأمر أننا سوف نجدها باهظة الثمن، لا سيما أن العقارات القديمة جميعها بُيت بحجارة السوفيت التي تحتوي على الماس، ولكن المفاجأة أنها رخيصة جدًا مقارنة بالكثير من المدن الألمانية الأخرى.

فعلى سبيل المثال وجدنا هذا الإعلان الذي يعلن عن قصر بُني في القرن الثالث عشر سعره مليون و600 ألف يورو فقط، وعندما بحثنا في المدن الآخرى الواقعة في ولاية بافاريا الألمانية التي تقع فيها مدينة نوردلينجن، وجدنا مثلًا أن شراء منزل أو فيلا حديثة ليس لها خلفية تاريخية أو لا تحتوي في جدرانها على الألماس في مدينة ميونخ، قد تكلفك ضعف سعر المنازل التاريخية في نوردلينجن.

نوردلينجن

وعندما أجرينا بحثًا آخر وجدنا أن متوسط سعر الجرام الواحد من الألماس الخام قد يصل إلى حوالي 21 ألف دولار أمريكي، والمدينة فيها حوالي 72 ألف طن من الألماس، والطن الواحد يساوي 907 و185 جرامًا، هذا يعنى أن متوسط سعر مجمل الألماس في المدينة في حالة استخراجه قد يصل إلى بليار و371 بليون و663 مليار و720 مليون دولار أمريكي! رقم غريب ومفاجئ في الحقيقة، ومن الصعب قراءته.

وإذا حاولنا مقارنة قيمة الألماس في المدينة بالناتج المحلي لدولة ألمانيا والذي يساوي 3.861 تريليون دولار سنويًا، سوف نجد أن سعر الألماس يمكن أن يساوي الناتج المحلي لألمانيا في حوالي 355 سنة كاملة.

ولكن مع الأسف لا أحد من السكان المدينة على مر التاريخ ولا أي من الحكومات الألمانية المتعاقبة شرعت حتى في استخراج الألماس؛ بسبب حجمه الضئيل جدًا، والذي لا يمكن حتى رؤيته بالعين المجردة، والبحث والتنقيب عنه ومحاولة تجميعه لتكوين جزيئات كبيرة يمكن الاستفادة منها اقتصاديًا من الممكن أن يكلف أكثر من سعر البيع في سوق الألماس العالمي كما صرح علماء الجيولوجيا الألمان.

سياحة وسفر

منذ 8 شهور
قصة «مدينة الشر في الأرض» التي أصبحت مزارًا للسياح في قاع المحيط!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد