يمكنك قراءة المادة مترجمة للإنجليزية من هنا.

في سنوات طفولته الأولى، انخرط (س. ع)، أحد أفراد المحاميد، الواقعة بمنطقة دارفور، في تربية الإبل والمواشي في مناطق تفتقر لوجود مدارس أو أي مظهر من مظاهر «الحضر»، التي لا توجد إلا على بعد آلاف الأميال في العاصمة والمدن الرئيسية التي لم يزرها من قبل.

وكحال آلاف الشباب من أبناء قبيلته، تحول (س. ع)، في العاشرة من عمره، إلى راعٍ لعشرات الغنم يخرج بها يوميًّا إلى منطقته الصحراوية؛ ويعود مع نهاية اليوم ليسمع حكاوي أقرانه ممن سبقوه إلى الانضمام لميليشيات «الجنجويد»، والتي تحولت بعد ذلك إلى ما بات يُعرف بـ«قوات الدعم السريع»، والتي كان يقودها آنذاك موسى هلال، الذي صدر بحقه في ما بعد قرار اعتقال من جانب محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، قائد قوات الدعم السريع.

تصل (س. ع) أيضًا حكايات من جنوب دارفور من شباب يُماثله في العُمر، تركوا تجارة الأبقار في جبال كرقوا بأقصى جنوب غرب دارفور، لينضموا لهذه الميليشيات التي تمثلت مهمتها الأولى في مهاجمة القبائل الأفريقية، وطردهم من بيوتهم وإجبارهم على التخلي عن موارد المياه والمراعي المهمة للقبائل الرحل ذات الأصول العربية.

واحدة من هذه الحكايات التي راج صيتها هي منح البشير للأفراد المنضوين تحت راية «الجنجويد» امتياز التنقيب عن الذهب في منطقة دارفور الغنية به، مقابل ولاء وامتياز لمساندتهم الدائمة للحكومة في نزاعها مع القبائل الأفريقية.

بحلول عام 2007، تعرضت مهنة الرعي التي يمتهنها (س. ع) ومعه المئات لضرر كبير بسبب التصحر، بعدما انخفضت موارد المياه انخفاضًا كبيرًا في دارفور، ليبدأ في الانضمام كحال أغلب أقرانه إلى «الجنجويد»، خصوصًا بعدما تعددت مزايا المنضمين، وارتفع حجم الدعم المالي الذي تقدمه السلطات الحكومية لهذه المجموعات.

وعبر وساطة قائد قبيلته العربية، انضم (س. ع) للجنجويد بكُل «سهولة» -كما يحكي لـ«ساسة بوست»- دون أي اختبارات؛ في ظل المتطلبات «البسيطة» للانضمام، والتي تتمحور في «ولاء قبلي وشخصي».

يصف (س. ع) لمراسل «ساسة بوست» -عبر وسيط محلي منتم لمنطقته نفسها، وكان مسؤولًا عن ترجمة بعض المُفردات- الأيام الأولى لانضمامه قائلًا: «انتظمنا في تدريبات (بسيطة)، لم تكن تدريبات عسكرية كتلك التي يتدرب عليها الجيوش أو الشرطة. زودونا فقط بالأسلحة والمعدات العسكرية، وطالبونا بالالتزام بالمهام، وشجعونا بالحوافز المالية.

لا يعرف الشاب العشريني الكتابة أو القراءة، كما يجهل استخدام الأسلحة الثقيلة كحال أفراد الجيش السوداني، ويقول: «أعداد صغيرة، وتحديدًا الدفعات الأخيرة من قوات الدعم السريع، هي من تدربت على استخدام الأسلحة الثقيلة التي من بينها مضادات للطائرات والمدافع، بينما كان الباقون قادرين، فقط، على حمل السلاح».

يتحدث فرد الدعم السريع عبر الهاتف بمفردات عربية تمتزج بلهجات أخرى، تختلف عن اللهجة التي يتحدث بها سكان الخرطوم والمُدن الرئيسية في السودان؛ فعلي سبيل المثال، يُسمى فرد الدعم السريع الهاتف الذي يتحدث من خلاله «كلامه»، وهو المُفرد الذي يعود أصوله إلى أفريقيا، بينما يصفه سكان الخرطوم ومُدن السودان بـ«التليفون». كذلك يجهل الكثير من أفراد «الجنجويد» اللغة العربية، ويتحدثون الفرنسية، خصوصًا القادمين من تشاد.

من بين المهام التي كُلف بها (س. ع) كانت التصدي للحركات المسلحة، وعلى رأسها «الحركة الشعبية لتحرير السودان» في منطقة دارفور، والتي كانت تحارب الحكومة المركزية السودانية، فيقول: «كان كُل شيء مُباحًا من قتل واغتصاب ومحو لقرى كاملة بأهلها من أجل البقاء»، وهي الحرب التي عدتها المنظمات الحقوقية واحدة من أكبر عمليات النزوح الجماعي في القارة السمراء.

بمرور السنوات، أصبحت «المحاميد» وهي أحد فروع قبيلة الزريقات، المكون الرئيسي «للجنجويد». يقول (س. ع): «المحاميد هي فرع لقبيلة الزريجات، أي بطن من بطون القبيلة. والمكون الرئيسي لقوات الدعم السريع هم الرزيقات تحديدًا، وهذا الفرع من القبيلة لديه امتدادات في تشاد».

ويمكن القول بأن امتداد قبيلة الرزيقات إلى تشاد كان عاملًا أساسيًّا في الاستعانة ببعض أفرادهم هناك للانضمام «للدعم السريع» في ظل الحاجة المُلحة لرفع أعدادهم بعدما أعاد الرئيس السابق عُمر البشير تشكيلهم ومنحهم اسم قوات الدعم السريع، وضمهم إلى القوات الأمنية السودانية، كما يقول الفرد المنتسب للدعم السريع لـ«ساسة بوست».

تنوعت خلفيات زملاء (س. ع) في قوات الدعم السريع بين منتسبين لقبيلة الرزيقات، وآخرين من تشاد ومالي، إلى جانب جنود الجيش السوداني الذين أدوا الخدمة الإلزامية في السابق وعادوا للانضمام إلى الدعم السريع لظروف اقتصادية؛ بالإضافة إلى مقاتلي الحركات الدارفورية المعارضة التي انضمت إلى إتفاقيات السلام في فترات سابقة.

كانت السنوات الثلاث الأخيرة هي النطاق الزمني الذي شهد انضمام أبناء قبائل من خارج منطقة دارفور لقوات الدعم السريع، بعدما اتسعت مهامها خارج البلاد، وارتفعت مزاياها المالية كما يقول الشاب العشريني. يُضيف أيضًا بعدًا آخر بقوله: «وصلت لنا معلومات حول تحركات للتواصل مع قادة القبائل لضم أفراد جدد لنا في العامين الأخيرين، بعدما اتسعت مهامنا، وانتقلت أعداد كبيرة منا للحرب في اليمن».

وبحسبه، كان السفر إلى اليمن «حلم» الكثيرين من أفراد الدعم السريع، بعدما ارتفعت مكأفاة الاشتراك في الحرب لنحو 350 دولارًا يوميًّا، مع مبلغ مالي يصل إلى أسرته حال مقتله خلال الحرب، ويُقدر بنحو 7 آلاف دولار. وقبل أسبوع، من بدء الاحتجاجات السودانية في نهاية العام الماضي، انتشر مقطع فيديو، يدعو من خلاله حميدتي قادة القبائل في شمال السودان بسرعة ضم أبنائهم لقوات الدعم السريع، وهو ما أكده شيوخ القبائل في تصريحات للصحف السودانية.

لم يزر الشاب العشريني الخرطوم طيلة السنوات السابقة، كحال أغلب أبناء منطقته الواقعة جنوب السودان، سوى المرة الوحيدة التي عاد لها عند نشوء الاحتجاجات بقرار رئاسي من البشير من أجل حمايته، وتحصين القصر الرئاسي، خوفًا من أي انقلاب محتمل عليه من الجيش السوداني. عند وصول الشاب العشريني إلى الخرطوم، لأول مرة، منذ اندلاع الاحتجاجات، لم يكن يعرف المدينة، أو أحياءها، وكان يسأل السكان عن أسماء الأحياء والمناطق.

كانت زيارات الشاب للخرطوم قاصرة على مناطق صحراوية تبعد عنها آلاف الكيلومترات، بعدما خصص لهم البشير معسكرات تدريب في منطقة شمباط بالخرطوم البحري، وكذلك معسكرات في منطقة الجيلي شمال الخرطوم، وفقًا له. عند ميدان اعتصام القيادة العامة، اعتاد الشاب الجلوس ببزة عسكرية مموهة الألوان، و«شبشب» في قدميه، على كرسي أمام سيارة، مُعلقًا عليها رمز لقرون الغزال، تحمل لوحتها حروف «ق.د.س»، وهي الحروف المُستخدمة لترميز كافة سيارات قوات الدعم السريع، ومكتوب عليها شعارها «سرعة.. جاهزية.. حسم». ويقول: «كانت التعليمات الالتزام بالمُسالمة مع المعتصمين، وعدم التعرض لهم».

لا يهتم (س. ع) بما يدور حوله من اعتصامات أو مطالب هؤلاء المحتجين أو حتى البشير؛ ما يعنيه «هو الالتزام بالتعليمات من أجل الاستمرار». ويتراوح أعمار أفراد قوات الدعم السريع ما بين (13– 30 عامًا)، بينما يصل عددهم لنحو 40 ألف عسكري، ويتلقون أجورًا مالية أعلى باضعاف مما يستحقه فرد الجيش، نظرًا إلى تبعيتهم المُباشرة لرئاسة الجمهورية.

الفريق أول حميدتي.. «تاجر الإبل» الذي أضحى الرقم الأخطر في المعادلة السودانية

 

حميدتي .. هل يكون فض الاعتصام نهاية لمسيرة تاجر الإبل؟

على رأس آلاف هذه العناصر التي تنضوي تحت راية قوات الدعم السريع، يبرز اسم تاجر الإبل سابقًا، وقائدهم حاليًا، محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الذي ينحدر من قبيلة عربية بدوية على الحدود بين تشاد والسودان، والذي ارتفع طموحه السياسي، بعد إطاحة البشير، وبات مدعومًا سياسيًّا من بعض الدول الخليجية.

غير أن تورط عناصره في فض اعتصام القيادة العامة، الذي أدى لمقتل المئات، ووقوع بعض الانتهاكات بحق المواطنين المدنيين، ورواج اسم قواته في بيانات الإدانة الدولية «للمذبحة» في السودان، حتى من بعض حلفائه السابقين كحال الإمارات، يفتح الباب أمام شكوك حول استمرارية هذا الصعود السياسي الذي جعل الكثيرين يتكهنون باحتمالية نهايته.

من جانبه، يصف عبد الفتاح سعيد، وهو باحث سوداني مُقيم في أمريكا، حميدتي لـ«ساسة بوست» بالرجل «سريع الغضب، الذي لا يدرس الأمور السياسية من كل جوانبها، ما أدى إلى كارثة فض الاعتصام بالقوة. فقد مثل رأس الرمح في عملية فض الاعتصام، ورفض الاتفاق مع قوى الحرية والتغيير».

ويُضيف سعيد أن «الرجل ينقُصه الذكاء في تشكيل المواقف، ولكن أحاديثه السياسية ونيران تصريحاته تلحق ضررًا به وبأصدقائه قبل أعدائه. فما حققه من مكاسب عسكرية في مناطق النزاع خسره في ساعتين عند فض قواته للاعتصام أمام القيادة العامة يوم الاثنين الماضي». بل يرى أنه قد حرق سياسيًّا، ومن الصعب عليه استعادة الأراضي السياسية التي فقدها.

ويُكمل: «لحميدتي ميزة وهي في مجال السياسة تعد خصمًا عليه، وهي أنه واضح في مواقفه لا يعرف الدبلوماسية، ربما لأنه ليس سياسيًّا، وإنما ولج لعالم السياسة عبر الإمكانات العسكرية والسياسية التي وفرها له الرئيس المخلوع».

قبل وقوع حادثة فض الاعتصام من جانب قوات حميدتي، تبدلت صورته في الشارع بوصفه قائد قوات الجنجويد التي ارتكبت انتهاكات واسعة في دارفور، إلى داعم للثورة بعد انحياز الجيش وقواته للثورة في الحادي عشر من أبريل (نيسان) الماضي وإزاحة الرئيس البشير من السلطة انحيازًا لرغبة الجماهير، كما عده عدد غير قليل من السياسيين شريكًا في الثورة، وفقًا لعبد الفتاح سعيد.

بينما يرى حامد علي، أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية في القاهرة، وهو سوداني الجنسية، أن حميدتي شخص «وظيفي» خُلق لتأدية أدوار «ميليشاوية»، وليس له قاعدة سياسية أو تحالفات سياسيات تجعل طموحاته نحو الصعود للسلطة أمرًا ممكنًا، موضحًا أن رفضه في بداية الثورة الاعتداء على المتظاهرين كانت مُناورة لحماية مصالحه.

ويُضيف في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» أن مجموعة القوات المنضوية تحت سيطرة حميدتي ليست كُتلة بشرية واحدة، وتنقسم بين قطاع كبير منها أشبه «بموظفين» ينصاعون بالأوامر من أجل الحصول على المال شهريًّا، وآخرين منتمين للقبائل، والجزء الأخير عناصر لديها ولاء سياسي وإثني لحميدتي، ويُقدرون بنحو 3 آلاف من أصل كُل هذه القوات، مؤكدًا أن هذا الأمر يجعل من إطاحته أمرًا مُمكنًا دون أن تتحرك هذه العناصر معه أو تؤدي لحرب أهلية.

يُلخص علي فكرته بالقول: «أي قائد جديد سيجيء، سيكونون على درجة من الولاء له من أجل المال، وسيتركون حميدتي». ويوضح أن هذه العناصر ليست مُدربة تدريبًا عسكريًّا احترافيًّا أو على التقنيات العسكرية الحديثة كحال الجيوش النظامية، وانتصاراتهم في المناطق الحدودية كانت تعود بشكل كبير للأعمال الاستخباراتية والاختراقات التي كان يُنفذها جهاز الأمن والاستخبارات.

بينما يرى علي أن الجيش السوداني «مؤسسة مهمة وحرفية» مهما كانت تجاوزاتها، وأن لديه رمزية وحضورًا مؤثرًا عند العامة، ويتكون من كافة القبائل على عكس قوات الدعم السريع، مؤكدًا أن العامل الذي يقف وراء عدم تحركه إلى الآن قادة المجلس المفتقرين للرؤية. ويختم حديثه: «كيف يمكن لشخص جاهل لا يعرف يقرأ أو يكتب أن يحكم بلدًا كالسودان؟» في إشارة لحميدتي.

«الاثنين الدامي» في السودان.. شهادات خاصة حول ما حدث في ساعتي فض الاعتصام

عرض التعليقات
تحميل المزيد