قد يظن البعض أن الممارسات الإمبريالية الأمريكية تقتصر على الشرق الأوسط، أو تستهدف العرب أو المسلمين، دون الانتباه إلى تجارب دول أمريكا اللاتينية مع واشنطن. فالولايات المتحدة دائمًا ما كانت تسعى لفرض سيطرتها على الدول، بغض النظر عن العرق أو الدين السائد فيها، إذ كثيرًا ما تسعى الدول العظمى لتنصيب أو دعم حكام فاسدين على الدول الصغرى؛ ليسهل عليها الحصول على ما تريده من هذه الدول دون اعتبار لمصالح شعوبها.

دولي

منذ 7 شهور
الراعي الرسمي للانقلابات فيها.. لماذا تتدخل أمريكا في شؤون أمريكا اللاتينية؟

في هذا التقرير نسلط الضوء على قصة بنما، إحدى أكثر البقاع التي عانت من تدخلات الولايات المتحدة، التي اتخذتها مركزًا لتدخلاتها في أمريكا اللاتينية، وسنعرف أيضًا كيف تدخلت واشنطن تدخلًا سافرًا لتغيير حكام بنما على مدار نحو قرن من الزمان، وكيف تنوعت تدخلات أمريكا بين الانقلابات والتدخلات العسكرية، والاغتيالات، والغزو العسكري لإزاحة أي شيء يقف أمام هيمنتها على بنما!

دولة بنما.. في البدء كانت أمريكا!

كانت بنما جزءًا من كولومبيا حين مُنح الدبلوماسي الفرنسي فرديناند ديليسبس وشركته (الذي كان له دور فعال في بناء قناة السويس بمصر) حقوق بناء قناة بنما من الحكومة الكولومبية، وبدأ البناء في عام 1880، لكن المشروع توقف في عام 1889 بسبب حدوث كارثة مالية للشركة المنفذة.

في بداية القرن العشرين طالبت الولايات المتحدة بتحويل مشروع قناة بنما لإدارة أمريكية، لكن كولومبيا رفضت، فأرسل الرئيس الأمريكي روزفيلت عام 1903 أسطولًا حربيًّا. هبط الجنود في أراضي بنما وقبضوا على قادة المليشيا المحلية وقتلوهم، وأعلنوا بنما دولة مستقلة، ونصبوا حكومة شكلية موالية للولايات المتحدة.

جرى توقيع معاهدة قناة بنما الأولى بين وزير الخارجية الأمريكي والمهندس الفرنسي فيليب فاريللا الذي كان عضوًا بالمحاولة الأولى لشق القناة، واللافت في الأمر أن المعاهدة لم تتضمن توقيع أي شخص بنمي، وأعطت هذه المعاهدة للولايات المتحدة حق التدخل العسكري، وإنشاء منطقة أمريكية، والاستيلاء على الأراضي جانبي الممر المائي مستقبلًا، مما منح واشنطن سيطرة كبرى على الدولة التي أعلنتها دولة مستقلة.

بقيت بنما نحو نصف قرن تحت حكم حكومات أقلية مكونة من العائلات الثرية البيضاء الموالية لأمريكا بشكل كامل، فقد كانت بنما مركزًا لعمليات الاستخبارات الأمريكية المركزية ووكالة الأمن القومي الأمريكي في النصف الغربي للكرة الأرضية، ما ساعد الحكومات الديكتاتورية لبنما على قمع أي معارضة.

أرنولفو أرياس.. طبيب مدني حاول تحدي الولايات المتحدة

تخلل هذه الفترة تولى الدكتور أرنولفو أرياس السلطة في يونيو (حزيران) 1940، بعد فوزه بالانتخابات، في الوقت الذي بدأ فيه الجيش الأمريكي بالضغط من أجل الحصول على تنازلات إقليمية أكبر من بنما، لبناء منشآت دفاعية بحجة حماية قناة بنما.

Embed from Getty Images

أرنولفو أرياس

في مقابل هذه الامتيازات، طالب أرياس بامتيازات اقتصادية أكبر من الولايات المتحدة، لكن الحكومة الأمريكية قاومت مطالب أرياس، فحاول مناورة الولايات المتحدة وقال: «بما أن بنما قد تخلت عن أراضيها للولايات المتحدة لبناء القناة، فإن بنما يمكنها أيضًا التنازل عن أراضي لألمانيا، حتى يتمكنوا من بناء ما يرغبون فيه هنا ويمكنهم مساعدتنا ضد الإمبريالية».

لم يبق أرياس فترة طويلة بالحكم، إذ أطاحه انقلاب مدعوم من الولايات المتحدة في أكتوبر  (تشرين الأوَّل) 1941، لتحصل واشنطن بسرعة على اتفاقية مواقع الدفاع التي أرادتها، ونُفي أرياس خارج البلاد حتى عام 1945.

في عام 1949، وصل أرياس للحكم ثانية بعد فوزه بالانتخابات، ولكن لم يبق سوى 18 شهرًا حتى أخاف العائلات النافذة والحرس الوطني بسياساته العمالية، وخطابه المعادي لأمريكا؛ فأطاحه الجيش في عام 1951، وحرم أرياس من الحقوق السياسية من عام 1951 إلى عام 1960.

عاد أرياس للظهور مرة أخرى عام 1964 في انتخابات الرئاسة، لكنه حُرم من الوصول للحكم بسبب تزوير انتخابي واضح، وسيطر ماركو روبلز على السلطة التنفيذية في بنما بفضل التزوير.

لم ييأس أرياس، وعاد بعد أربع سنوات مرشحًا رئاسيًّا لتحالف من خمسة أحزاب، وفاز بالفعل في انتخابات عام 1968 ووصل للسلطة للمرة الثالثة. وفور توليه الحكم حاول السيطرة على السلطة التشريعية والمحكمة العليا، وإعادة هيكلة قيادة الحرس الوطني لحماية الديمقراطية الهشة من الجيش، فأطاحه الحرس الوطني بعد 11 يومًا فقط من توليه منصب الرئيس، وتحديدًا في الأول من أكتوبر 1968، وتولى السلطة بعد ذلك الجنرال عمر توريخوس.

عمر توريخوس.. الرجل الذي وقف أمام الولايات المتحدة

لا يُعد عمر توريخوس أشهر زعيم في تاريخ بنما فحسب؛ بل أيضًا أحد أشهر الشخصيات في أمريكا اللاتينية في القرن العشرين. فتوريخوس الرجل العسكري في جمهورية صغيرة كان معظم رؤسائها المدنيين مسايرين لرغبات الأمريكيين على مر السنين، قد نجح في التفاوض على معاهدة «قناة ودفاع» جديدة مع أقوى دولة في العالم.

وصفه منتقدوه بأنه ديكتاتور يقرص العم سام ويتملق فيدل كاسترو، لكن توريخوس، كان أكثر تعقيدًا من ذلك. فذلك الجنرال كافح ضد الهيمنة الأمريكية ورفض في الوقت نفسه الانضمام للمعسكر الشيوعي، ما أكسبه شعبية كبيرة ليس في بلده فقط، بل في النصف الغربي للكرة الأرضية.

بعد وصوله إلى السلطة عام 1968، سعى توريخوس لكسب دعم من الطبقة الدنيا والمتوسطة، باستخدام مزيج من القومية والشعبوية، وشجع القرويين الصغار في مشروعاتهم الزراعية أو الحرفية على الاكتفاء الذاتي، وأزاح النخب السياسية التقليدية التي تسيطر عليها العائلات الثرية من الأقلية البيضاء، وترك قاعدة قوتهم الاقتصادية دون تغيير إلى حد كبير.

توريخوس يصافح كارتر أثناء مفاوضات تسليم القناة لبنما

مارس توريخوس في البداية بعض الأعمال الديكتاتورية، إذ حظر الأحزاب السياسية، وحل السلطة التشريعية، وبرر سياساته تلك بأنها مطلوبة من أجل إشباع الاحتياجات الاجتماعية للسكان، والحاجة الملحة للحفاظ على الوحدة الوطنية من أجل التفاوض على معاهدة مع الولايات المتحدة للتنازل عن السيادة على منطقة القناة، وتمكين بنما من قناتها.

في أوائل السبعينيات، كانت قوة التحالف الشعبوي الذي شكله توريخوس مثيرة للإعجاب. فقد قلل من العداء بين الحرس الوطني والطلاب، وحصل على ولاء الطبقات المتوسطة من خلال زيادة التوظيف في القطاع العام، وساعدت مشروعات الإسكان العام الكبرى، إلى جانب برامج الصحة والتعليم وبرامج الخدمة الاجتماعية الأخرى، في الحفاظ على شعبيته في المناطق الحضرية. وكسب قادة العمال من خلال اعتماد قانون عمل أكثر ملاءمة، بالإضافة إلى تأكيده المستمر على ضرورة السيطرة على القناة من الولايات المتحدة، قلل من الجاذبية القومية لسلفه الرئيس القومي أرنولفو أرياس.

وعندما كانت المناقشات بين الولايات المتحدة وبنما حول القناة ميتة تقريبًا؛ نقل توريخوس قضية بنما إلى بقية أمريكا اللاتينية. وحين وصل جيمي كارتر لرئاسة أمريكا في يناير (كانون الثاني) 1977، كان معظم النصف الغربي للكرة الأرضية يقف وراء توريخوس وبنما، ضد الولايات المتحدة بشأن قضية القناة.

في 10 أغسطس (آب) عام 1977 حصل توريخوس أخيرًا على معاهدة جديدة مع الأمريكان لنقل القناة تدريجيًّا لبنما؛ حتى تتم السيطرة البنمية على القناة في عام 2000، وكان ذلك نصرًا كبيرًا انتُزع من فم أقوى دولة في العالم بصعوبة، ومع ذلك قال عنه منتقدوه إنه دمية العم سام، واتهموه بالماركسية في الولايات المتحدة.

وعد توريخوس خلال مفاوضات القناة بإجراء التحول الديمقراطي وإعادة الجيش إلى الثكنات، وبالفعل بدأ بإجراءات مُبشرة؛ إذ أجرى الخطوة الأولى في عملية استعادة الحكم المدني في تعديلات الدستور عام 1978، وسمح للمعارضين السياسيين المنفيين بالعودة، وسمح بعودة ظهور الأحزاب السياسية، ووعد بإجراء انتخابات تشريعية في عام 1980، وانتخابات رئاسية في عام 1984. وعين توريخوس رئيسًا مدنيًّا جديدًا، اسمه أريستيدس رويو، وأعلن أنه سيتخلى عن السلطات الخاصة التي مارسها منذ عام 1972.

لكن  علاقة الولايات المتحدة ببنما اختلفت بعد وصول رونالد ريجان للحكم في يناير 1981؛ فالإدارة الأمريكية الجديدة الأقل تشدقًا بالقيم الديمقراطية من سالفتها، طلبت إعادة فتح المفاوضات بشأن القناة، وصمد توريخوس أمام الضغوط ورفض طلبات ريجان.

يروي الاقتصادي الأمريكي جون بيركنز صاحب كتاب «اعترافات قرصان اقتصادي»: «عندما قدمت عروض تنمية البنية التحتية لبنما، التي نستخدمها لإخضاع الدول عن طريق إغراقها بالديون، رفض عمر توريخوس العرض وهو يعرف أنه يخاطر بحياته، وقال: ربما أكون التالي بعد خايمى رولدوس الذي قتلتموه».

وبالفعل، بعد تحطم طائرة رولدوس بشهرين، انفجرت طائرة عمر توريخوس في 31 يوليو (تموز) 1981، ليرحل أحد أبرز الزعماء الذين تحدوا الهيمنة الأمريكية، وسط اتهامات بضلوع الاستخبارات الأمريكية في الأمر.

لتذهب السلطة في بنما لأحد رجال الاستخبارات الأمريكية، رئيس الاستخبارات الجنرال مانويل نورييجا، الذي لم يكن سعيدًا بإجراءات التحول الديمقراطي التي شرع بها توريخوس.

بعد أن أوصلته إلى الحكم.. «رجل المخابرات الأمريكية» ينقلب عليها

تولى مانويل نورييجا رئاسة المخابرات العسكرية تحت حكم عمر توريخوس، وساعده هذا المنصب ليصبح أحد أكبر الفاسدين في العالم، إذ أشرف على صفقات الجيش الفاسدة خارج القانون، وأدار قوة الشرطة السرية الوحشية، وكان وراء اختفاء عشرات المعارضين، الذين كانت تظهر بعض جثثهم فيما بعد وعليها آثار التعذيب.

ومنذ أوائل السبعينيات عمل نورييجا لحساب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بأجر مدفوع، وساعد القوات الأمريكية على إنشاء مراكز تنصت في بنما، واستخدام البلاد لمساعدة القوات الموالية لأمريكا للتمرد على الحكم اليساري في السلفادور ونيكاراجوا. لكن نورييجا كان يتلاعب بمسؤوليه البنميين والأمريكيين لتعزيز مصالحه الخاصة، وكان يبيع أسرار المخابرات الأمريكية لكوبا وحكومات أوروبا الشرقية.

 يذكر  موقع «سي أي إيه» تصريحًا لرئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية في إدارة كارتر، ستانسفيلد ترنر أنه كان قد أزال مانويل نورييجا من قائمة رواتب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في عام 1977، لأنه كان شخصية بغيضة سيئة السمعة، لكن إدارة ريجان أعادت تجنيده.

بعد مقتل توريخوس في حادث تحطم الطائرة بعامين أصبح نورييجا الحاكم الفعلي عام 1983، بعد أن أقنع الجنرال روبين داريو باريديس بترك منصب قائد القوات المسلحة له، مقابل دعم نورييجا لباريديس ليكون رئيسًا للبلاد. وبعد ذلك، نقض نورييجا الاتفاق واعتقل باريديس ورقَّى نفسه لرتبه جنرال، ليفرض سيطرته على الحكم، وتبدأ حقبته من الحكم القمعي الفاسد.

وبحلول ذلك الوقت، كان يعمل بالفعل في مساعدة زعماء المخدرات الكولومبيين، مثل بابلو إسكوبار، على تهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة، وغسل أموال المخدرات عبر بنوك بنما، وتلقى مقابل ذلك ملايين الدولارات، وعرف المسؤولون الأمريكيون عن بعض صفقاته الفاسدة في وقت مبكر من عام 1978، وبحلول عام 1983 كان لديهم 21 دليلًا ضد نورييجا.

Embed from Getty Images

لكن الولايات المتحدة امتنعت في البداية عن اتخاذ إجراءات ضده؛ فدولة بنما كانت تعد منطقة عازلة ضد التمردات اليسارية في أمريكا الوسطى خلال الحرب الباردة. إذ جعل نورييجا نفسه عميلًا قيمًا للولايات المتحدة خلال حروب عصابات الكونترا، عندما سمح للولايات المتحدة بإنشاء مراكز تنصت في بنما، ومساعدة الحملة الأمريكية ضد نظام ساندينيستا اليساري في نيكاراغوا. وقد سمح نورييجا بجعل بنما وسيطًا لتوصيل الأموال والأسلحة الأمريكية لعصابات الكونترا؛ إذ سعى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان لتقويض الساندينيين، مما جعل الولايات المتحدة لا تنقلب بسهولة على ذلك العميل المزدوج.

في عام 1984 أجرى نورييجا انتخابات رئاسية ودعم مرشحًا مواليًا له اسمه نيكولاس بارليتا، لكن الرجل المناهض لأمريكا الذي عُزل من الرئاسة ثلاث مرات، أرنولفو أرياس، عاد مجددًا وتقدم بشكل واضح في الانتخابات، ولكن نورييجا تدخل واختفى 60 ألفًا من أصوات المعارضة، ورجح كافة مرشحه.

في عام 1985 أقال نورييجا نيكولاس بارليتا، الرئيس الذي ساعده على الفوز بالانتخابات بعد أن تجرأ على معارضته، وبدأت التوترات مع الولايات المتحدة تتصاعد، إذ كانت الانتخابات ضمن شروط الولايات المتحدة لإعادة السيطرة على قناة بنما.

«قبل ثمانية أسابيع فقط من اتهام المدعين الأمريكيين لنورييجا، ظلت وكالة الاستخبارات الأمريكية تؤكد أنه لا توجد أدلة كافية ضده».

في عام 1986 وافق مجلس الشيوخ الأمريكي بأغلبية ساحقة على قرار يدعو بنما لطرد نورييجا من قوات الدفاع البنمية، ريثما يجري التحقيق في اتهامات بالفساد والاحتيال والقتل والاتجار بالمخدرات. وفي العام التالي، بعد أن قطع الكونجرس المساعدات العسكرية والاقتصادية، وتخلفت بنما عن سداد ديونها الخارجية، وانكمش اقتصادها بنسبة 20%؛ اندلعت أعمال شغب عندما اتهم العقيد روبرتو هيريرا، الثاني في قيادة قوات الدفاع، نورييجا، علنًا​بالأنشطة المتعلقة بالمخدرات، وقتل المعارضين وتزوير الانتخابات، وزرع قنبلة في طائرة عمر توريخوس، وجاء تصرف العقيد هيريرا بعد أن أخلَّ نورييجا باتفاق قديم كان يقضي بتسليمه السلطة بعد ولاية نورييجا الأولى.

في عام 1988، وُجهت إلى نورييجا اتهامات أمريكية بالاتجار بالمخدرات، وغسل الأموال، واتُهم بتحويل بنما إلى مركز لشحن كوكايين دول أمريكا الجنوبية إلى الولايات المتحدة، والسماح بإخفاء عائدات المخدرات في البنوك البنمية.

قبل وصول بوش (الأب) إلى الحكم دافع في المناظرة الرئاسية مع مايكل دوكاكس، عن تعامل إدارة ريجان مع نورييجا قائلًا: إن هناك سبع إدارات قد تعاملوا مع ريجان عبر السنوات.

ورد نورييجا بتنظيم مظاهرات في بنما ضد الولايات المتحدة. وهو يمسك بساطور ويتحدث إلى حشد من الناس، قائلًا: «لن نرجع خطوة إلى الوراء!» للظهور كمناضل ضد الهيمنة الأمريكية.

في عام 1988، حدث انقلاب فاشل على نورييجا، وفي العام التالي في مايو (أيار) 1989 تدخل نورييجا في الانتخابات الرئاسية، التي تضمنت مرشحًا مدعومًا من الولايات المتحدة، وزوَّر الانتخابات وأعلن فوز مرشحه، مما زاد من الضغط على الولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات. وبعد انقلاب فاشل آخر، في عام 1989، أعلن نورييجا نفسه قائدًا أعلى، وأعلنت الجمعية الوطنية الحرب على الولايات المتحدة، وفي اليوم التالي قُتل ضابط أمريكي في أحد الحواجز البنمية.

وجاء الرد سريعًا في 17 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، بعد أن أمر الرئيس الأمريكي جورج بوش (الأب) بإرسال قوات إلى بنما بهدف القبض على نورييجا؛ لمواجهة تهم المخدرات في الولايات المتحدة، وفي 20 ديسمبر 1989، غزت القوات الأمريكية بنما، ودمرت مقرات الجيش وقلبت العاصمة رأسًا على عقب للعثور على نورييجا.

لكن نورييجا لجأ لسفارة الفاتيكان فحاصرت القوات الأمريكية السفارة، وأحضروا متخصصين في الحرب النفسية؛ لمحاولة إرغامه على الاستسلام، فشغلت القوات الأمريكية موسيقى الروك الصاخبة، وقطعت وأحرقت أشجار حقل قريب محولة إياه إلى مهبط لطائرات الهليكوبتر وبعد 10 أيام من الحصار، استسلم نورييجا في 3 يناير 1990، لتقبض الولايات المتحدة على الرجل الذي ساعدته للوصول للسلطة.

خلال هذا الغزو، قتل 23 جنديًّا أمريكيًّا وجرح أكثر من 300، وقُتل نحو 450 من القوات البنمية، وتتراوح تقديرات عدد المدنيين الذين لقوا حتفهم بين عدة مئات إلى عدة آلاف، بالإضافة إلى آلاف الجرحى.

حُكم على نورييجا في فلوريدا بالسجن 40 سنة في عام 1992، قضى 17 عامًا منها قبل تسليمه عام 2010 إلى فرنسا، حيث أدين بغسل الأموال. وعاد إلى بنما في ديسمبر 2011. وبحلول ذلك الوقت، كانت صحته قد تدهورت، وكان يجلس على كرسي متحرك.

نورييجا بعد أن قبضت عليه القوات الأمريكية

بعد القبض عليه، قال نورييجا «إن الولايات المتحدة، عملت معه يدًا بيد». وفي مذكرات السجن حاول نورييجا إعادة رسم نفسه بطلًا قوميًّا بقوله: «إنه أطيح به لرفضه سياسات ومبادئ واشنطن بالحرب الباردة في أمريكا الوسطى».

ويبدو أن نورييجا خلص في النهاية إلى أنه كان يمكن التغاضي عن جرائمه، إذا لم يخرج عن طاعة الولايات المتحدة، إذ قال الصحافي جون لي أندرسون عبر «تويتر» إن نورييجا أخبره في مقابلة عام 2016: «أنه ارتكب خطأ في تحدي الولايات المتحدة.. لن أفعل ذلك مرة أخرى».

وفي يناير 2017، سمح قاضٍ بتخفيف سجن نورييجا إلى الإقامة الجبرية، نظرًا إلى إصابته بورم في المخ وحاجته للخضوع لعملية جراحية، وتوفى بعد إجرائه العملية الجراحية في مايو 2017، عن عمر 83 عامًا.

دولي

منذ 6 شهور
المارد الصيني يغزو أمريكا اللاتينية.. ما الذي تفعله الصين في فناء أمريكا الخلفي؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد